![]() |
الله يجزيك الخير
أخي ابو فيصل الحربي |
تاريخ الدوله العثمانيه
بسم الله الرحمن الرحيم
الدولة العثمانية : 699 ـ 1343 هـ ( لمحة موجزة) العثمانيون من شعب الغز التركي ، وأصلهم من بلاد التركستان ، نزحوا أمام اكتساح جنكيز خان لدولة خوارزم الإسلامية ، بزعامة سليمان الذي غرق أثناء عبوره نهر الفرات سنة 628 هـ فتزعم القبيلة ابنه أرطغرل الذي ساعد علاء الدين السلجوقي في حرب البيزنطيين فأقطعه وقبيلته بقعة من الأرض في محاذاة بلاد الروم غربي دولة سلاجقة الروم. وهذه الحادثة حادثة جليلة تدل على ما في أخلاقهم من الشهامة والبطولة. ويعتبر عثمان بن أرطغرل هو المؤسس الأول للدولة العثمانية،وبه سميت ،عندما استقل بإمارته سنة 699 هـ وأخذت هذه الإمارة على عاتقها حماية العالم الإسلامي،وتولت قيادة الجهاد،وأصبحت المتنفس الوحيد للجهاد ،فجاءها كل راغب فيه… وفي عام 923 هـ انتقلت الخلافة الشرعية لسليم الأول بعد تنازل المتوكل على الله أخر خليفة عباسي في القاهرة… وبهذه العاطفة الإسلامية المتأججة في نفوسهم ممتزجة بالروح العسكرية المتأصلة في كيانهم ، حملوا راية الإسلام ، وأقاموا أكبر دولة إسلامية عرفها التاريخ في قرونه المتأخرة… وبقيت الحارس الأمين للعالم الإسلامي أربعة قرون،وأطلقت على دولتهم اسم (بلاد الإسلام) وعلى حاكمها اسم (سلطان) وكان أعز ألقابه إليه (الغازي) أي:المجاهد..واللفظان العثماني والتركي فهما من المصطلحات الحديثة…وحكمت بالعدل بالعمل بالشرع الإسلامي في القرون الثلاثة الأولى لتكوين هذه الدولة… نعم : إن العثمانيين الذين تبوأوا منصباً في عهد سلاطينهم الفاتحين ووسعوا رقعة بلاد الإسلام شرقاً وغرباً واندحرت الأطماع الصليبية أمامهم وحقق الله على أيديهم هزيمة قادة الكفر والتآمر على بلاد المسلمين وارتجفت أوروبا خوفاً وفزعاً من بعض قادتهم أولئك كانت الروح الإسلامية عندهم عالية . . وكانت روح الانضباط التي يتحلى بها الجندي عاملاً من عوامل انتصاراتهم وهي التي شجعت محمد الثاني على القيام بفتوحاته . وكانت غيرتهم على الإسلام شديدة وكثر حماسهم له لقد بدأوا حياتهم الإسلامية بروح طيبة وساعدتهم الحيوية التي لا تنضب إذ أنهم شعب شاب جديد لم تفتنه مباهج الحياة المادية والثراء ولم ينغمس في مفاسد الحضارات المضمحلة التي كانت سائدة في البلاد التي فتحوها ولكنهم استفادوا منها فأخذوا ما أفادهم وكانت عندهم القدرة على التحكم والفتح والانتصار وقد أتقنوا نظام الحكم وخاصة في عصر الفاتح ، إذ كان هناك نظام وضع لاختيار المرشحين لتولى أمور الدولة بالانتقاء والاختيار والتدريب والثقافة كما كانوا يشدد ون في اختيار من تؤهله صفاته العقلية والحسية ومواهبه الأخرى المناسبة لشغل الوظائف وكان السلطان رأس الحكم ومركزه وقوته الدافعة وأداة توحيده وتسييره وهو الذي يصدر الأوامر المهمة والتي لها صبغة دينية وكان يحرص على كسب رضاء الله وعلى احترام الشرع الإسلامي المطهر فكان العثمانيون يحبون سلاطينهم مخلصين لهم متعلقين بهم فلم يفكروا لمدة سبعة قرون في تحويل السلطة من آل عثمان إلى غيرهم .ولكن الأمور لم تستمر على المنهج نفسه والأسلوب الذي اتبعوه منذ بزوغ نجمهم في صفحات التاريخ المضيء فقد بدأ الوهن والضعف يزحف إلى كيانهم . وبعد ذكر أسباب السقوط والانحطاط …لا بد أن نذكر شيئاً عن إيجابيات الدولة العثمانية لا شك أن الدولة العثمانية لم تسلم من أخطاء بل أخطاء فادحة،كانت سببًا في زوال الدولة: وإن من يدرس ، بإنعام نظر ، كل سبب من هذه الأسباب التي سوف تذكر.. لا يعجب من انهيار هذه الدولة العظيمة تحت سياط هذه الضربات بل يعجب كيف استطاعت أن تعيش ستمائة سنة وهي تتحمل هذه الضربات القاسية …. وترجع هذه الأسباب في نظري إلى : 1/ مخالفة منهج الله .فالدولة العثمانية منذ أن قامت كانت العاطفة الإسلامية جياشة قوية ، فلما تبعها التربية الإسلامية والتدريب السليم للنظام العسكري الجديد كانت القوة وكان الفتح وكان التوسع ، فلما ضعفت التربية الإسلامية زادات أعمال السلب والنهب والفسق والفجور واستمر الانحراف وظهرت حركات العصيان وفقدت الدولة هيبتها بسبب انصراف السلاطين إلى ملاذاتهم 2/ تشجيع الصوفية: 3/ عدم اتخاذ الإسلام مصدرًا أساسيًا للتشريعات والقوانين والأنظمة التي تسير عليها الدولة،فكثرت إصدار التشريعات والقوانين الوضعية فيما سمي بالتجديدات وذلك بسبب الضغوط الأوروبية… 4/الحروب الصليبية التي شنت على الدولة والتي لم تنقطع منذ ظهورها إلى يوم انهيارها والكلام هنا يطول ويكفي التلميح إلى الحملة الفرنسية على مصر والحملة الفرنسية على الجزائر والتوسع الروسي في بلاد قفقاسيا وتهجير سكانها من داغستان وشاشان وشراكس عام 1282 هـ . والحملة الإنكليزية على مصر وعدن واستيلاء الطليان على طرابلس الغرب . أما المناوشات والغزوات العسكرية والحركات الانفصالية التي أشعلتها الصليبية العالمية في ممتلكات العثمانيين في أوروبا فهي من الأهمية بمكان إذ لم يخل عهد سلطان منها 5/ توسع رقعة الدولة : شغلت الدولة في أوج قوتها وتوسعها مساحة من الأرض تزيد عن أربعة عشر مليونا من الكيلومترات والأمر يختلف عما هو علية في وقتنا الحاضر إذ أن سياسة دفة الحكم في عهد كانت مواصلاته وسائلها الدواب والعربات وبريدها يستغرق الشهور الطويلة والسنين ، وقد تحصنت بالحواجز الطبيعية من أنهار وبحار وجبال وغيرها . والظن أن إعلان الحركات المتمردة والعصابات المتكررة فيها ربما يكون في غاية السهولة كما أن إخمادها أيضاً في غاية الصعوبة . ولم تحتفظ الدولة بتماسكها على الرغم مما أصابها من زلازل ونكبات طيلة ستة قرون إلا بفضل عامل الدين ورابطة العقيدة على الرغم من ظهور من استهان بها ورفع رأسة هنا وهنالك ولكن لم يتجرأ على إعلان بترها أو إلغائها إذ أن رابطة العقيدة أهم عامل حاسم في كيان الأمم وقد استطاعت تلك الرابطة أن تجمع بين الترك والعرب والكرد والشركس والشاشان والداغستان وغيرهم لقرون طويلة حتى قام أعداء هذا الدين وفرقوا شتات الأمة الواحدة بإثارة العصبية الإقليمية التي وصفها الرسول e بأنها منتنة . يقول العلامة ( عبد الرحمن بن خلدون ) والمتوفى في عام 808 هـ . في مقدمته العظيمة التي أسماها ( كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر ) : أن الدول القديمة المستقرة يفنيها شيئان : أولهما أن تنشأ مطالبة من الأطراف ، وهذه الولايات التي تطالب بالاستقلال لا تبدأ بمطالبها إلا إذا تقلص ظل الدولة عنهم وانحسر تيارها ، واما السبب الثاني لانقضاء الدولة المستقرة فيأتي من دعاة وخوارج في داخل هذه الدولة المستقرة ، فيبدوان بالمطالبة ( أولا ) بمطالب صغيرة وليست ذات بال ، ويكون لهؤلاء الدعاة السلاح النفسي الوهمي والمطاولة في طلب الحقوق التي تبدأ صغيرة ثم تنتهي إلى مقصد هيبة الدولة ونظامها ، ولعل أكثر ما يساعد هؤلاء الخارجين على نظام الدولة هو ما يحصل من فتور في همم اتباع هذه الدولة المستقرة ، وفي لحظة من اللحظات وعندما تتضح هرم الدولة المستقرة وتضمحل عقائد التسليم لها من قبل قومها مع انبعاث همم المطالبين بأشياء وأشياء في داخلها ، عندئذ تكتب سنة الله في العباد سطرها الأخير في كتاب العلم الإلهي ، وهذا السطر يفيد بزوال الدولة المستقرة وفناء عمرها ، لأن خللا وافر أقد غزا جميع جهاتها ، ويتضح ذلك للمطالبين من الأطراف ، أو في داخل هذا الخلل الذي اسمه الدولة ، عندها ينكشف ما خفي من هرمها واقتراب تلاشيها ، وفي تلك الاوقات من حياة الأمة المعنية ، يبدأ المرحلة الأخيرة من المناحرة والتي نتيجتها تكون مؤكدة : نشوء دول جديدة مستحدثة وأنظمة على أنقاض الدولة الفانية التي ( كانت ) مستقرة . وكلام العلامة ( أبن خلدون ) هذا ينطبق اكثر ما ينطبق على الدولة العثمانية ، ففي اتساعها وضم أقاليم عديدة تحت لوائها وحكمها ، كان المقتل وكان الخلل من حيث كان يعتقد أن في هذا منتهى القوة والمنعة ،خاصة أن نحن علمنا أن هذه الأقاليم والأمصار تضم قوميات عديدة 6/التخلف العلمي : وهو الذي لا يزال قائماً حتى اليوم وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على الحركة العلمانية الكمالية التي عزته إلى التمسك بالدين . عن العثمانيين قد جاءوا إلى بلاد الأناضول بدواً ولم يتحضروا بل شغلتهم الحروب ولم ينصرفوا إلى العلم بسبب الانشغال بالفتوحات والحروب المستمرة في كل الجبهات ، ولم يسمح لهم الأوروبيون بالاتفات إلى العلم ولا إلى التخطيط لذا استمروا في طبيعة البداوة فأبدوا انتصارات وقدموا خدمات ، والفرق بينهم وبين الاستعمار أن الاستعمار يحرص على تقدم بلاده على حين يبذل جهده في بقاء سكان المناطق التي يحتلها على حالة من الجهل والتخلف أما هم فكانوا وغيرهم من هذه الناحية على حد سواء . وحينما انهزمت الدولة عام 1188 هـ . الموافق 1774 م انتبهت قليلاً وبدأ سليم الثالث بالإصلاح وإنشاء المدارس الجديدة وكان هو نفسه يعلّم في مدرسة الهندسة وألف جيشاً حديثاً حتى ثار عليه الجيش القديم وأغتاله . وقد مكن ذلك التخلف الغرب من التفوق المادي فاخترع الأسلحة الحديثة ووسائل الصناعة وبدأ عصر الآلة والبخار والكهرباء وانطبق قول الله عز وجل : ] كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة [ . فظهروا على المسلمين بعد أن كانت لهم الغلبة ولم يتورعوا في استخدام ما توصلوا إليه من أسلحه الدمار والخراب ضدهم وحاولوا التشكيك في عقيدتهم وتاريخهم ، ولو أن صلابة الروح بقيت كما كانت سابقاً لما تمكن أعداء هذا الدين من أهله كما يتمكنون منهم اليوم فقد كانت حروبهم الصليبية تباعاً ولم تتوقف أبدا ولكنهم تصطدم بصخرته المنيعة الصلبة فتتحطم حملاتهم وتتبعثر جيوشهم وتذهب مكائدهم أدراج الرياح . وقد عبأ الإسلام هذه الأمة مادياً ومعنوياً فقال تعالى : ] وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل .. [ . وقد حذّرنا القرآن منهم فقال جلّ وعلا : ] ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا [ . ولكن الصليبيين تمكنوا من بث أفكارهم بدل العلوم والصناعة … 7 / كان العثمانيون يكتفون من البلاد المفتوحة بالخراج ، ويتركون السكان على وضعهم القائم من العقيدة واللغة والعبادات ، إذ يهملون الدعوة والعمل على نشر الإسلام وإظهار مزايا الإسلام من المساواة والعدل والأمن وانسجامه مع الفطرة البشرية 8/ ضعف الدولة العثمانية في أواخر عهدها جعل الدول الأوروبية تتآمر عليها فأثاروا ضدها الحركات الانفصالية السياسية والدينية ، كما استغل دعاة القومية والصهيونية هذا الضعف مما جعلهم يقومون بحركات لتقويض هذه الدولة . 9/ الحركات الانفصالية والتمردات المحلية : نتيجة للتفوق الصليبي قام أوروبا بحبك المؤامرات ضد المسلمين ودفعوا الدمى المصطنعة من طلاب الزعامة وغذوا أوكار الحاقدين والجهلة وشجعوا على العصيان . أصبح سفراء الدول الغربية يتدخلون في الشؤون الداخلية والسياسية الخارجية للدولة…حتى وصل الأمر بهم أن هددوا الدولة العثمانية بقطع العلاقات لدولهم إذا قامت الدولة بأي إجراء انتقامي ..خاصة لدول البلقان.. أما في جهات الشرق فكان خصوم العثمانيين التقليديين يشعلون الثورات بين الحين والآخر ، ولعل أهم الحركات الانفصالية التي أضعفت الدولة كانت حركة محمد علي باشا في مصر . وأخيراً تأتي دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب ـ أو كما يطلق عليها أغلب كتاب التاريخ الحديث الحركة ******** ـ التي قامت في الجزيرة العربية ! ويضعها بعض الكتاب ضمن أسباب ضعف الدول العثمانية…وهي كذلك ولكن ليس من الوجه التي يقصدونها..وإنما بسبب قضائهم على الدولة السعودية الأولى التي قامت على التوحيد..وكانوا سببًا في القضاء عليها..فقد يكون عقابًا من الله تعالى وانتقامًا لها بسقوط هذه الدولة العثمانية 10/ الامتيازات التي كانت تمنح للأجانب اعتباطاً بسخاء وكرم لا مبرر لهما بل كانت تمثل التفريط بحق الوطن في اقبح صورة ، فقد منحت الدولة العثمانية ، وهي في أوج عظمتها وسلطانها ، امتيازات لدول أجنبية جعلتها شبة شريكة معها في حكم البلاد . ولا أرى سبباً لهذا الاستهتار ألا الجهل وعدم تقدير الأمور قدرها الحقيقي وتقدير قوة ودهاء الدول التي منحت هذه الامتيازات والعاقل لا يستهين بعدوه مهما كان صغيراً وضعيفاً . وهي من التساهلات التي يمكن أن تعد أخطاء نظراً لنتائجها التي ظهرت بعد حين وقد منحت تلك الحقوق للأجانب أولاً ثم لبعض السكان المحليين فيما بعد وقد أراد السلطان سليمان القانوني أن يعيد الطريق التجاري إلى البحر المتوسط بعد أن تحولت إلى رأس الرجاء الصالح وذلك بإعطاء امتيازات وعقد معاهدات مع الإيطاليين ثم الفرنسيين والإنكليز ليشجعهم على الإبحار عن هذه الطريق ولكن أولئك النصارى جميعاً كانوا يبدون للسلطان رغبتهم في التحول ويعملون على الكيد له في الخفاء . هذه الاتفاقيات ظنها السلطان سليمان لا قيمة لها ما دامت القوة بيده حيث يلغيها متى شاء ويمنحها متى أراد والواقع أن الضعف الذي أصاب الدولة قد جعل من هذه الاتفاقيات قوة لهؤلاء الأجانب أولاً ولرعاياهم النصارى من سكان ومواطني الدولة العثمانية ثانياً . وكانت الامتيازات في البدء بسيطة ولكن نجم عنها تعقيدات كثيرة فيما بعد . ( منظمة التجارة العالمية الآن بقوانييها التي سوف تحكم العالم تجعل من حق الشركات أن تقيم مصانعها في أية بقعة من العالم،وأن تأتي بالعمالة الرخيصة من أيه بقعة من العالم،وأن تخرج عوائدها إلى البلد الذي تريد ومن البلد الذي تريد… وقد حولت الامتيازات إلى اتفاقات ثنائية فأصبح بإمكان السفن الفرنسية دخول الموانئ العثمانية تحت حماية العلم الفرنسي ومنح الزوار حرية زيارة الأماكن المقدسة والإشراف عليها وحرية ممارسة الطقوس الدينية هناك . ثم أصبح مع مرور الزمن وكأنها حقوق مكتسبة ثم توسعت وشملت بعض السكان المحليين كالإعفاء من الضرائب والاستثناء من سلطة المحاكم الشرعية العثمانية والتقاضي في محاكم خاصة سموها المحاكم المختلطة وقد لعبت دورا كبيرا فيما بعد . وأصبح لروسيا مثلاً بموجب معاهدة كينارجي حق بناء كنيسة باستانبول وحق حماية النصارى التابعين لمذهبها الأرثوذكسي من رعايا الدولة ، وفي عهد السلطان عبد المجيد تقرر منح أهالي لبنان حكومة مستقلة تحت سيادة الدولة العثمانية يكون حاكمها نصراني ويكون للباب العالي حماية مؤلفة من 300 جندي فقط ترابط على الطريق الموصل بين دمشق وبيروت ، وبذلك تشجعت أقليات أخرى ، وطالب النصارى في البوسنة بتحريض أجنبي الحصول على امتيازات فقاومتهم الدولة ولكنهم لم يركنوا للهدوء وازدادوا من عصيانهم بدعم أوروبا لهم . لقد ساعدت الامتيازات على إشعال بؤر الفتن وأربكت الدولة وشغلتها عهوداً طويلة واتخذت ذريعة لتدخل الدول بحجة حماية الرعايا وبالتالي الاحتلال والعدوان . 11/ الغرور الذي أصاب سلاطين بني عثمان الذين فتحت لهم الأرض أبوابها على مصراعيها يلجونها كما يشاءون . وإن من يقرأ كتاب الملك سليمان القانوني إلى ملك فرنساء لايجد فيه ما يشبه كتاب ملك إلى ملك أو إمبراطور عظيم إلى ملك صغير او حتى إلى أمير ، بل يجده وكأنة كتاب سيد الى مسود ومن يطالع صيغ المعاهدات ، في أوج عظمة الدولة ، وما كان يضفى فيها على سلاطين بني عثمان من ألقاب يكادون يشاركون بها الله تعالى في صفاته بينما تكون ألقاب الأباطرة والملوك عادية ، أقول إن من يطالع صيغ هذه المعاهدات يدرك إلى أي حد بلغ بهؤلاء السلاطين الجهل والغرور 12/الجيش الإنكشاري : هو الجيش الذي أنشأه السلطان أو رخان باختيار أفراد ه من أبناء البلاد الأوروبية المفتوحة وتلقينهم مبادئ الدين الإسلامي ووضعهم في ثكنات عسكرية خاصة وتدريبهم على فنون الحرب والقتال . ولقد أبلى ذلك الجيش بلاء حسنا في كافة المعارك التي خاضها العثمانيون إبان قوتهم فكانوا يندفعون كالأسود في ساحات القتال وكان لهم الفضل في ترجيح كفة النصر في المعركة الحاسمة يوم فتح القسطنطينية وغيرها من المعارك الشهيرة . ثم مع مرور الزمن بدأ الوهن يتسرب إلى صفوفهم عندما عاشوا بين المدنيين وكثرت تعدياتهم بصفتهم العسكر المختص بهم السلطان. فما اختلط الجند بأهل المدن إلا وقد فسدت طبيعتهم وتغيرت أخلاقهم وتبدلت مهمتهم وأصبح البلاء في وجه الحكم منهم والعداء للسكان من أعمالهم وصاروا يتدخلون في شؤون الدولة وتعلقت أفئدتهم بشهوة السلطة وانغمسوا في الملذات والمحرمات وشق عليهم أن ينفروا في أوقات البرد الشديد ونظروا إلى العطايا السلطانية ومالوا إلى النهب والسلب حين غزو البلاد . فأثاروا الاضطرابات يريدون الحروب ولو كان جحيمها يصب فوق رؤوسهم ليواصلوا نهب البلاد المفتوحة، وأصبحوا ينقضون العهود ويخرقون الهدنة للذين تمت معهم عن طريق السلطان.. وبذلك نسوا الغاية التي وجدوا من أجلها . لقد كانت فاتحة أعمال السلطان مراد الثالث عام 982هـ . هي إصدار أمر بمنع شرب الخمور فهاجوا وماجوا حتى اضطروه لإباحته ضمن شروط لخوفه من نقمتهم . وهكذا فإن الجيوش لا تهزم إلا حينما تترك عقيدتها ولا تلتزم بمبادئها . إن وثوب الانكشارية إلى مركز القيادة في الدولة العثمانية جعلها في حالة خطيرة من الفوضى فصاروا هم الأمرون والناهون والسلطان ألعوبة بأيديهم فظهر الفساد وضاعت البلاد . ثاروا في استانبول والقاهرة وبودا ،يطالبون بإشعال الحروب حينما اقتضت المصلحة ألا تكون هناك حروباً . وقد أشار سنان باشا عام 997 هـ . إلى إشعالها بمحاربة المجرمين تحت إلحاح شديد من قبلهم وكانت النتيجة انهزام والي بودا العثماني ومقتل حسن باشا والي الهرسك وسقوط عدة قلاع عثمانية بأيدي النمسا . وفي عام 1027 هـ . حاول السلطان عثمان إبادتهم بإعداد العدة لحشد جيوش جديدة في ولايات آسيا الصغرى وتدريبها وتنظيمها ولما حاول ذلك خلعوه وقتلوه وأعادوا مصطفى الأول الذي خلعوه عام 1032 هـ . أيضاً وهذه هي نهاية كثير من المصلحين حينما يتاح للجيوش الفاسدة أن تكتب أقدار الأمم . واستمر الانكشارية في عهد السلطان مراد الرابع سنوات عشر سائرين في طريق الضلال سادرين في غيهم وطغيانهم فهم الذين نصبوه فالأمر والنهى يجب أن يكون لهم ما دام رأس الدولة بأيديهم . وهم الذين قاموا بقتل السلطان إبراهيم الأول خنقاً حينما حاول التخلص منهم ، وهم الذين اربكوا الدولة إذ وضعوها في حالة من الفوضى بقتلهم السلاطين وتولية أولادهم الصغار السن من بعدهم كالسلطان محمد الرابع ، فقام الإفرنج باحتلال أجزاء من البلاد فاضطر الصدر الأعظم والعلماء إلى عزله . ثم ثار الانكشارية في عهد السلطان سليمان الثاني ودخلت جيوش الأعداء بعضاً من أراضي الدولة واحتلتها . وخلع الانكشارية السلاطين مصطفى الثاني ، أحمد الثالث ، مصطفى الرابع ، إلى أن قيض الله للسلطان محمود الثاني عام 1241 هـ . التخلص منهم فقد هيأ لذلك وسلط عليهم المدفعية فدمرتهم وانتهى أمرهم . 13/ كما ان السلاطين العثمانيين تعوّد أغلبهم بعد عهود المجد والقوة أن لا يقودوا الجيوش بأنفسهم وتركوا الأمر لقواد قد يكون بعضهم غير كفء فانهزموا في مواقع كثيرة وتضاءل الحماس والحمية الدينية لغياب السلطان عن مركز قيادة الجيش كما كان يحدث سابقاً . 14/ احتجاب السلاطين وعدم ممارستهم السلطة بأنفسهم والاتكال على وزراء جهال . فقد كان سلاطين آل عثمان حتى السلطان سليم الأول يتولون قيادة الجيش بأنفسهم ، فيبعثون الحماسة والحمية في صدور الجنود ، ثم صار السلاطين يعهدون بالقيادة إلى ضباط فصار الجنود يتقاعسون ويتهاونون تبعاً للمثل القائل ’’ الناس على دين ملوكهم ‘‘ 15/ وتسليم أمور الدولة إلى غير الأكفاء من الناس إذ كان طباخ القصر وبستانية وحاطبة والخصي والخادم يصلون إلى رتبة رئاسة الوزارة أو القيادة العامة للجيش . فماذا ينتظر من جاهل أن يفعل ؟ 16/ زواج السلاطين بالأجنبيات وتسلط هؤلاء الأجنبيات على عواطف أزواجهن وتصريفهم في سياسة بلادهن الأصلية وتحكمهن بمقدرات الدولة . فكم من الملوك قتلوا أولادهم أو إخوانهم بدسائس زوجاتهم وارتكبوا أعمالاً تضر بمصلحتهم إرضاءً لزوجاتهم .هذا علاوة على زواج بعض السلاطين من الأوروبيات فيه إساءة للأمة. 17/ تعدد الزوجات والمحظيات اللواتي كان الأجانب والحكام يقدمونهن هدية للسلطان كأنهن السلع أو التحف واللواتي كان السلاطين إذا رأوا كثرتهن في قصورهم يهدونهن أحيانا إلى قادتهم أو خواصهم على سبيل التكريم . وكان من البديهي أن يحصل بين أولاد الأمهات وأمهات الأولاد ، سواءً أكانت الأمهات زوجات أو محظيات ، تحاسد وتباغض يؤديان إلى قتل السلاطين أولادهم وإخوانهم والى أمور غير معقولة ومقبولة عقلاً وشرعاً .(وسوف نوضح ذلك أكثر في النقطة التالية) 18/ تفكك روابط الأسرة السلطانية بسبب كثرة النساء حتى أصبحت عادة قتل السلطان إخوانه أو أولاده ، يوم يتولى العرش ، أمراً معروفاً ومألوفاً . وكأنه يضحي بخراف احتفاء بهذا اليوم من غير أن يشعر بوخز ضمير أو لسعة ألم . قانون (قتل الأخوة) أما العادة السيئة الأليمة وهي عادة قتل السلاطين لابنائهم وإخوانهم وهي المنافية للإنسانية وإن وجدت لها مبررات واهنة فقد أودت بأرواح الأطفال والأبرياء بلا ذنب ، سوى خوف المنازعة في الملك فيما بعد وحرمت الأمة من رجال قد يكون منهم أفذاذا وعباقرة ، فحل محلهم رجال احتلوا مناصب رفيعة في الدولة وفي قيادة الجيوش من بلاد أوروبا العثمانية تظاهر بعضهم الإسلام و أبطن الكفر وعاد بالدمار والهزيمة إلى البلاد تمثل هذا الإجراء العرفي الذي اختطفه بايزيد الأول،وتحول على يد محمد الفاتح إلى قانون ثابت،ومفاد هذا القانون الإجازة للسلطان المتولي للعرش أن يقدم على تصفية الأمراء المنافسين وذلك بالاتفاق مع هيئة العلماء… وهذه سياسة قوامها تغليب المصلحة السياسية العليا للدولة المتمثلة بحفظ وحدة كيانها السياسي في مواجهة ما يترتب على اعتماد مبدأ وراثة الملك من إختلالات تكوينية توفر المناخ المناسب لا تجاه تفكيك كيان الدولة عند انتقال السلطة من الأب إلى الأبناء. وبعد قرن من الزمان جرى استبداله بقانون آخر قضى بالتخلي عن سياسة التصفية الجسدية والاكتفاء بسياسة سجن جميع الأمراء ـ عداء أبناء السلطان الحاكم ـ في مقاصير خاصة ومنعهم من كل اتصال بالعالم الخارجي. ثن تعرض هذا القانون لتعديل..حيث أوجب قانون جديد:إلزامية انتقال العرش حين خلوه إلى أكبر الأحياء من الذكور من الأسرة العثمانية. لقد ترتب على تنفيذ هذا القانون وخلال قرن ونيف إلى اعتلاء الأخوة والأعمام وأولاد العم منصب السلطان وهم غالبتهم من سجناء الأقفاص،وبالتالي فقد تبوأ مركز السلطان أفراد يفتقدون أبسسط شروط هذا المركز… ولذا فقد كان أفراد الأسرة السلطانية يعيشون في خوف مستمر ويتربص بعضهم بالبعض الآخر الدوائر ولا يبالون بأن يشقوا عصا الطاعة في وجه السلطان سواءً أكان أخاً أم أباً أم ابناً وذلك ليس حباً بالسيطرة فقط بل لإنقاذ أعناقهم أحياناً من الغدر . السلطان سليمان أثرت فيه زوجته (روكسلانا) = تدخل نساء القصر بالسياسة وشفاعتهن لدى أزواجهن السلاطين برفع الخدم إلى منصب الوزراء أو إيصال المتزلفين إلى مراتب الحل والعقد ، كرئاسة الوزارة وقيادة الجيش . وفي كثير من الأحيان لا يكون لهؤلاء الرجال من ميزة يمتازون ألا تجسسهم لحسابهن . يمكن أن نعد ما مر معنا أهم العوامل التي آلت بالدولة العثمانية إلى الزوجات الأجنبية التي تزوج بها بعض السلاطين كالسلطان سليمان وغيره إذ قامت تلك بحبك المؤامرات في الخفاء بغية تنفيذ أغراضها . والانغماس في الترف والشهوات . وفي عهد السلطان أحمد الثالث عام 1115 هـ. عندما حاصرت الجيوش العثمانية قيصر روسيا بطرس الأكبر وخليلته كاترينا من قبل بلطه جي محمد باشا حدث ان قامت كاترينا بإغراء القائد العثماني بالجواهر واستمالته إليها فرفع الحصار عنهما فأضاع فرصة ثمينة للقضاء على رأس الدولة التي كادت للعثمانيين ولعبت دورا كبيراً جداً في إضعاف وزوال دولتهم . 19/ بقاء أولياء العهد مسجونين في دور الحريم فلا يرون من الدنيا شيئاً ولا يعلمون شيئاً ، وكثيراً ما كانوا لا يتعلمون شيئاً أيضا لأنهم لم يكونوا يدرون إلى ما سيصيرون فإما أنهم سيذهبون ضحية مؤامرة قبل أن يصلوا إلى العرش وإما أنهم يصلون لى العرش لكي يجدوا فئة من الناس تسيطر عليهم وتتحكم بهم أو يسحبون عن العرش ويقتلون أو تسيرهم نساء القصر أو يسيرهم جهلهم . = الاختلاط بالجواري والغلمان لم تكن تربية عسكرية . = سياسة القفص لا شك أنها مدمرة … 20/ خيانة الوزراء ، إذ أن كثيرًا من الأجانب المسيحيين كانوا يتظاهرون بالإسلام ويدخلون في خدمة السلطان ويرتقون بالدسائس والتجسس حتى يصلون إلى أعلى المراتب ، وقد أبدى السلطان عبد الحميد استغرابه من وفرة الأجانب الذين تقدموا إلى القصر يطلبون عملاً فيه حتى ولو بصفة خصيان وقال : لقد وصلني في أسبوع واحد ثلاث رسائل بلغة رقيقة يطلب أصحابها عملاً في القصر حتى ولو حراساً للحريم ، وكانت الأولى من موسيقى فرنسي والثانية من كيميائي ألماني والثالثة من تاجر ***وني . وعلق السلطان على ذلك بقولة : من العجب أن يتخلى هؤلاء عن دينهم وعن رجولتهم في سبيل خدمة الحريم . فهؤلاء وأمثالهم كانوا يصلون إلى رئاسة الوزراة ، ولذا فقد قال خالد بك مبعوث أنقرة في المجلس العثماني بهذا الصدد : لو رجعنا إلى البحث عن أصول الذين تولوا الحكم في الدولة العثمانية وارتكبوا السيئات والمظالم بأسم الشعب التركي لوجدنا تسعين في المائة منهم ليسوا اتراكاً . |
تاريخ الدوله العثمانيه
بسم الله الرحمن الرحيم
الدولة العثمانية : 699 ـ 1343 هـ ( لمحة موجزة) العثمانيون من شعب الغز التركي ، وأصلهم من بلاد التركستان ، نزحوا أمام اكتساح جنكيز خان لدولة خوارزم الإسلامية ، بزعامة سليمان الذي غرق أثناء عبوره نهر الفرات سنة 628 هـ فتزعم القبيلة ابنه أرطغرل الذي ساعد علاء الدين السلجوقي في حرب البيزنطيين فأقطعه وقبيلته بقعة من الأرض في محاذاة بلاد الروم غربي دولة سلاجقة الروم. وهذه الحادثة حادثة جليلة تدل على ما في أخلاقهم من الشهامة والبطولة. ويعتبر عثمان بن أرطغرل هو المؤسس الأول للدولة العثمانية،وبه سميت ،عندما استقل بإمارته سنة 699 هـ وأخذت هذه الإمارة على عاتقها حماية العالم الإسلامي،وتولت قيادة الجهاد،وأصبحت المتنفس الوحيد للجهاد ،فجاءها كل راغب فيه… وفي عام 923 هـ انتقلت الخلافة الشرعية لسليم الأول بعد تنازل المتوكل على الله أخر خليفة عباسي في القاهرة… وبهذه العاطفة الإسلامية المتأججة في نفوسهم ممتزجة بالروح العسكرية المتأصلة في كيانهم ، حملوا راية الإسلام ، وأقاموا أكبر دولة إسلامية عرفها التاريخ في قرونه المتأخرة… وبقيت الحارس الأمين للعالم الإسلامي أربعة قرون،وأطلقت على دولتهم اسم (بلاد الإسلام) وعلى حاكمها اسم (سلطان) وكان أعز ألقابه إليه (الغازي) أي:المجاهد..واللفظان العثماني والتركي فهما من المصطلحات الحديثة…وحكمت بالعدل بالعمل بالشرع الإسلامي في القرون الثلاثة الأولى لتكوين هذه الدولة… نعم : إن العثمانيين الذين تبوأوا منصباً في عهد سلاطينهم الفاتحين ووسعوا رقعة بلاد الإسلام شرقاً وغرباً واندحرت الأطماع الصليبية أمامهم وحقق الله على أيديهم هزيمة قادة الكفر والتآمر على بلاد المسلمين وارتجفت أوروبا خوفاً وفزعاً من بعض قادتهم أولئك كانت الروح الإسلامية عندهم عالية . . وكانت روح الانضباط التي يتحلى بها الجندي عاملاً من عوامل انتصاراتهم وهي التي شجعت محمد الثاني على القيام بفتوحاته . وكانت غيرتهم على الإسلام شديدة وكثر حماسهم له لقد بدأوا حياتهم الإسلامية بروح طيبة وساعدتهم الحيوية التي لا تنضب إذ أنهم شعب شاب جديد لم تفتنه مباهج الحياة المادية والثراء ولم ينغمس في مفاسد الحضارات المضمحلة التي كانت سائدة في البلاد التي فتحوها ولكنهم استفادوا منها فأخذوا ما أفادهم وكانت عندهم القدرة على التحكم والفتح والانتصار وقد أتقنوا نظام الحكم وخاصة في عصر الفاتح ، إذ كان هناك نظام وضع لاختيار المرشحين لتولى أمور الدولة بالانتقاء والاختيار والتدريب والثقافة كما كانوا يشدد ون في اختيار من تؤهله صفاته العقلية والحسية ومواهبه الأخرى المناسبة لشغل الوظائف وكان السلطان رأس الحكم ومركزه وقوته الدافعة وأداة توحيده وتسييره وهو الذي يصدر الأوامر المهمة والتي لها صبغة دينية وكان يحرص على كسب رضاء الله وعلى احترام الشرع الإسلامي المطهر فكان العثمانيون يحبون سلاطينهم مخلصين لهم متعلقين بهم فلم يفكروا لمدة سبعة قرون في تحويل السلطة من آل عثمان إلى غيرهم .ولكن الأمور لم تستمر على المنهج نفسه والأسلوب الذي اتبعوه منذ بزوغ نجمهم في صفحات التاريخ المضيء فقد بدأ الوهن والضعف يزحف إلى كيانهم . وبعد ذكر أسباب السقوط والانحطاط …لا بد أن نذكر شيئاً عن إيجابيات الدولة العثمانية لا شك أن الدولة العثمانية لم تسلم من أخطاء بل أخطاء فادحة،كانت سببًا في زوال الدولة: وإن من يدرس ، بإنعام نظر ، كل سبب من هذه الأسباب التي سوف تذكر.. لا يعجب من انهيار هذه الدولة العظيمة تحت سياط هذه الضربات بل يعجب كيف استطاعت أن تعيش ستمائة سنة وهي تتحمل هذه الضربات القاسية …. وترجع هذه الأسباب في نظري إلى : 1/ مخالفة منهج الله .فالدولة العثمانية منذ أن قامت كانت العاطفة الإسلامية جياشة قوية ، فلما تبعها التربية الإسلامية والتدريب السليم للنظام العسكري الجديد كانت القوة وكان الفتح وكان التوسع ، فلما ضعفت التربية الإسلامية زادات أعمال السلب والنهب والفسق والفجور واستمر الانحراف وظهرت حركات العصيان وفقدت الدولة هيبتها بسبب انصراف السلاطين إلى ملاذاتهم 2/ تشجيع الصوفية: 3/ عدم اتخاذ الإسلام مصدرًا أساسيًا للتشريعات والقوانين والأنظمة التي تسير عليها الدولة،فكثرت إصدار التشريعات والقوانين الوضعية فيما سمي بالتجديدات وذلك بسبب الضغوط الأوروبية… 4/الحروب الصليبية التي شنت على الدولة والتي لم تنقطع منذ ظهورها إلى يوم انهيارها والكلام هنا يطول ويكفي التلميح إلى الحملة الفرنسية على مصر والحملة الفرنسية على الجزائر والتوسع الروسي في بلاد قفقاسيا وتهجير سكانها من داغستان وشاشان وشراكس عام 1282 هـ . والحملة الإنكليزية على مصر وعدن واستيلاء الطليان على طرابلس الغرب . أما المناوشات والغزوات العسكرية والحركات الانفصالية التي أشعلتها الصليبية العالمية في ممتلكات العثمانيين في أوروبا فهي من الأهمية بمكان إذ لم يخل عهد سلطان منها 5/ توسع رقعة الدولة : شغلت الدولة في أوج قوتها وتوسعها مساحة من الأرض تزيد عن أربعة عشر مليونا من الكيلومترات والأمر يختلف عما هو علية في وقتنا الحاضر إذ أن سياسة دفة الحكم في عهد كانت مواصلاته وسائلها الدواب والعربات وبريدها يستغرق الشهور الطويلة والسنين ، وقد تحصنت بالحواجز الطبيعية من أنهار وبحار وجبال وغيرها . والظن أن إعلان الحركات المتمردة والعصابات المتكررة فيها ربما يكون في غاية السهولة كما أن إخمادها أيضاً في غاية الصعوبة . ولم تحتفظ الدولة بتماسكها على الرغم مما أصابها من زلازل ونكبات طيلة ستة قرون إلا بفضل عامل الدين ورابطة العقيدة على الرغم من ظهور من استهان بها ورفع رأسة هنا وهنالك ولكن لم يتجرأ على إعلان بترها أو إلغائها إذ أن رابطة العقيدة أهم عامل حاسم في كيان الأمم وقد استطاعت تلك الرابطة أن تجمع بين الترك والعرب والكرد والشركس والشاشان والداغستان وغيرهم لقرون طويلة حتى قام أعداء هذا الدين وفرقوا شتات الأمة الواحدة بإثارة العصبية الإقليمية التي وصفها الرسول e بأنها منتنة . يقول العلامة ( عبد الرحمن بن خلدون ) والمتوفى في عام 808 هـ . في مقدمته العظيمة التي أسماها ( كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر ) : أن الدول القديمة المستقرة يفنيها شيئان : أولهما أن تنشأ مطالبة من الأطراف ، وهذه الولايات التي تطالب بالاستقلال لا تبدأ بمطالبها إلا إذا تقلص ظل الدولة عنهم وانحسر تيارها ، واما السبب الثاني لانقضاء الدولة المستقرة فيأتي من دعاة وخوارج في داخل هذه الدولة المستقرة ، فيبدوان بالمطالبة ( أولا ) بمطالب صغيرة وليست ذات بال ، ويكون لهؤلاء الدعاة السلاح النفسي الوهمي والمطاولة في طلب الحقوق التي تبدأ صغيرة ثم تنتهي إلى مقصد هيبة الدولة ونظامها ، ولعل أكثر ما يساعد هؤلاء الخارجين على نظام الدولة هو ما يحصل من فتور في همم اتباع هذه الدولة المستقرة ، وفي لحظة من اللحظات وعندما تتضح هرم الدولة المستقرة وتضمحل عقائد التسليم لها من قبل قومها مع انبعاث همم المطالبين بأشياء وأشياء في داخلها ، عندئذ تكتب سنة الله في العباد سطرها الأخير في كتاب العلم الإلهي ، وهذا السطر يفيد بزوال الدولة المستقرة وفناء عمرها ، لأن خللا وافر أقد غزا جميع جهاتها ، ويتضح ذلك للمطالبين من الأطراف ، أو في داخل هذا الخلل الذي اسمه الدولة ، عندها ينكشف ما خفي من هرمها واقتراب تلاشيها ، وفي تلك الاوقات من حياة الأمة المعنية ، يبدأ المرحلة الأخيرة من المناحرة والتي نتيجتها تكون مؤكدة : نشوء دول جديدة مستحدثة وأنظمة على أنقاض الدولة الفانية التي ( كانت ) مستقرة . وكلام العلامة ( أبن خلدون ) هذا ينطبق اكثر ما ينطبق على الدولة العثمانية ، ففي اتساعها وضم أقاليم عديدة تحت لوائها وحكمها ، كان المقتل وكان الخلل من حيث كان يعتقد أن في هذا منتهى القوة والمنعة ،خاصة أن نحن علمنا أن هذه الأقاليم والأمصار تضم قوميات عديدة 6/التخلف العلمي : وهو الذي لا يزال قائماً حتى اليوم وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على الحركة العلمانية الكمالية التي عزته إلى التمسك بالدين . عن العثمانيين قد جاءوا إلى بلاد الأناضول بدواً ولم يتحضروا بل شغلتهم الحروب ولم ينصرفوا إلى العلم بسبب الانشغال بالفتوحات والحروب المستمرة في كل الجبهات ، ولم يسمح لهم الأوروبيون بالاتفات إلى العلم ولا إلى التخطيط لذا استمروا في طبيعة البداوة فأبدوا انتصارات وقدموا خدمات ، والفرق بينهم وبين الاستعمار أن الاستعمار يحرص على تقدم بلاده على حين يبذل جهده في بقاء سكان المناطق التي يحتلها على حالة من الجهل والتخلف أما هم فكانوا وغيرهم من هذه الناحية على حد سواء . وحينما انهزمت الدولة عام 1188 هـ . الموافق 1774 م انتبهت قليلاً وبدأ سليم الثالث بالإصلاح وإنشاء المدارس الجديدة وكان هو نفسه يعلّم في مدرسة الهندسة وألف جيشاً حديثاً حتى ثار عليه الجيش القديم وأغتاله . وقد مكن ذلك التخلف الغرب من التفوق المادي فاخترع الأسلحة الحديثة ووسائل الصناعة وبدأ عصر الآلة والبخار والكهرباء وانطبق قول الله عز وجل : ] كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة [ . فظهروا على المسلمين بعد أن كانت لهم الغلبة ولم يتورعوا في استخدام ما توصلوا إليه من أسلحه الدمار والخراب ضدهم وحاولوا التشكيك في عقيدتهم وتاريخهم ، ولو أن صلابة الروح بقيت كما كانت سابقاً لما تمكن أعداء هذا الدين من أهله كما يتمكنون منهم اليوم فقد كانت حروبهم الصليبية تباعاً ولم تتوقف أبدا ولكنهم تصطدم بصخرته المنيعة الصلبة فتتحطم حملاتهم وتتبعثر جيوشهم وتذهب مكائدهم أدراج الرياح . وقد عبأ الإسلام هذه الأمة مادياً ومعنوياً فقال تعالى : ] وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل .. [ . وقد حذّرنا القرآن منهم فقال جلّ وعلا : ] ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا [ . ولكن الصليبيين تمكنوا من بث أفكارهم بدل العلوم والصناعة … 7 / كان العثمانيون يكتفون من البلاد المفتوحة بالخراج ، ويتركون السكان على وضعهم القائم من العقيدة واللغة والعبادات ، إذ يهملون الدعوة والعمل على نشر الإسلام وإظهار مزايا الإسلام من المساواة والعدل والأمن وانسجامه مع الفطرة البشرية 8/ ضعف الدولة العثمانية في أواخر عهدها جعل الدول الأوروبية تتآمر عليها فأثاروا ضدها الحركات الانفصالية السياسية والدينية ، كما استغل دعاة القومية والصهيونية هذا الضعف مما جعلهم يقومون بحركات لتقويض هذه الدولة . 9/ الحركات الانفصالية والتمردات المحلية : نتيجة للتفوق الصليبي قام أوروبا بحبك المؤامرات ضد المسلمين ودفعوا الدمى المصطنعة من طلاب الزعامة وغذوا أوكار الحاقدين والجهلة وشجعوا على العصيان . أصبح سفراء الدول الغربية يتدخلون في الشؤون الداخلية والسياسية الخارجية للدولة…حتى وصل الأمر بهم أن هددوا الدولة العثمانية بقطع العلاقات لدولهم إذا قامت الدولة بأي إجراء انتقامي ..خاصة لدول البلقان.. أما في جهات الشرق فكان خصوم العثمانيين التقليديين يشعلون الثورات بين الحين والآخر ، ولعل أهم الحركات الانفصالية التي أضعفت الدولة كانت حركة محمد علي باشا في مصر . وأخيراً تأتي دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب ـ أو كما يطلق عليها أغلب كتاب التاريخ الحديث الحركة ******** ـ التي قامت في الجزيرة العربية ! ويضعها بعض الكتاب ضمن أسباب ضعف الدول العثمانية…وهي كذلك ولكن ليس من الوجه التي يقصدونها..وإنما بسبب قضائهم على الدولة السعودية الأولى التي قامت على التوحيد..وكانوا سببًا في القضاء عليها..فقد يكون عقابًا من الله تعالى وانتقامًا لها بسقوط هذه الدولة العثمانية 10/ الامتيازات التي كانت تمنح للأجانب اعتباطاً بسخاء وكرم لا مبرر لهما بل كانت تمثل التفريط بحق الوطن في اقبح صورة ، فقد منحت الدولة العثمانية ، وهي في أوج عظمتها وسلطانها ، امتيازات لدول أجنبية جعلتها شبة شريكة معها في حكم البلاد . ولا أرى سبباً لهذا الاستهتار ألا الجهل وعدم تقدير الأمور قدرها الحقيقي وتقدير قوة ودهاء الدول التي منحت هذه الامتيازات والعاقل لا يستهين بعدوه مهما كان صغيراً وضعيفاً . وهي من التساهلات التي يمكن أن تعد أخطاء نظراً لنتائجها التي ظهرت بعد حين وقد منحت تلك الحقوق للأجانب أولاً ثم لبعض السكان المحليين فيما بعد وقد أراد السلطان سليمان القانوني أن يعيد الطريق التجاري إلى البحر المتوسط بعد أن تحولت إلى رأس الرجاء الصالح وذلك بإعطاء امتيازات وعقد معاهدات مع الإيطاليين ثم الفرنسيين والإنكليز ليشجعهم على الإبحار عن هذه الطريق ولكن أولئك النصارى جميعاً كانوا يبدون للسلطان رغبتهم في التحول ويعملون على الكيد له في الخفاء . هذه الاتفاقيات ظنها السلطان سليمان لا قيمة لها ما دامت القوة بيده حيث يلغيها متى شاء ويمنحها متى أراد والواقع أن الضعف الذي أصاب الدولة قد جعل من هذه الاتفاقيات قوة لهؤلاء الأجانب أولاً ولرعاياهم النصارى من سكان ومواطني الدولة العثمانية ثانياً . وكانت الامتيازات في البدء بسيطة ولكن نجم عنها تعقيدات كثيرة فيما بعد . ( منظمة التجارة العالمية الآن بقوانييها التي سوف تحكم العالم تجعل من حق الشركات أن تقيم مصانعها في أية بقعة من العالم،وأن تأتي بالعمالة الرخيصة من أيه بقعة من العالم،وأن تخرج عوائدها إلى البلد الذي تريد ومن البلد الذي تريد… وقد حولت الامتيازات إلى اتفاقات ثنائية فأصبح بإمكان السفن الفرنسية دخول الموانئ العثمانية تحت حماية العلم الفرنسي ومنح الزوار حرية زيارة الأماكن المقدسة والإشراف عليها وحرية ممارسة الطقوس الدينية هناك . ثم أصبح مع مرور الزمن وكأنها حقوق مكتسبة ثم توسعت وشملت بعض السكان المحليين كالإعفاء من الضرائب والاستثناء من سلطة المحاكم الشرعية العثمانية والتقاضي في محاكم خاصة سموها المحاكم المختلطة وقد لعبت دورا كبيرا فيما بعد . وأصبح لروسيا مثلاً بموجب معاهدة كينارجي حق بناء كنيسة باستانبول وحق حماية النصارى التابعين لمذهبها الأرثوذكسي من رعايا الدولة ، وفي عهد السلطان عبد المجيد تقرر منح أهالي لبنان حكومة مستقلة تحت سيادة الدولة العثمانية يكون حاكمها نصراني ويكون للباب العالي حماية مؤلفة من 300 جندي فقط ترابط على الطريق الموصل بين دمشق وبيروت ، وبذلك تشجعت أقليات أخرى ، وطالب النصارى في البوسنة بتحريض أجنبي الحصول على امتيازات فقاومتهم الدولة ولكنهم لم يركنوا للهدوء وازدادوا من عصيانهم بدعم أوروبا لهم . لقد ساعدت الامتيازات على إشعال بؤر الفتن وأربكت الدولة وشغلتها عهوداً طويلة واتخذت ذريعة لتدخل الدول بحجة حماية الرعايا وبالتالي الاحتلال والعدوان . 11/ الغرور الذي أصاب سلاطين بني عثمان الذين فتحت لهم الأرض أبوابها على مصراعيها يلجونها كما يشاءون . وإن من يقرأ كتاب الملك سليمان القانوني إلى ملك فرنساء لايجد فيه ما يشبه كتاب ملك إلى ملك أو إمبراطور عظيم إلى ملك صغير او حتى إلى أمير ، بل يجده وكأنة كتاب سيد الى مسود ومن يطالع صيغ المعاهدات ، في أوج عظمة الدولة ، وما كان يضفى فيها على سلاطين بني عثمان من ألقاب يكادون يشاركون بها الله تعالى في صفاته بينما تكون ألقاب الأباطرة والملوك عادية ، أقول إن من يطالع صيغ هذه المعاهدات يدرك إلى أي حد بلغ بهؤلاء السلاطين الجهل والغرور 12/الجيش الإنكشاري : هو الجيش الذي أنشأه السلطان أو رخان باختيار أفراد ه من أبناء البلاد الأوروبية المفتوحة وتلقينهم مبادئ الدين الإسلامي ووضعهم في ثكنات عسكرية خاصة وتدريبهم على فنون الحرب والقتال . ولقد أبلى ذلك الجيش بلاء حسنا في كافة المعارك التي خاضها العثمانيون إبان قوتهم فكانوا يندفعون كالأسود في ساحات القتال وكان لهم الفضل في ترجيح كفة النصر في المعركة الحاسمة يوم فتح القسطنطينية وغيرها من المعارك الشهيرة . ثم مع مرور الزمن بدأ الوهن يتسرب إلى صفوفهم عندما عاشوا بين المدنيين وكثرت تعدياتهم بصفتهم العسكر المختص بهم السلطان. فما اختلط الجند بأهل المدن إلا وقد فسدت طبيعتهم وتغيرت أخلاقهم وتبدلت مهمتهم وأصبح البلاء في وجه الحكم منهم والعداء للسكان من أعمالهم وصاروا يتدخلون في شؤون الدولة وتعلقت أفئدتهم بشهوة السلطة وانغمسوا في الملذات والمحرمات وشق عليهم أن ينفروا في أوقات البرد الشديد ونظروا إلى العطايا السلطانية ومالوا إلى النهب والسلب حين غزو البلاد . فأثاروا الاضطرابات يريدون الحروب ولو كان جحيمها يصب فوق رؤوسهم ليواصلوا نهب البلاد المفتوحة، وأصبحوا ينقضون العهود ويخرقون الهدنة للذين تمت معهم عن طريق السلطان.. وبذلك نسوا الغاية التي وجدوا من أجلها . لقد كانت فاتحة أعمال السلطان مراد الثالث عام 982هـ . هي إصدار أمر بمنع شرب الخمور فهاجوا وماجوا حتى اضطروه لإباحته ضمن شروط لخوفه من نقمتهم . وهكذا فإن الجيوش لا تهزم إلا حينما تترك عقيدتها ولا تلتزم بمبادئها . إن وثوب الانكشارية إلى مركز القيادة في الدولة العثمانية جعلها في حالة خطيرة من الفوضى فصاروا هم الأمرون والناهون والسلطان ألعوبة بأيديهم فظهر الفساد وضاعت البلاد . ثاروا في استانبول والقاهرة وبودا ،يطالبون بإشعال الحروب حينما اقتضت المصلحة ألا تكون هناك حروباً . وقد أشار سنان باشا عام 997 هـ . إلى إشعالها بمحاربة المجرمين تحت إلحاح شديد من قبلهم وكانت النتيجة انهزام والي بودا العثماني ومقتل حسن باشا والي الهرسك وسقوط عدة قلاع عثمانية بأيدي النمسا . وفي عام 1027 هـ . حاول السلطان عثمان إبادتهم بإعداد العدة لحشد جيوش جديدة في ولايات آسيا الصغرى وتدريبها وتنظيمها ولما حاول ذلك خلعوه وقتلوه وأعادوا مصطفى الأول الذي خلعوه عام 1032 هـ . أيضاً وهذه هي نهاية كثير من المصلحين حينما يتاح للجيوش الفاسدة أن تكتب أقدار الأمم . واستمر الانكشارية في عهد السلطان مراد الرابع سنوات عشر سائرين في طريق الضلال سادرين في غيهم وطغيانهم فهم الذين نصبوه فالأمر والنهى يجب أن يكون لهم ما دام رأس الدولة بأيديهم . وهم الذين قاموا بقتل السلطان إبراهيم الأول خنقاً حينما حاول التخلص منهم ، وهم الذين اربكوا الدولة إذ وضعوها في حالة من الفوضى بقتلهم السلاطين وتولية أولادهم الصغار السن من بعدهم كالسلطان محمد الرابع ، فقام الإفرنج باحتلال أجزاء من البلاد فاضطر الصدر الأعظم والعلماء إلى عزله . ثم ثار الانكشارية في عهد السلطان سليمان الثاني ودخلت جيوش الأعداء بعضاً من أراضي الدولة واحتلتها . وخلع الانكشارية السلاطين مصطفى الثاني ، أحمد الثالث ، مصطفى الرابع ، إلى أن قيض الله للسلطان محمود الثاني عام 1241 هـ . التخلص منهم فقد هيأ لذلك وسلط عليهم المدفعية فدمرتهم وانتهى أمرهم . 13/ كما ان السلاطين العثمانيين تعوّد أغلبهم بعد عهود المجد والقوة أن لا يقودوا الجيوش بأنفسهم وتركوا الأمر لقواد قد يكون بعضهم غير كفء فانهزموا في مواقع كثيرة وتضاءل الحماس والحمية الدينية لغياب السلطان عن مركز قيادة الجيش كما كان يحدث سابقاً . 14/ احتجاب السلاطين وعدم ممارستهم السلطة بأنفسهم والاتكال على وزراء جهال . فقد كان سلاطين آل عثمان حتى السلطان سليم الأول يتولون قيادة الجيش بأنفسهم ، فيبعثون الحماسة والحمية في صدور الجنود ، ثم صار السلاطين يعهدون بالقيادة إلى ضباط فصار الجنود يتقاعسون ويتهاونون تبعاً للمثل القائل ’’ الناس على دين ملوكهم ‘‘ 15/ وتسليم أمور الدولة إلى غير الأكفاء من الناس إذ كان طباخ القصر وبستانية وحاطبة والخصي والخادم يصلون إلى رتبة رئاسة الوزارة أو القيادة العامة للجيش . فماذا ينتظر من جاهل أن يفعل ؟ 16/ زواج السلاطين بالأجنبيات وتسلط هؤلاء الأجنبيات على عواطف أزواجهن وتصريفهم في سياسة بلادهن الأصلية وتحكمهن بمقدرات الدولة . فكم من الملوك قتلوا أولادهم أو إخوانهم بدسائس زوجاتهم وارتكبوا أعمالاً تضر بمصلحتهم إرضاءً لزوجاتهم .هذا علاوة على زواج بعض السلاطين من الأوروبيات فيه إساءة للأمة. 17/ تعدد الزوجات والمحظيات اللواتي كان الأجانب والحكام يقدمونهن هدية للسلطان كأنهن السلع أو التحف واللواتي كان السلاطين إذا رأوا كثرتهن في قصورهم يهدونهن أحيانا إلى قادتهم أو خواصهم على سبيل التكريم . وكان من البديهي أن يحصل بين أولاد الأمهات وأمهات الأولاد ، سواءً أكانت الأمهات زوجات أو محظيات ، تحاسد وتباغض يؤديان إلى قتل السلاطين أولادهم وإخوانهم والى أمور غير معقولة ومقبولة عقلاً وشرعاً .(وسوف نوضح ذلك أكثر في النقطة التالية) 18/ تفكك روابط الأسرة السلطانية بسبب كثرة النساء حتى أصبحت عادة قتل السلطان إخوانه أو أولاده ، يوم يتولى العرش ، أمراً معروفاً ومألوفاً . وكأنه يضحي بخراف احتفاء بهذا اليوم من غير أن يشعر بوخز ضمير أو لسعة ألم . قانون (قتل الأخوة) أما العادة السيئة الأليمة وهي عادة قتل السلاطين لابنائهم وإخوانهم وهي المنافية للإنسانية وإن وجدت لها مبررات واهنة فقد أودت بأرواح الأطفال والأبرياء بلا ذنب ، سوى خوف المنازعة في الملك فيما بعد وحرمت الأمة من رجال قد يكون منهم أفذاذا وعباقرة ، فحل محلهم رجال احتلوا مناصب رفيعة في الدولة وفي قيادة الجيوش من بلاد أوروبا العثمانية تظاهر بعضهم الإسلام و أبطن الكفر وعاد بالدمار والهزيمة إلى البلاد تمثل هذا الإجراء العرفي الذي اختطفه بايزيد الأول،وتحول على يد محمد الفاتح إلى قانون ثابت،ومفاد هذا القانون الإجازة للسلطان المتولي للعرش أن يقدم على تصفية الأمراء المنافسين وذلك بالاتفاق مع هيئة العلماء… وهذه سياسة قوامها تغليب المصلحة السياسية العليا للدولة المتمثلة بحفظ وحدة كيانها السياسي في مواجهة ما يترتب على اعتماد مبدأ وراثة الملك من إختلالات تكوينية توفر المناخ المناسب لا تجاه تفكيك كيان الدولة عند انتقال السلطة من الأب إلى الأبناء. وبعد قرن من الزمان جرى استبداله بقانون آخر قضى بالتخلي عن سياسة التصفية الجسدية والاكتفاء بسياسة سجن جميع الأمراء ـ عداء أبناء السلطان الحاكم ـ في مقاصير خاصة ومنعهم من كل اتصال بالعالم الخارجي. ثن تعرض هذا القانون لتعديل..حيث أوجب قانون جديد:إلزامية انتقال العرش حين خلوه إلى أكبر الأحياء من الذكور من الأسرة العثمانية. لقد ترتب على تنفيذ هذا القانون وخلال قرن ونيف إلى اعتلاء الأخوة والأعمام وأولاد العم منصب السلطان وهم غالبتهم من سجناء الأقفاص،وبالتالي فقد تبوأ مركز السلطان أفراد يفتقدون أبسسط شروط هذا المركز… ولذا فقد كان أفراد الأسرة السلطانية يعيشون في خوف مستمر ويتربص بعضهم بالبعض الآخر الدوائر ولا يبالون بأن يشقوا عصا الطاعة في وجه السلطان سواءً أكان أخاً أم أباً أم ابناً وذلك ليس حباً بالسيطرة فقط بل لإنقاذ أعناقهم أحياناً من الغدر . السلطان سليمان أثرت فيه زوجته (روكسلانا) = تدخل نساء القصر بالسياسة وشفاعتهن لدى أزواجهن السلاطين برفع الخدم إلى منصب الوزراء أو إيصال المتزلفين إلى مراتب الحل والعقد ، كرئاسة الوزارة وقيادة الجيش . وفي كثير من الأحيان لا يكون لهؤلاء الرجال من ميزة يمتازون ألا تجسسهم لحسابهن . يمكن أن نعد ما مر معنا أهم العوامل التي آلت بالدولة العثمانية إلى الزوجات الأجنبية التي تزوج بها بعض السلاطين كالسلطان سليمان وغيره إذ قامت تلك بحبك المؤامرات في الخفاء بغية تنفيذ أغراضها . والانغماس في الترف والشهوات . وفي عهد السلطان أحمد الثالث عام 1115 هـ. عندما حاصرت الجيوش العثمانية قيصر روسيا بطرس الأكبر وخليلته كاترينا من قبل بلطه جي محمد باشا حدث ان قامت كاترينا بإغراء القائد العثماني بالجواهر واستمالته إليها فرفع الحصار عنهما فأضاع فرصة ثمينة للقضاء على رأس الدولة التي كادت للعثمانيين ولعبت دورا كبيراً جداً في إضعاف وزوال دولتهم . 19/ بقاء أولياء العهد مسجونين في دور الحريم فلا يرون من الدنيا شيئاً ولا يعلمون شيئاً ، وكثيراً ما كانوا لا يتعلمون شيئاً أيضا لأنهم لم يكونوا يدرون إلى ما سيصيرون فإما أنهم سيذهبون ضحية مؤامرة قبل أن يصلوا إلى العرش وإما أنهم يصلون لى العرش لكي يجدوا فئة من الناس تسيطر عليهم وتتحكم بهم أو يسحبون عن العرش ويقتلون أو تسيرهم نساء القصر أو يسيرهم جهلهم . = الاختلاط بالجواري والغلمان لم تكن تربية عسكرية . = سياسة القفص لا شك أنها مدمرة … 20/ خيانة الوزراء ، إذ أن كثيرًا من الأجانب المسيحيين كانوا يتظاهرون بالإسلام ويدخلون في خدمة السلطان ويرتقون بالدسائس والتجسس حتى يصلون إلى أعلى المراتب ، وقد أبدى السلطان عبد الحميد استغرابه من وفرة الأجانب الذين تقدموا إلى القصر يطلبون عملاً فيه حتى ولو بصفة خصيان وقال : لقد وصلني في أسبوع واحد ثلاث رسائل بلغة رقيقة يطلب أصحابها عملاً في القصر حتى ولو حراساً للحريم ، وكانت الأولى من موسيقى فرنسي والثانية من كيميائي ألماني والثالثة من تاجر ***وني . وعلق السلطان على ذلك بقولة : من العجب أن يتخلى هؤلاء عن دينهم وعن رجولتهم في سبيل خدمة الحريم . فهؤلاء وأمثالهم كانوا يصلون إلى رئاسة الوزراة ، ولذا فقد قال خالد بك مبعوث أنقرة في المجلس العثماني بهذا الصدد : لو رجعنا إلى البحث عن أصول الذين تولوا الحكم في الدولة العثمانية وارتكبوا السيئات والمظالم بأسم الشعب التركي لوجدنا تسعين في المائة منهم ليسوا اتراكاً . |
وكذلك وصل هذا الحال إلى المؤسسات الدينية: فبعد انخراط شيخ الإسلام داخل منطق السلطة غدا باستطاعته أن يستثمر ما تتيحه السلطة من إمكانيات ووسائل فعالة بغية حيازة الثروات،وتوريث المناصب…لقد أدّت هذه الوضعية إلى ضمور شرعية هذا المركز سواء في نظر مراكز القوى الأخرى أو في نظر قوى المجتمع المختلفة.ففي مطلع القرن الثامن عشر 1703 م حصلت انتفاضة شعبية في استانبول ضد شيخ الإسلام لاحتكاره الوظائئف العليا لعائلته وقد أدّت الانتفاضة إلى عزل شيخ الإسلام ومن ثم إعدامه…
فتسرب الفساد إلى طبقة العلماء،حيث كانوا يأتون في الرتبة الثانية في الدولة بعد السلطان. …وكان القضاء لا يسير إلا بالرشوة. ما حصل من تفكك وتفسخ للهئيات الإسلامية أصبح موضوعًا ينبغي إصلاحه والتصدي لسلبياته المختلفة،فقد جاء في الرسالة الإصلاحية لقوجي بيك الموجهة إلى السلطان مراد الرابع عام 1630 م جملة من التنبيهات الكاشفة لوضعية هذه المؤسسة وما يخترقها من نقاط اختلال متعددة الأوجه. فقد جاء في هذه الرسالة: … حسب القوانين القديمة في زمن السلاطين الأسلاف،كان الشخص الذي يحتل منصب المفتي أولاً ومنصب قاضي عسكر الرومللي أو الأناضول يتم اختياره من بين الأشخاص الأكثر علمًا والأشد إيمانًا بالله. وطالما كان المفتي يقوم بواجباته لم يكن ليخلع من منصبه أبدًا ؛ لأن هذه الدرجة هي الأعلى في العلوم،والاحترام الواجب تجاهها مختلف عن سواه.وقديمًا كان المفتون ،عداء عن كونهم مصدر العلم،لا يخفون الحقيقة أبدًا عن السلاطين…ولكن العلم انطفأ حاليًا.والقوانين قلبت… ومؤخرًا فإن منصب المفتي قد أعطي لأناس ليست لهم الكفاءة بالتضاد مع القوانين والأعراف التي كانت متبعة سسابقًا،وكذلك الأمر بالنسبة لقضاة العسكر.وبيع المناصب انتقلت عدواة إلى الملازمين الذين ليسوا إلا كتاب بسطاء وإلى غيرهم من الأشخاص الذين يصيرون بواسطة المال مدرسين وقضاة … 22/ تبذير الملوك حتى بلغت نفقات القصور الملكية في بعض الأحيان ثلث واردات الدولة ( ويرى بعض الكتاب أن قصور العثمانين رغم فخامتها إلا أنها كانت أقل من قصور أمراء أوروبا…) 23/ مشكلة الديون :التي أقرضتها الدول الأوروبية للدولة العثمانية بسبب كثرة الانفاقات على الإصلاحيات.وفائدتها التي أصبحت أضخم من قيمة القروض. وفخ الديون منهج أنتهجه الأوروبيون لنصبه ضد الدول الإسلامية منذ القرن التاسع عشرم . وفخ الاقتراض من الدول الأوروبية (اقتراض ربوي طبعًا) وما يسببه الربا من دمار لهذه الدول الإسلامية. هذه الأسباب هي التي قضت على الدولة العثمانية أنزلتها من شامخ عزها إلى حضيض المذلة والهوان . وإن من يدرس ، بإنعام نظر ، كل سبب من هذه الأسباب المذكورة آنفاً ويرى مدى تأثيره الواسع في المحيط الدولي لا يعجب من انهيار هذه الدولة العظيمة تحت سياط هذه الضربات بل يعجب كيف استطاعت أن تعيش ستمائة سنة وهي تتحمل هذه الضربات القاسية …. ، ولكنها عاشت بفضل اختلاف أعدائها على تقسيمها فيما بينهم وبفضل إيمان أهلها وتمسكهم ………… سقوط الخلافة وبداية العلمانيين يعد عام 1908 م / 1326 هـ عامًا حزينًا في ضمير كل مسلم غيور ؛لأنه عام تهدمت فيه حقيقة الخلافة الإسلامية المتمثلة بالخلافة العثمانية،نحن لا ننكر أن ثمة جهلاً وبدعًا وأخطاء وغباء في أواخر عهد هذه الخلافة ـ كما مرّ معنا في النقاط السابقة ـ التي أصبحوا يسمونها بالرجل المريض،ولكن هذا شيء وتغيير النظام الإسلامي وجلب النظام الغربي الوضعي شيء آخر،وقد كانت الصهيونية وراء هذا الهدم وذلك لأن السلطان (عبدالحميد)رفض أن يحقق أطماعها في فلسطين وقد وصل يهود الدونمة إلى مناصب عالية في دولة الخلافة،وكان هؤلاء يظهرون الإسلام ويبطنون اليهودية ومنهم (مدحت باشا)الصدر الأعظم وهو ابن حاخام مجري !! كما كان منهم جمهرة الصحفيين الذين كانوا يغطون تطور الأحداث بقلم مزيف الوقائع،ويظهر للناس أن عبدالحميد مستبد ظالم زيرنساء،وقد تابعهم للأسف كثير من المؤرخين المسلمين. مقدمات إلغاء الخلافة: فصل الدين عن الدولة: = / الجمعيات والأحزاب السّرية : (وتعد من أسباب سقوط الدولة العثمانية) ونذكر منها على سبيل المثال جماعة يهود الدونمة الذين التجئوا للبلاد العثمانية بعد الاضطهاد في الأندلس ونظموا أنفسهم محتفظين بعقائدهم متكيفين مع الوضع الجديد بإعلانهم الإسلام ظاهرياً ، فكانوا عوناً للصليبية على المسلمين وأداة تدمير في الأخلاق والدين وكانوا وراء حركات التمرد والثورات المسلحة ضد الدولة حتى انتهى بهم المطاف إلى قلب نظام الحكم في عهد السلطان عبد الحميد الثاني وفرض أحكام الكفر والابتعاد بالدولة شيئاً عن جادة الإسلام الصحيح . قامت بعض الجمعيات بحركات ضد السلطان عبدالحميد،تحت أسماء مختلفة أهمها حركة تركيا الفتاة،وحركت حزب الاتحاد والترقي… فقد تكونت جمعية سرية في كلية الطب العسكري في استابول،وعرفت باسم جمعية الاتحاد والترقي…واكتسبت هذه الجمعية السرية كثيرًا من الأنصار،وانضم إليها أعضاء جمعية تركيا الفتاة،واتخذوا من جنيف مركزًا لقيادة الجمعية،وأنشأوا في باريس جريدة تمثل أراء الجمعية أسموها الميزان. وهذا الحزب : حزب الاتحاد والترقي الذي شمل بعض اليهود في عضويته فقد ورط البلاد في حروب ونزاعات وأرغم قادته المسيطرون عليه الدولة على الانخراط في الحرب العالمية الأولى بعد أن قضوا على حكم عبد الحميد الذي أراد تقويم الانحراف ، وتبنوا الأفكار التي فرقت بين أبناء الدولة المسلمين وكانت الماسونية بالطبع من وراء تلك الجمعيات السّرية تحيك الدسائس والمؤامرات وتقيل عثراتها وتدعم قادتها . .كما لا يخفى أخيراً الأزمة الاقتصادية الأوروبية ودورها في القرنين العاشر والحادي عشر والتي نجمت عن تزايد السكان الكبير الحاصل آنذاك . ومع بداية القرن العشرين انتشرت جمعيات سرية كثيرة،وخاصة في سالونيك،باسم الوطن والحرية، تتعاون مع جمعية الاتحاد والترقي، لمعارضة الحكومة العثمانية، وتمكنت هذه الجمعيات أخيرًا من الثورة سنة 1326 هـ وإسقاط السلطان عبدالحميد 1327 هـ ( وكانت البداية لهذا الاقتراح من مصطفى كمال، فقد بدأ بتهديد ووعيد… وبهدم الخلافة انفصلت الدولة وتنظيماتها وأشكالها ومسارها عن الدين لأول مرة في تاريخ الإسلام… فوقف أتاتورك يقول وهو يفتتح جلسة البرلمان التركي عام 1923 م:نحن الآن في القرن العشرين لا نستطيع أن نسير وراء كتاب تشريع يبحث عن التين والزيتون) ـ وما أشبه الليلة بالبارحة، وما أكثر ذيول أتاتورك في بني جلدتنا.وسرت في العالم الإسلامي الكبير فكرة مشوشة باهتة عن صلة الإسلام بالحياة وأصبحنا نلتقي ونسمع يوميًا بكثير من المثقفين المسلمين يُقرِّون هذا الفعل أو يشككون في بعض معطيات الإسلام،أو يعتقدون أن بعضها لا يناسب مدينة القرن العشرين ـ كما كان للماسونية دور كبير في الترتيب لهدم الخلافة،تقول دائرة المعارف الماسونية(إن الانقلاب التركي الذي قام به الأخ العظيم مصطفى كمال أتاتورك أفاد الأمة فقد أبطل السلطنة وألغى الخلافة وأبطل المحاكم الشرعية وألغى دين الدولة الإسلام.أليس هذا الإصلاح هو ما تبتغيه الماسونية في كل أمة ناهضة فمن يماثل أتاتورك من رجالات الماسون سابقا ولا حقا؟ بداية العلمانيين ونهاية الخلافة فقد قام الاتحاديون بتوجيه الدولة وجهة قومية لادينية ، ولما احتل الإنجليز استانبول ( الآستانة ) وأصبح المندوب السامي البريطاني والجنرال هارنجتون ( القائد العام لقوات الحلفاء في استانبول ) هما أصحاب السيادة الفعلية ظهر مصطفى كمال باشا بمظهر المنقذ لشرف الدولة . ولد عام 1299هـ كان والدة كما يقول ( مصطفى كمال ) : رجلا ضائع الفكر يقاوم علماء الدين ويؤيد الأفكار التي تتسرب من الغرب وتشبث بها . فنشأ انبه على ذلك وتأثر بأفكار نامق كمال ذو الآراء الملتزمة ، وطالع العديد من الكتب عن الثورة الفرنسية وازداد إعجابه بنابليون قام بتأليف جمعية سرية . الوطن في دمشق . ففشلت .فانضم إلى جماعة الاتحاد والترقي في سالونيك . اكتسب الكثير من طبائع الغرب وبهرت أنظاره وافتتن بحضارة ومعاييرها الفنية والاجتماعية . واهتم بحرية الجنس والعلاقات بين الرجل والمرأة . وفي عام 1377هـ /عين قائداً لأحد الجيوش في فلسطين حيث قام بإنهاء القتال مع الإنجليز فوراً وبصورة تامة وسمح للعدو بالتقدم شمالاً دون مقاومة وسحب قواته شمالاً بعد حلب حسب مخطط متفق عليه . لقد قام مصطفى كمال باستثارة روح الجهاد في الأتراك ، ورفع القرآن ، ورد اليونانيين على أعقابهم ، في موقعة سقاريا عام 1921م ، وتراجعت أمامه قوات الحلفاء بدون أن يستعمل أسلحته ، وأخلت أمامه المواقع ولعلها كانت بداية الطعم لإظهار شخصية مصطفى كمال ، وجعلها تطفو على السطح تدريجياً فقد ابتهج العالم الإسلامي وأطلق عليه لقب الغازي الذي كان ينفرد به سلاطين آل عثمان الأول ، ومدحه الشعراء وأشاد به الخطباء . فأحمد شوقي قرنه بخالد بن الوليد في أول بيت من قصيدة مشهورة : الله أكبر كم في الفتح من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب فكان الناس إذا قارنوا كفاح مصطفى كمال المظفر ، باستسلام الخليفة القابع في الآستانة ، مستكينا لما يجري عليه من ذل ، كبر في نظرهم الأول ، بمقدار ما يهون الثاني . وزاد سخطهم على الخليفة ما تناقلته الصحف بإهدار ه دم مصطفى كمال واعتباره عاصياً متمرداً . ولم يكن مصطفى كمال في نظرهم إلا بطلا مكافحا يغامر بنفسه لا ستعادة مجد الخلافة ، الذي خيل إليهم أن الخليفة يمرغه في التراب تحت أقدام الجيوش المحتلة. ولكنه لم يلبث غير قليل حتى ظهر على حقيقته ، صنيعه لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى وخاصة إنجلترا ، التي رأت أن إلغاء الخلافة ليس بالأمر الهين ، وإن ذلك لايمكن أن يتم دون اصطناع بطل . وفي عام 1341هـ / 1923م أعلنت الجمعية الوطنية التركية قيام الجمهورية في تركيا ، وانتخبت مصطفى كمال أول رئيس لها وفصل بذلك بين السلطة والخلافة ، وتظاهر بالاحتفاظ مؤقتا بالخلافة . فاختير عبد المجيد بن السلطان عبد العزيز خليفة ، بدلا من محمد السادس الذي غادر البلاد على بارجة بريطانية إلى مالطة ، ولم يمارس السلطان عبد المجيد أي سلطات للحكم . وفي عام 1342هـ / 1924م قدم مصطفى كمال أعظم هدية للغرب ، وهي إلغاء الخلافة ، التي كانت في اعتبار المسلمين جميعا عقدة الصلة والرابطة الوثيقة ، بحسبانها قوة خاصة لهم في مواجهة الغزو الغربي ، والصهيوني ثم الشيوعي . وأخراج السلطان عبد المجيد من البلاد ، وأعلن دستور ا جديدا لتركيا ، وبدأ حكم كمال أتاتورك كرئيس للجمهورية التركية رسميا . فأثار بذلك موجة من الاستياء الشديد عمت العالم الإسلامي . فشوقي الذي مدحه سابقا بكى الخلافة ، وهاجم مصطفى كمال في عنف ، لا يعدله إلا تحمسه له بالأمس ، فيقول : بكت الصلاة وتلك فتنة عابث بالشرع عربيد القضاء وقاح أفتى خز عبلة وقال ضلالة وأتى بكفر في البلاد بواح وبسقوط الخلافة بدأت تركيا تنقل بقوة على يد أتاتورك إلى الأنسلاخ من العالم الاسلامي بإعلان علمانية الدولة ،وتغير كل الرموز الاسلامية ،مثل إلغاء الشريعة الاسلامية وإحلال القنون السويسري محلها ،وإعلان سفور المرأة بدلاًعن الحجاب ،وإلغاءالأوقاف الاسلامية،وكتابة اللغة التركية بالحروف اللاتنية بدلاًمن الحروف العربية ،وبالتالي فقد تم مسخ الروح الإسلامية في تركيا ،ويسعى أتاتورك إلي الحاق بذيل الحضارة الغربية. ولقد أثر سقوط الخلاقة الإسلامية في مارس1924م،ومنقبلة فصل الخلافة عن السلطة العام 1922م جدلاًواسعاً في الأوساط الفكرية،مابين مؤدي لسقوط الخلافة ،ومعارض لها،فالتوجه العلماني يرى ان سبيل التقدم يتحقق في سقوط الخلافة ،في حين ان التيارالأصلاحي يرى النهضة الامة الأسلامية لايمكن أن يتحقق في سقوط الخلافة وبعد أن ذُكرت أسباب السقوط والسلبيات ،فلا بد من ذكر الايجابيات إيجابيات الدولة العثمانية وصور مشرقة 1. توسيع رقعة الأرض الإسلامية ، إذ فتح العثمانيون القسطنطينية وتقدموا في أوروبا مما عجز المسلمون من قبلهم منذ أيام معاوية t وساروا فيها شوطاً بعيداً حتى وقفوا على أبواب فيينا وحاصروها أكثر من مرة دون جدوى . 2. الوقوف في وجه الصليبيين على مختلف الجبهات فقد تقدموا في شرقي أوروبا ليخففوا الضغط عن المسلمين في الأندلس كما انطلقوا إلى شمال البحر الأسود ودعموا التتار ضد الصليبيين من الروس هذا فضلاً عن التصدي للإسبان في البحر المتوسط والبرتقاليين في شرق إفريقيا والخليج ، ولم يوفقوا في حملاتهم وذلك يرجع لعدم تكاتف المسلمين والتفافهم حولهم . 3. عمل العثمانيون على نشر الإسلام ، وشجعوا على الدخول به ، وقدموا الكثير في سبيل ذلك وعملوا على نشر في أوروبا وعملوا على التأثير في المجتمعات التي يعيشون بينها . 4. إن دخول العثمانيين إلى بعض الأقطار الإسلامية قد حماها من بلاء الاستعمار الذي ابتلت به غيرها في حين أن المناطق التي لم يدخلوها قد وقعت فريسة للاستعمار باستثناء دولة المغرب . 5. كانت الدولة العثمانية تمثل الأقطار الإسلامية ، فهي مركز الخلافة ، لذا كان المسلمون في كل مكان ينظرون إلى الخلافة وإلى الخليفة نظرة احترام وتقدير ، ويعدون أنفسهم من أتباعه ورعاياه ، وبالتالي كانت نظرتهم إلى مركز الخلافة ومقرها المحبة والعطف وكلما وجد المسلمون أنفسهم في ضائقة طلبوا الدعم من مركز الخلافة كما كان الخلفاء . 6. وكانت الخلافة العثمانية تضم أكثر من أجزاء البلاد الإسلامية فهي تشمل البلاد العربية كلها باستثناء المغرب إضافة إلى شرقي إفريقيا وتشاد وتركيا وبلاد القفقاس وبلاد التتار وقبرص وأوروبا بحيث وصلت مساحتها حوالي 20 مليون كيلومتر مربع . 7. كانت أوروبا تقابل العثمانيين على أنهم مسلمون لا بصفتهم أتراكاً ، وتقف في وجههم بحقد صليبي وترى فيهم أنهم قد أحيوا الروح الإسلامية القتالية من جديد ، أو أنهم أثاروا الجهاد بعد أن خمد في النفوس مدة من الزمن ، وترى فيهم مداً إسلامياً جديداً بعد أن ضعف المسلمون ضعفاً جدياً وتنتظر أوروبا قليلاً لتدمرهم ، والأتراك العثمانيون حالوا بينهم وبين المد الصليبي في الشرق والغرب الإسلامي ، الأمر الذي جعل أوروبا تحقد على العثمانيين وتكرههم . 8. كانت للعثمانيين بعض الأعمال الجيدة تدل على صدق عاطفتهم وإخلاصهم مثل عدم قبول النصارى مع الجيش وإعفاء طلبه العلم الشرعي من الجندية الإلزامية ، وكذلك إصدار المجلة الشرعية التي تضم فتاوى العلماء في القضايا كافة وكذلك احترام العلماء وانقياد الخلفاء للشرع الشريف والجهاد به وإكرام أهل القرآن وخدمة الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى . 9. وكان للعثمانيين دورهم في أوروبا إذ قضوا على نظام الإقطاع ، وأنهوا مرحلة العبودية التي كانت تعيشها في أوروبا حيث يولد الفلاح عبداً وينشأ كذلك ويقضي حياته في عبودية لسيده مالك الأرض وأهتم السلاطين بتقديم الصدقات والعطايا للموطنين . 10. أن العثمانيين هم الذين أزالوا من خريطة العالم أعتى أمبراطورية صليبية . هى الأمبراطورية البيزنطية،وفتحوا عاصمتها سنة 857 هـ. 11. موقف رائعة مشرقة: أ / أول صلاة في جامع (بايزيد) عندما أكتمل بناء جامع بايزيد وتم فرشه،جاء يوم افتتاحه بالصلاة فيه، ولكن من سبقوم بإمامة المصلين في هذه الصلاة؟أيؤم الناس الإمام المعين لهذا الجامع؟أم شيخ الإسلام؟أم أحد العلماء المعروفين؟لم يكن أحد يعلم ذلك،وكان الجميع في انتظار من يتقدم إلى الإمامة. فوقف إمام الجامع وتوجه إلى المصلين قائلاً لهم:ليتقدم للإمامة من لم يضطر طوال حياته لقضاء صلاة فرض.(أي: من صلّى صلوات الفرض في أوقاتها طوال حياته.وبعد انتظار بسيط شاهد المصلون السلطان (بايزيد الثاني) وهو يتقدم للإمامة بكل هدوء،ثم يكبر لصلاة الجماعة… أجل: كان السلطان هو الشخص الوحيد من بين الحاضرين الذي لم تفته صلاة من صلوات الفرض… ب/ أمر السلطان محمد الفاتح ببناء أحد الجوامع وكلف أحد المعمارين الرومين ، وكان بارعًا،وكان من بين أوامر السلطان :أن تكون أعمدة هذا الجامع من المرمر وأن تكون مرتفعة…وحدد هذا الارتفاع..ولكن هذا المعماري لسبب من الأسباب أمر بقص هذه الأعمدة وتققصير طولها دون أن يخبر السلطان،وعندما سمع السلطان بذلك استشاط غضبًا،فأمر بقطع يد هذا المعماري… لم يسكت هذا المعماري عن الظلم الذي لحقه برغم ندم السلطان ! فراجع قاضي اسطنبول ـ الذي كان صيت عدالته انتشر وذاع…وشكى إليه ما لحقه من ظلم…لم يتردد القاضي في قبول هذه الشكوى،فاسستدعى السلطان..وأوقفه أمام خصمه في المحكمة،الذي شرح مظلمته للقاضي،وأيد السلطان ما قاله. فقال القاضي حكمه وهو: حسب الأوامر الشرعية،يجب قطع يدك أيها السلطان قصاصًا لك!! ذُهل (الرومي) مما سمع ولم يكن يدر بخلده ولا بخياله..فكان أقصى ما يتوقع التعويض المالي..وبعبارات متعثرة قال الرومي للقاضي:أن ما يرجوه منه هو الحكم له بتعويض مالي فقط؛لأن قطع يد السلطان لن يفيده شيئًا،فحكم له القاضي بعشر قطع نقدية لكل يوم طوال حياته،تعويضًا له عن الضرر البالغ الذي لحق به. وقرر السلطان أن يعطيه عشرين قطعة نقدية ..تعبيرًا عن ندمه كذلك. ج/ السلطان عبدالحميد من المطامع الصهيونية في فلسطين ، حيث رفض رفضًا قاطعًا السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين. |
دولة الخلافة العثمانية
لقد كان القرن السابع الهجري، (الثالث عشر الميلادي) فترة سوداء في تاريخ العالم الإسلامي بأسره، ففي الوقت الذي تقدمت فيه جحافل المغول الوثنيين من الشرق، وقضت على الخلافة العباسية في بغداد كانت بقايا الجيوش الصليبية لا تزال تحتل أجزاء من شواطئ فلسطين! ومما زاد الحالة سوءًا أن الدولة الأيوبية التي تولت حماية العالم الإسلامي من هجمات الصليبيين أخذت تضعف بعد وفاة منشئها صلاح الدين. وقد ترتب على هذا أن أخذت مناطق المسلمين تتقلص بين ضربات الوثنيين من الشرق، وحملات المسيحيين من الغرب. وراح بعض الناس يعتقد أن الإسلام لن تقوم له قائمة مرة أخري، إلا أن الكارثة لم تقع. تُرى ما سبب ذلك؟ يقول المؤرخون: هناك سببان: أولهما: أنه بالرغم من انتصار المغول على المسلمين في ميدان الحرب فإن الإسلام انتصر عليهم في ميدان العقيدة، ففي أقل من نصف قرن دخل المغول الإسلام، فأصبحوا يدافعون عنه، وينشرونه بين أهليهم في أواسط آسيا. أما ثانيهما فهو أن دولة المماليك التي خلفت الأيوبيين على مصر في سنة 648هـ/1250م، كانت دولة عسكرية قوية يرأسها قواد الجيش من المماليك. وكان هؤلاء المماليك، وهم من الأتراك والأرمن وغيرهما، قد وصلوا إلى المناصب العالية في الجيش أثناء حكم الأيوبيين. وأخيرًا، تولوا الحكم، وعينوا من بينهم السلاطين للدولة، وقد كان لهؤلاء المماليك الفضل في إيقاف زحف المغول عند "عين جالوت" سنة 658/1260 م، كما انتزعوا من الصليبيين "عكا" وكانت آخر معقل لهم في الشرق سنة 692هـ/1292م. أصل العثمانيين: يقول المؤرخون : إن الدولة العثمانية كانت أكبر وأبقى دولة أنشأها قوم يتكلمون اللغة التركية في العهود الإسلامية. وهي إلى جانب ذلك أكبر دولة قامت في قرون التاريخ الإسلامي المتأخرة. لقد كان مركزها الأصلي "آسيا الصغري" في أقصي الركن الشمالي الغربي من العالم الإسلامي، ثم امتدَّت فتوحاتها إلى ثلاث قارات هي : آسيا وأوربا وإفريقية. وتركت بصمات قوية في تاريخ العالم عامة والإسلام خاصة، فكيف تم للأتراك العثمانيين ذلك؟ ومَنْ هم؟ ومن أين جاءوا؟ أسئلة كثيرة تخطر بالبال حين يذكر أولئك الأتراك العثمانيون، ويتساءل الكثيرون عن أصلهم، ولابد من طرح هذه الأسئلة قبل الحديث عن حكمهم وفتوحاتهم. يعتقد الكثيرون أن أصلهم من أواسط آسيا، وقد هاجروا في جماعات نحو الغرب، حتي استقروا أخيرًا في القرن السادس الميلادي بالقرب من منطقة بحر قزوين والجهات الواقعة شمال وشرق بلاد فارس . وفي أيام الدولة الأموية، تمكنت الجيوش الإسلامية من الوصول إلى منطقة سكناهم، إلا أنهم لم يعتنقوا الإسلام جديّا إلا في أوائل العصر العباسي. وقد قربهم الخليفة المعتصم -كما عرفت- حين أراد أن يقضي علي سيطرة الفرس الذين كانوا يتمتعون بنفوذ كبير في الدولة العباسية وبخاصة في عهد المأمون. وفي أواخر القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي جاءت موجة أخري من الأتراك (المعروفين بالسلاجقة) وعلي رأسهم "طغرل بك"، وقضوا علي نفوذ البويهيين في بغداد، وخلصوا الخليفة العباسي من استبدادهم، وتقدموا حتى هددوا القسطنطينية، فتكتل المسيحيون في أوربا، وكان ذلك بسبب هزيمتهم أمام السلاجقة في ملاذكرد، وقاموا بتلك الحروب الصليبية التي أمدَّت في عمر القسطنطينية أربعة قرون. كيف تكونت دولة الأتراك العثمانيين؟ في حوالي سنة 622هـ/1224م كانت جيوش التتار بقيادة جنكيز خان تتقدم إلي الغرب في اتجاه الدولة العباسية. ومن بين الذين فروا أمام الزحف التتري مجموعة من الترك كانت تسكن منطقة "خُوارزم"، فتحركوا غربًا حتي وصلوا إلي آسيا الصغري بالقرب من دولة "سلاجقة الروم" سنة 1250م تقريبًا. وهناك اتصل قائدهم "أرطغرل" بالسلطان علاء الدين زعيم دولة سلاجقة الروم (وهم فرع آخر من نفس الجنس التركي)، فوافق علاء الدين علي وجودهم، ومنحهم منطقة حول أنقرة ليستقروا فيها علي الحدود بين دولته ودولة البيزنطيين. فلما وصلت جيوش المغول إلى "دولة السلاجقة" وقف "أرطغرل" إلي جانب "علاء الدين"، حيث تمكنا من هزيمة المغول وإنقاذ دولة السلاجقة. بعد وفاة "أرطغرل" سنة 688هـ/1288م، عُيّن ابنه "عثمان" خلفًا له، فكان قويّا محبوبًا بين أهله، ذا مكانة في بلاط السلطان علاء الدين؛ مما أثار حسد وزرائه. فلما مات علاء الدين كثرت المؤامرات، وضعفت الدولة، فاغتنم عثمان الفرصة، واستقل عن السلاجقة، وأخذ يضيف بعض أجزاء دولتهم إلى سلطانه، وهكذا تأسست الدولة العثمانية، وكان ذلك في سنة 700 هـ/1300م. وبذا فقد نسبت تلك المجموعة من الأتراك إلى هذا الرجل العظيم "عثمان" فسموا الأتراك العثمانيين؟ وكان الإسلام هدف العثمانيين وشعارهم، له يعملون، وفي سبيله يجاهدون ويحاربون. فتوحاتهم المباركة: كان الطريق مفتوحًا أمام هذه الدولة الناشئة ؛ فلم يكن هناك ما يقف في طريق توسعها؛ حيث إن الإمبراطورية البيزنطية خرجت بعد الحروب الصليبية وهي أسوأ حالا مما كانت عليه من قبل. ويذكر المؤرخون أَنَّ حملة من الحملات الصليبية قد احتلت القسطنطينية نفسها سنة 602هـ/1204م ، ولم تتخلص عاصمة البيزنطيين منهم إلا بعد أكثر من ستين عامًا، فلما شرع عثمان في التقدم نحو الأقاليم التابعة للدولة البيزنطية وجد الطريق مفتوحًا أمامه. وقد واصل ابنه "أورخان" هذه الفتوحات حتى بلغ "نيقية" وخضعت له آسيا الصغرى (تركيا)، كما تمكن من عبور "الدردنيل"، والوصول إلى "مقدونيا" غير أنه لم يتقدم نحو أوربا. وكان لابد أن يتفرغ بعد هذا لتنظيم دولته، فأنشأ جيشًا نظاميّا عُرف بالانكشارية (أى الجنود الجدد) .وكان هذا الجيش مكونًا من أبناء البلاد المفتوحة. فتم تدريبهم منذ الصغر على الإسلام والعسكرية، وأعدت لهم معسكرات وثكنات يعيشون فيها حتى لا يختلطون بغيرهم، مهمتهم التي أعدوا لها هي الدفاع عن الإسلام مع الفرسان من العثمانيين، فيشبون أقوياء الجسم، مطيعين لقوادهم الذين لايعرفون غير الطاعة الكاملة.. أتدري مَنْ أول من استخدم هذا الجيش استخدامًا فعالا؟ السلطان مراد الأول: إنه السلطان "مراد الأول" ابن "أورخان" وكان مراد نفسه جنديّا شجاعًا قرر أن يشن حربًا على أوربا بأسرها. لقد أراد أن ينتقم من الأوربيين لاعتدائهم على الإسلام والشرق أثناء الحروب الصليبية.هذا بالإضافة إلى حماسه للإسلام، وحبه له وللدفاع عنه ضد أعدائه، ورغبته في نشر الإسلام في بلاد الكفر، وتبليغ دعوة الله إلى العالمين، فمن المعروف أن الأتراك من أقوى الشعوب حماسة، ومن أقواهم عاطفة تجاه الإسلام والمسلمين، وكان سمتهم في تعاملهم مع الأسرى سمتًا إسلاميّا يدل على فهمهم للإسلام ولمبادئ الحرب والقتال في الإسلام، وهذا ما شهد به أعداؤهم. لقد عبرت جيوشه الدردنيل (كما فعل والده من قبل)، واحتل مدينة "أدرنة"، وجعلها عاصمته سنة 765هـ/1362م بدلا من العاصمة القديمة "بروسّة"، وبذلك يكون قد نقل مقر قيادته إلى أوربا استعدادًا لتأديب وإخضاع تلك القارة المعتدية! شملت فتوحات "مراد": مقدونيا، وبلغاريا، وجزءًا من اليونان والصرب، كما هدد القسطنطينية، وأجبر إمبراطورها على دفع الجزية. لكن واأسفاه، قتل مراد في ميدان القتال سنة 793هـ/1389م، في الوقت الذي كانت فيه جيوش المسلمين الظافرة تحتل صوفيا عاصمة بلغاريا. السلطان بايزيد: فمن يا تُرى يخلفه؟ لقد خلفه ابنه "بايزيد" ومن شابه أباه فما ظلم.كانوا يلقبونه (بالصاعقة)، وذلك لسرعة تحركاته في ميادين القتال وانتصاراته الخاطفة.أتدري ماذا حقق من انتصارات بعد أبيه؟ لقد أتم فتح اليونان. أما الدولة البيزنطية فقد جردها من كل ممتلكاتها ماعدا القسطنطينية وحدها. لقد بلغ "بايزيد" من القوة ما جعله يمنع إمبراطور القسطنطينية من إصلاح أحد حصون المدينة فيذعن الإمبراطور لأمره، وينزل عند رأيه. وكانت نتيجة هذا الجهاد المقدس انتشار الذعر في جميع أنحاء أوربا، فقام البابوات في روما ينادون بالجهاد ضد المسلمين كما فعلوا سنة 489هـ/1095م، وتجمعت فرق المتطوعين من فرنسا وألمانيا وبولندا وغيرها وقادهم سِجِسْمُنْد المجري. وفي سنة 799هـ/1396م اشتبك معهم "بايزيد" في معركة "نيقوبولس" وهزمهم هزيمة نكراء، فدقَّت أجراس الكنائس في جميع أوربا حدادًا على تلك الكارثة، وانتابها الذعر والقلق. وراحت أوربا تخشى مصيرها الأسود القاتم إذا تقدم ذلك القائد المظفر نحو الغرب. أما القسطنطينية فقد أوشكت على السقوط أمام جيوش بايزيد! هجوم التتار: في هذه اللحظات التاريخية يتعرض جنوب الدولة العثمانية إلى هجمات التتار، وكانت هذه هي الموجة الثانية (بعد تلك التي قام بها هولاكو) جاء على رأسها تيمورلنك، فغزا بلاد فارس والعراق وأجزاء من سوريا، ثم اتجه شمالا نحو الدولة العثمانية. ولما شعر بايزيد بذلك الخطر أوقف تقدمه في أوربا كما رفع الحصار عن القسطنطينية، واتجه جنوبًا لملاقاة العدو. وفي سنة 805هـ/1402م تقابل بايزيد مع تيمورلنك بالقرب من أنقرة، ودارت الحرب بينهما زمنًا طويلا كان النصر فيها حليفًا لقوات التتر! ووقع "بايزيد" في أسر عدوه تيمورلنك الذي عذبه عذابًا شديدًا. ويقال: إنه سجنه في قفص، وطاف به أجزاء مختلفة من الدولة حتى مات من شدة التعذيب. ترى هل كانت هذه الهزيمة نهايةً للأتراك العثمانيين؟ لا؛ فقد انتعشوا مرة ثانية، وقاموا بأعمال تفوق تلك التي قام بها "عثمان" و"مراد" و"بايزيد". سقوط القسطنطينية: مرت على الدولة العثمانية فترتان بين إنشائها واستيلائها على القسطنطينية.كانت الفترة الأولى واقعة بين استقلال عثمان بالدولة سنة 700هـ/1300م وبين هزيمة "بايزيد" في موقعة أنقرة سنة 805هـ/1402م. أما الفترة الثانية، فتبدأ من إعادة إنشاء الدولة سنة 816هـ/1412م حتى فتح القسطنطينية سنة 858هـ/1453م. وكانت المدة الواقعة بين هاتين الفترتين -وهي عشر سنوات- مدة قلاقل واضطرابات. ولكن ماذا فعل تيمورلنك بعد موقعة أنقرة وأسر بايزيد؟ عودة تيمورلنك إلى بلاده: بعد موقعة أنقرة تراجع تيمورلنك، فلم يكن قصده احتلال آسيا الصغري، بل كان كل همه وأمله أسر بايزيد، أمَا وقد تحقق له ما أراد، فليرجع إلى بلاده، لقد ترك البلاد مهزومة مفككة، وترك أولاد بايزيد يتحاربون فيما بينهم من أجل الملك. واستمرت فترة حكمه حوالي ثماني سنوات، أخذ يعمل فيها بحكمة وتعقل؛لكي يدعم سلطانه داخل الدولة، فاتبع سياسة المهادنة والصداقة مع كل الأعداء. لقد عقد هدنة مع إمبراطور القسطنطينية، وقد رحب الإمبراطور بتلك الهدنة؛ لأنه هو الآخر كان في حالة ضعف شديد نتيجة ضربات بايزيد المتوالية على دولته. أما السلاجقة، فقد ترك لهم "السلطان محمد" كل الأراضي التي تحت أيديهم، وتفادي أي اشتباكات معهم، وركز كل همه في توطيد سلطانه في الداخل، وكان له ما أراد. السلطان مراد الثاني: فلما توفي "محمد" وخلفه ابنه "مراد الثاني" سنة 825هـ/1421م، كانت حالة الدولة العثمانية تمكنها من اتخاذ بعض الخطوات الهجومية وقد كان. فلقد استردّ "مراد الثاني" ما أخذه السلاجقة من أراضي العثمانيين، واستعاد العثمانيون ثقتهم وقوتهم في عهد مراد الثاني، فاتجهوا إلى أوربا. ولكن أوربا لم تنسَ هزيمتها في "نيقوبولس" وما لحق بها من عار، فراحت تكون جيشًا كبيرًا من المجريين والبولنديين والصرب والبيزنطيين، وهاجمت ممتلكات الدولة العثمانية في "البلقان". وفي البدء تمكن المسيحيون من إحراز عدة انتصارات على جيوش مراد، إلا أن السلطان "مرادًا" جمع قواته، وأعاد إعدادها وتشكيلها حتى التقى مع أعدائه سنة 849هـ/1444م، فأوقع بهم الهزيمة، وعلى رأسهم ملك المجر "فلادسلاق" وصدهم حتى نهر الدانوب. رعاك الله يا مراد، لقد أعدت الدولة العثمانية إلى ما كانت عليه أيام جدك بايزيد. وهكذا لما توفي "مراد الثاني" في "أدرنة" سنة 856هـ/ 1451ترك لابنه محمد الثاني المعروف "بالفاتح" دولة قوية الأركان، عالية البنيان، رافعة أعلامها، متحدة ظافرة منتصرة. فتح القسطنطينية : كان أول هدف لمحمد الفاتح القضاء علي القسطنطينية، تلك المدينة التي صمدت أمام كل الهجمات الإسلامية من عهد معاوية ابن أبي سفيان في منتصف القرن السابع الميلادي حتى منتصف القرن الخامس عشر. لقد كان الاستيلاء عليها أملا يراود الكثيرين من قادة الإمبراطورية الإسلامية وخلفائها، وفخرًا حاول الكثيرون أن ينالوه ويحظوا به، ولم لا وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش". [أحمد والحاكم]. السلطان محمد الفاتح: جاء محمد الثاني (محمد الفاتح) وكان مع الفتح على موعد، فعقد العزم على فتحها، وإضافتها إلى العالم الإسلامي الكبير، ولم يكن هذا هو هدفه الوحيد، بل كانت هناك عوامل كثيرة تحركه وتدفعه إلى تحقيق هذا النصر وذلك الفتح العظيم، أيقال: إنه فتح الفتوح؟! أم أيقال: إنه فتح باركته ملائكة السماء؟! وكيف لا، والإمبراطورية البيزنطية كانت العدو الأول للإسلام بعد أن سقطت دولة الفرس في القرن السابع الميلادي، وظلت تصطدم مع المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين، وفي خلافة الأمويين والعباسيين وما بعدها! وكثيرًا ما كانت تتحين فرص ضعف الدولة الإسلامية فتغير عليها، وتنتزع بعض أراضيها. ولا يخفى أن بعد موقعة "ملاذكرد" في القرن الحادي عشر أصبحت القسطنطينية نفسها محورًا تتمركز فيه كل قوى الصليبيين المتجمعة من أطراف القارة الأوربية؛ لتشن الغارة تلو الغارة على الأراضي المقدسة، ومناطق نفوذ المسلمين الأخري. ولا ينسى أحد للقسطنطينية أنها في سنة 768هـ/1366م، تحالفت مع روما ودول أوربا الأخرى إلا أن بايزيد هزمهم في "نيقوبولس". ولم يَنْسَ خلفاء الدولة العثمانية للقسطنطينية أنَّها في سنة 846هـ/1441م تآمرت مرة أخرى مع ملوك البلقان ضد مراد الثاني، إلا أن الله نصر مرادًا عليهم فقضى على تحالفهم، وشتت شملهم، وَفرَّق جموعهم. فلْيقضِ محمد الفاتح على تلك القلعة الحصينة التي كثيرًا ما ضربتهم من الخلف، إن هو أراد أن يستمر في فتوحاته الأوربية. وراح محمد الفاتح يضع الخطة بإحكام، عقد هدنة مع ملوك المسيحيين في البلقان لمدة ثلاث سنوات. واستغل هذه الفترة الآمنة الهادئة في تحصين حدوده الشمالية وتأمينها. ثم ماذا؟ ثم جهز جيشًا قوامه 60 ألف جندي نظامي، واتجه بهم نحو القسطنطينية وحاصرها، ومع أن حامية القسطنطينية لم تكن تزيد على 8000 جندي إلا أنها كانت محصنة جدّا، فالبحر يحيط بها من ثلاث جهات، أما الجهة الرابعة فقد أحيطت بأسوار منيعة، وهذا هو السبب الرئيسي في صمودها طوال هذه القرون واستعصائها على بني أمية وبني العباس. وقد كان تأخر سقوط القسطنطينية في أيدي المسلمين هو السبب في تأخر انهيار الدولة البيزنطية، فسقوط العاصمة يتسبب عنه سقوط الدولة بأكملها، ولعل ذلك يرجع إلى أن قدرًا من الحضارة المادية كان عند البيزنطيين؛ بحيث يستطيعون تحصين عاصمتهم والدفاع عنها، وقد تأخر سقوط الدولة البيزنطية لمدة ثمانية قرون كاملة، على عكس الدولة الفارسية التي سقطت وزالت مبكرًا نتيجة سقوط "المدائن" عاصمتها في وقت قصير. إلا أن الأحوال قد تغيرت كثيرًا في سنة 858هـ/1453م عندما حاصرها محمد الفاتح. وكان العالم قد توصل في ذلك الوقت إلى اكتشاف البارود-الذي يرجع الفضل في اكتشافه إلى العلماء المسلمين-مما جعل الأسوار كوسيلة للدفاع قليلة الفائدة. وإلى جانب هذا وذاك، فإن الأسطول الإسلامي أصبح أقوى بكثير من أسطول البيزنطيين، فحاصر المدينة من جهة البحر، وأغلق مضيق البسفور في وجه أية مساعدة بحرية. واستمر الحصار ستة أسابيع، هجمت بعدها الجيوش الإسلامية، وتمكنت من فتح ثغرة في أحد الأسوار، ولكن الحامية المسيحية- برغم قلتها- دافعت دفاعًا مريرًا، ومع ذلك فقد دخل محمد الفاتح القسطنطينية، وغير اسم القسطنطينية إلى "إسلام بول" (أي عاصمة الإسلام)، ولكنها حرفت إلى إستامبول، كما جعل أكبر كنائس المدينة (أيا صوفيا) مسجدًًا بعد أن صلى فيه الجيش الفاتح بعد النصر، أما المسيحيون فلم يعاملهم بما كانوا يعاملون به المسلمين، لقد ترك لهم حرية العبادة، وترك لهم بطريقَهُم يشرف على أمورهم الدينية. تسامح المنتصر: وقد وصف فولتير الفيلسوف الفرنسي الشهير موقف المنتصر المسلم من المهزوم المسيحي بقوله : إن الأتراك لم يسيئوا معاملة المسيحيين كما نعتقد نحن، والذي يجب ملاحظته أن أمة من الأمم المسيحية لا تسمح أن يكون للمسلمين مسجد في بلادها بخلاف الأتراك، فإنهم سمحوا لليونان المقهورين بأن تكون لهم كنائسهم، ومما يدل على أن السلطان محمد الفاتح كان عاقلا حكيمًا تركه للنصارى المقهورين الحرية في انتخاب البطريق، ولما انتخبوه ثبته السلطان وسلمه عصا البطارقة، وألبسه الخاتم حتى صرح البطريق عند ذلك بقوله : إني أخجل مما لقيته من التبجيل والحفاوة، الأمر الذي لم يعمله ملوك النصارى مع أسلافي. هذه هي حضارة الإسلام ومبادئه في ميدان الحرب والتسامح مع أهل الأديان الأخري، على خلاف النصارى في حروبهم مع المسلمين سواء في الحروب الصليبية أو في الأندلس أو في العصر الحديث في كل مكان، فإنهم يقتلون الأبرياء، ويحرقون الأخضر واليابس، ويخربون بيوت الله، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة. ولم يكتف "محمد الثاني" بهذا النصر، بل سار إلى أعدائه في الغرب، وأخضع معظم دول البلقان، إلى أن وصل إلى بحر الأدرياتيك، وفي آسيا امتدت سلطة العثمانيين حتى نهر الفرات فهزموا السلاجقة، واستولوا على جميع أراضيهم. آخر خليفة عباسي: وجاء "السلطان سليم" بعد محمد الفاتح، فدخلت الجيوش الإسلامية الجزيرة العربية بأسرها، وعَرَّجوا على مصر فقضوا علىحكم المماليك فيها، وضموها لممتلكاتهم. وفي مصر، وجد السلطانُ سليم آخرَ سلالة الخلفاء العباسيين واسمه "المتوكل على الله الثالث"، وطلب منه أن يتنازل له عن الخلافة فقبل، وقد يتساءل: كيف يكون هناك خليفة عباسي مع أن التتار قضوا على الخلافة العباسية في بغداد سنة 656هـ. الواقع أنه بعد مقتل الخليفة المستعصم في بغداد تمكن بعض أفراد أسرته من الهروب إلى مصر، فآواهم سلاطين المماليك، ولقبوا أحدهم خليفة، وكانت خلافة رمزية، الغرض منها إكساب دولة الخلافة سمعة كبيرة بوجود الخليفة فيها. واستمرت سلالة هؤلاء الخلفاء حتى سنة 924هـ/1518م، عندما دخل السلطان سليم مصر وهزم المماليك، ولما أراد العودة إلى العاصمة إسلام بول أخذ معه الخليفة المتوكل على الله الثالث الذي تخلى للسلطان سليم عن الخلافة، وسلمه الراية والسيف والبردة سنة 925هـ/1518م. سقوط الخلافة العثمانية: وهكذا انتقلت الخلافة إلى الدولة العثمانية، واستمرت فيها حتى سنة 1342هـ/1923م، حتى ألغاها مصطفى كمال أتاتورك ونقل العاصمة إلى أنقرة عاصمة تركيا الحديثة، وألغى اللغة العربية في 1342هـ/3 مارس 1924م. وكان اليهود قد حاولوا في عهد السلطان عبد الحميد الثاني التأثير عليه بشتى الوسائل، وإغرائه بالمال، ليسمح بتأسيس وطن قومي لليهود، فأبي، وقال : تقطع يدي ولا أوقع قرارًا بهذا، لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة، فلن أسود صحائف المسلمين من آبائي وأجدادي السلاطين والخلفاء العثمانيين. وتجمعت كل القوى المعادية للإسلام لتقضي على الخلافة، فكان لهم ما أرادوا، وتفرق شمل المسلمين، واستبيحت ديارهم، فإنما يأكل الذئب من الغنم الشاردة، وها نحن أولاء نشهد حربًا تدور في الخفاء والعلن ضد الإسلام والمسلمين في كل مكان، ولا خلافة لهم تجمع كلمتهم وتدافع عنهم. منجزات الخلافة العثمانية: 1- فتح القسطنطينية، وتحقيق حلم وأمل المسلمين. 2- وقوف السلطان عبد الحميد في وجه اليهود بقوة، ومنعهم من إقامة وطن قومي لهم في فلسطين. فيروى أنه بعد عقد مؤتمر بال بسويسرا 1336هـ/1897م والذي قرر اتخاذ فلسطين وطنًا قوميّا لليهود، ذهب (قره صو) إلى الخليفة عبد الحميد، وذكر له أن الحركة الصهيونية مستعدة أن تقدم قرضًا للدولة، قدره خمسون مليونًا من الجنيهات، وأن تقدم هدية لخزانة السلطان الخاصة قدرها خمسة ملايين من الجنيهات، نظير السماح لليهود بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، فصرخ الخليفة في حاشيته قائلا:من أدخل على هذا الخنزير. وطرده من بلاده، وأصدر أمرًا بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين. 3- من أبرز خدماتها للمسلمين أنها أخرت وقوع العالم الإسلامي تحت الاحتلال الأوربي، فما إن زالت الخلافة الإسلامية حتى أتى الغرب على دول المسلمين يبتلعها دولة بعد الأخرى، وقد وقف السلطان سليم الأول ومن بعده ابنه بقوة إلى جانب دولة الجزائر ودول شمال إفريقية وساعدهم في مقاومة الاحتلال الأوربي في بداية الأمر عندما استغاث خير الدين بالسلطان سليم فأمده بالعدة والعتاد. 4- دفاعهم عن الأماكن المقدسة، فعندما حاولت قوات الأسطول البرتغالي (مرتين) أن تحتل جدة وتنفذ منها إلى الأماكن المقدسة في الجزيرة، وقفت في وجهها الأساطيل العثمانية، فارتدت على أعقابها خاسرة، بل إن القوات البحرية أغلقت مضيق عدن في وجه الأساطيل البرتغالية، فكان عليها أن تأتي بالشحنات التجارية وتفرغها في مضيق عدن، ويقوم الأسطول الإسلامي العثماني بتوصيلها إلى عدن والموانئ الإسلامية. 5- ويكفي أن الخلافة العثمانية كانت رمزًا لوحدة المسلمين، وقوة تدافع عن المسلمين وقضاياهم وأراضيهم، بالإضافة إلى الفتوحات الإسلامية، وحرصهم على الإسلام وحبهم له، كيف لا، وقد قامت دولتهم على حب الإسلام بغرض الدفاع عنه. هذا وقد ظلم التاريخ هذه الخلافة الإسلامية خلافة العثمانيين؛ لأن تاريخها كتب بأيدي أعدائها سواء من الأوربيين أو من العرب الذين تربوا على مناهج الغرب، وظنوا أنها احتلال للبلاد العربية، ولذلك فتاريخ هذه الخلافة يحتاج إلى إعادة كتابة من جديد. *** منقووووووووووووووووووووووووول |
منذ ظهور الدولة العثمانية فى مطلع القرن الثامن الهجرى لم يتورع المؤرخون الأوروبيون واليهود والعلمانيون الحاقدون بالهجوم على تاريخ هذه الدولة العظيمة...
وأمعانا فى بغيهم ومكرهم أستخدموا أساليب الطعن والتشويه والتشكيك فيما قام به العثمانيون من خدمة جليلة عظيمة للعقيدة والاسلام.. وياليت الأمر قد توقف عند هذا الحد ولكن المصيبة الجلل أنه قد سار على هذا النهج الباطل أغلب المؤرخين العرب بشتى انتماءاتهم واتجاهاتهم، القومية ، والعلمانية، وكذلك المؤرخون الأتراك الذين تأثروا بالتوجه العلماني الذي تزعمه المقبور مصطفى كمال، فكان من الطبيعي أن يقوموا بإدانة فترة الخلافة العثمانية، فوجدوا فيما كتبه النصارى واليهود ثروة ضخمة لدعم تحولهم القومي العلماني في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى... مصطفى كمال أتاتورك وما دعا المؤرخ الأوربي لهذا الأتجاه هو تأثره بالفتوحات العظيمة التي حققها العثمانيون، وخصوصاً بعد أن سقطت عاصمة الدولة البيزنطية (القسطنطينية) وحولها العثمانيون الى مدينة اسلامية واطلقوا عليها اسلام بول (أي دار الاسلام) ، فتأثرت نفوس الأوربيين بنزعة الحقد والحقد والمرارة المورثة ضد الاسلام فأنعكست تلك الأحقاد في كلامهم وافعالهم ، وكتابتهم وحاول العثمانيون مواصلة السير لضم روما الى الدولة الاسلامية ومواصلة الجهاد حتى يخترقوا وسط اوروبا ويصلوا الى الاندلس لإنقاذ المسلمين فيها، وعاشت أوروبا في خوف وفزع وهلع ولم تهدأ قلوبهم إلا بوفاة نادرة الزمان السلطان العظيم التقى الورع محمد الفاتح رحمه الله رحمة واسعة ... السلطان العظيم محمد الفاتح وكان وقتها زعماء الدين المسيحي من قساوسة ورهبان وملوك يغذون الشارع الأوروبي بالأحقاد والضغائن ضد الاسلام والمسلمين ، وعمل رجال الدين المسيحي على حشد الأموال والمتطوعين لمهاجمة المسلمين (الكفرة على حد زعمهم) البرابرة، وكلما انتصر العثمانيون على هذه الحشود ازدادت موجة الكره والحقد على الاسلام وأهله، فأتهم زعماء المسيحيين العثمانيين بالقرصنة، والوحشية والهمجية، وعلقت تلك التهم في ذاكرة الأوروبيين... مع أن أوروبا قدتحولت الى النهج العلمانى فى عصر النهضة الحديثة إلا أنه لم يستطع وجدان المجتمع الاوروبي أن يتخلص من تلك الرواسب الموروثة عندهم تجاه العالم الاسلامي بشكل عام وتجاه الدولة العثمانية بشكل خاص... هذا الموروث الدفين دفع قواتهم العسكرية المدعومة بحضارته المادية للإنتقام من الاسلام والمسلمين، ونزع خيراتهم بدوافع دينية واقتصادية وسياسية وثقافية ، وساندهم كتابهم ومؤرخوهم، للطعن والتشويه والتشكيك في الاسلام وعقيدته وتاريخه، فكان نصيب الدولة العثمانية من هذه الهجمة الشرسة كبير جدا ... وشارك اليهود الأوروبيون بأقلامهم المسمومة، وأفكارهم المحمومة في هذه الهجمات المتواصلة ضد الدولة العثمانية خصوصاً والاسلام عموماً، وازداد عداء اليهود للدولة العثمانية بعد أن فشلت كافة مخططاتهم في اغتصاب أي شبر من أراضي هذه الدولة لإقامة كيان سياسي لهم طوال أربعة قرون هي عمر الدولة العثمانية السنية... واستطاع اليهود بمعاونة الصليبية والدول الاستعمارية الغربية ومن خلال محافلهم الماسونية أن يحققوا أهدافهم على حساب الأنظمة القومية التي قامت في العالم الغربي والاسلامي والتي وصفت نفسها بالتقدمية والتحضر واتهمت الخلافة العثمانية على طول تاريخها بالتخلف والرجعية والجمود والانحطاط وغير ذلك واعتبرت المحافل الماسونية ، والمنظمات الخفية التابعة لليهود والقوى العالمية المعادية للاسلام والمسلمين أن مسألة تشويه الفترة التاريخية للدولة العلية العثمانية من أهم أهدافها... |
( 1 ) جذور الأتراك وأصولهم :-
------------------------------------------------------------- في منطقة ماوراء النهر والتي تسمى اليوم تركستان والتي تمتد من هضبة منغوليا وشمال الصين شرقاً الى بحر قزوين غرباً، ومن السهول السيبرية شمالاً الى شبه القارة الهندية وايران جنوباً، استوطنت عشائر الغز وقبائلها الكبرى تلك المناطق وعرفوا بالترك أو الأتراك. |
ثم تحركت هذه القبائل في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، في الانتقال من موطنها الأصلي نحو آسيا الصغرى في هجرات ضخمة. وكان لهذه الهجرة عدة أسباب منها :
( أ ) اقتصادية :- فالجدب الشديد وكثرة النسل، جعلت هذه القبائل تضيق ذرعاً بمواطنها الأصلية، فهاجرت بحثاً عن الكلاء والمراعي والعيش الرغيد .. ( ب ) سياسية :- حيث تعرضت تلك القبائل لضغوط كبيرة من قبائل اخرى أكثر منها عدداً وعدة وقوة وهي القبائل المغولية الرهيبة ، فأجبرتها على الرحيل، لتبحث عن موطن آخر وتترك أراضيها بحثاً عن نعمة الأمن والاستقرار ... وبالتالى اضطرت تلك القبائل المهاجرة الا أن تتجه غرباً، ونزلت بالقرب من شواطئ نهر جيحون ، ثم استقرت بعض الوقت في طبرستان، وجرجان، فأصبحوا بالقرب من الأراضي الاسلامية والتي فتحها المسلمون بعد معركة نهاوند وسقوط الدولة الساسانية في بلاد فارس سنة 21ه الموافق 641 م.. كان طبيعيا أن يؤدى موقعه الجغرافى الجديد الى اتصالهم بالمسلمين ففي عام 22ه الموافق 642 م تحركت الجيوش الاسلامية الى مايعرف بأسم بلاد الباب لفتحها وكانت تلك الأراضي يسكنها الاتراك، وهناك ألتقى قائد الجيش الاسلامي عبدالرحمن بن ربيعة رضى الله عنه بملك الترك شهربراز ... طلب هذا الملك من عبدالرحمن الصلح وأظهر استعداده للمشاركة في الجيش الاسلامي لمحاربة الأرمن ، فأرسله عبدالرحمن الى القائد العام سراقة بن عمرو رضى الله عنه ، وقد قام شهر براز بمقابلة سراقة فقبل منه ذلك، وكتب للخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه يعلمه بالأمر، فوافق على مافعل، وعلى إثر ذلك عقد الصلح، ولم يقع بين الترك والمسلمين أي قتال، بل سار الجميع الى بلاد الأرمن لفتحها ونشر الاسلام فيها... وتقدمت الجيوش الاسلامية لفتح البلدان في شمال شرق بلاد فارس حتى تنتشر دعوة الله فيها، بعد سقوط دولة الفرس أمام الجيوش الاسلامية والتي كانت تقف حاجزاً منيعاً أمام الجيوش الاسلامية في تلك البلدان، وبزوال تلك العوائق، ونتيجة للفتوحات الاسلامية ، أصبح الباب مفتوحاً أمام تحركات شعوب تلك البلدان والاقاليم ومنهم الاتراك فتم الاتصال بالشعوب الاسلامية، واعتنق الاتراك الاسلام، وانضموا الى صفوف المجاهدين لنشر الاسلام وإعلاء كلمة الله .. وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضى الله عنه تم فتح بلاد طبرستان ، ثم عبر المسلمون نهر جيحون سنة 31ه، ونزلوا بلاد ماوراء النهر، فدخل كثير من الترك في دين الاسلام، وأصبحوا من المدافعين عنه والمشتركين في الجهاد لنشر دعوة التوحيد ... ثم ظهرت الدولة الأموية فالعباسية وازداد عدد الأتراك في بلاط الخلفاء والأمراء العباسيين وشرعوا في تولي المناصب القيادية والادارية في الدولة؛ فكان منهم الجند والقادة والكتاب , وقد ألتزموا بالهدوء والطاعة حتى نالوا أعلى المراتب... ولما تولى الخليفة المعتصم الخلافة فتح الأبواب أمام النفوذ التركي وأسند إليهم مناصب الدولة القيادية وأصبحوا بذلك يشاركون في تصريف شؤون الدولة، وكانت سياسة المعتصم تهدف الى تقليص النفوذ الفارسي ، الذي كان له اليد المطلقة في إدارة الدولة العباسية منذ عهد الخليفة المأمون... وقد تسبب اهتمام المعتصم بالعنصر التركي الى حالة سخط شديدة بين الناس والجند، فخشي المعتصم من نقمة الناس عليه، فأسس مدينة جديدة هي (سامراء) وسكنها هو وجنده وأنصاره... وهكذا بدأ الأتراك منذ ذلك التاريخ في الظهور في أدوار هامة على مسرح التاريخ الاسلامي حتى أسسوا لهم دولة إسلامية كبيرة كانت على صلة قوية بخلفاء الدولة العباسية عرفت بالدولة السلجوقية ...فماهى هذه الدولة ؟؟؟.... |
تعد دولة الخلافة العثمانية ظاهرة تاريخية فريدة، فهي من أبرز الدول العالمية في التاريخ؛ فقد شغلت حيزًا كبيرًا من الزمان والمكان، إذ عاشت أكثر من ستة قرون، وامتدت رقعتها الجغرافية إلى آسيا وأوروبا وإفريقيا، وكانت جيوشها أكثر جيوش العالم عددًا وأحسنها تدريبًا وتسليحًا وتنظيمًا، فقد عبرت جيوش هذه الدولة الفتية البحر من الأناضول إلى جنوبي شرق ووسط أوروبا، وفتحت بلاد اليونان وبلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا والمجر ورودس وكريت وقبرص وألبانيا حتى بلغت مشارف فيينا – عاصمة النمسا – وجنوبي إيطاليا؛ فكانت أول دولة إسلامية تصل إلى هذا العمق في الأرض الأوروبية.
بدايات السقوط وكان هذا الانتشار الواسع للدولة العثمانية وتهديدها للمسيحية في عقر دارها سببًا قويًا في عداء أوروبا المسيحية لها، وسعيها الدءوب لتقويض أركانها، وهدم بنيانها الشامخ، فقامت ضدها الأحلاف والتكتلات المسيحية في حروب كان النصر فيها حليف الدولة العثمانية في أغلب الأحيان، غير أن عوامل الضعف والتآكل بدأت تضرب في الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف، فكان سقوطها في الداخل المرحلة الأولى لسقوطها وزوال خلافتها حيث ضعفت عسكريًا أمام روسيا القيصرية، حتى أطلق عليها القيصر الروسي "نيقولا الأولى" لقب "رجل أوروبا المريض"، وأصبحت مطمعًا للدول الاستعمارية الكبرى: بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولم يدخر الغرب في معركته ضد الخلافة سلاحًا إلا استخدمه، بدءًا من الإرساليات التبشيرية والغزو الفكري، وإشعال الثورات والفتن الطائفية والمذهبية، واصطناع الجواسيس والأعوان وشراء الذمم بالمال، حتى تم تقويض الخلافة على يد مصطفى كمال. ويذكر المؤرخ الفرنسي "دين جروسيه" في كتابه "وجه آسيا" أن عملية تصفية الخلافة العثمانية استغرقت 220 عامًا، بدأت بمعاهدة "كارلوفجة" سنة (1111 هـ = 1699م)، تضافرت فيها جهود الدول الكبرى عبر السنين الطوال، إلا أن اختلاف أطماع هذه الدول وتضارب مصالحها في تركة الدولة العثمانية كان سببًا في إطالة عمرها. دور "الاتحاد والترقي" كان السلطان عبد الحميد الثاني يقف عقبة كؤودا أمام الأطماع الأوربية في تفتيت الدولة العثمانية، والأطماع الصهيونية في فلسطين، ونجحت المكائد والدسائس في إبعاده عن الخلافة سنة (1327 هـ = 1909م) بالتعاون مع حزب الاتحاد والترقي، وهو أول حزب سياسي ظهر في الدولة العثمانية وأصبح هذا الحزب هو صاحب السلطة الحقيقية في الدولة العثمانية، وكان معظم أعضائه من الماسونيين، وكان ضباط الجيش التركي هم أبرز الاتحاديين وعلى رأسهم مصطفى كمال. وقد تولى الخلافة بعد خلع عبد الحميد أخوه الأمير رشاد الذي تسمى بمحمد الخامس، وكان في الرابعة والستين من عمره، وكانت الدولة والعرش العثماني نفسه في حالة احتضار، لكن الدولة كانت متماسكة إلا حد ما، وخضع السلطان للاتحاديين الذين سعوا إلى أن يستقر الحكم في قبضتهم، ولكن تطلعاتهم لم تتحقق، إذ واجهتهم معارضة شديدة من الرأي العام، تدعو إلى دعم حقوق الخلافة، وتعديل الدستور لتحقيق هذا الهدف. ولما وقعت الحرب العالمية الأولى سنة (1333هـ = 1914م) انضمت حكومة الاتحاد والترقي إلى جانب ألمانيا، ودخلت تركيا حربًا لا دخل لها بها وأجهضت قوتها البشرية والاقتصادية والعسكرية، حيث تمزق الجيش التركي على جميع الحدود والجبهات نتيجة للقيادة الفاشلة والعميلة، وانتهت الحرب سنة (1337هـ = 1918م) بهزيمة ألمانيا وتركيا، وتحطُّم دولة الخلافة وتمزق أوصالها، حيث استولى الإنجليز على قلاع الدرنديل، واحتلت الجيوش الفرنسية والإنجليزية مدينة إستانبول، واحتلت اليونان أزمير، ووقعت هدنة "مدروز" التي نصت على استسلام الدولة العثمانية دون قيد أو شرط، وبدأت القوات العثمانية تلقي سلاحها، واستعد الحلفاء لاحتلال الأستانة وغيرها من المدن التركية، وأدت روح التشفي التي صدرت عن الحلفاء والأقليات الدينية إلى نمو روح المقاومة لدى الأتراك. أما كبار رجال حزب الاتحاد والترقي الذين كانت في أيديهم مقدرات البلاد فقد فروا من البلاد، وكان السلطان العثماني الجديد "محمد وحيد الدين" يدرك أن وجود تركيا لازم لدول الغرب لإقامة التوازن بينها، كما أن بريطانيا وفرنسا لن تسمحا بالقضاء على تركيا قضاءً مبرمًا؛ لأن ذلك يفسح المجال أمام روسيا الشيوعية للاستيلاء على الأناضول، وبالتالي على مضيق البوسفور والدرنديل، بل كل ما تريدانه هو جعل الدولة العثمانية دولة صغيرة مثل الدول التي ستقوم على أنقاضها؛ لذا رأى السلطان أن ما أُخذ من الدولة العثمانية لا يسترد إلا بالقتال، وبالتالي فلا بد من القيام بثورة في البلاد؛ لذلك استعان بمصطفى كمال، وعهد إليه بأن يقوم بثورة في شرقي الأناضول حتى يتسنى لرجال السياسة أن يستخدموا هذه الثورة كورقة ضغط أثناء عقد الصلح مع الحلفاء حتى يحصلوا على أكثر ما يمكن من المكسب، وللتغطية على هذه الثورة خاصة من الإنجليز الذين كانوا يسيطرون على إستانبول، عين السلطان "وحيد" "مصطفى كمال" مفتشا لجيوش الأناضول بصلاحيات واسعة، وزوده بمبلغ كبير من المال، ووضع فيه ثقته، لكنه خان الأمانة وغدر بالسلطان وعمل لنفسه. من هو أتاتورك؟ ولد مصطفى كمال سنة (1299هـ = 1880م) بمدينة "سالونيك" التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، أما أبوه فهو "علي رضا أفندي" الذي كان يعمل حارسًا في الجمرك، وقد كثرت الشكوك حول نسب مصطفى، وقيل إنه ابن غير شرعي لأب صربي، أما لقب "كمال" الذي لحق باسمه فقد أطلقه عليه أستاذه للرياضيات في المدرسة الثانية، ويذكر الكاتب الإنجليزي "هـ.س. أرمسترونج" في كتابه: "الذئب الأغبر" أن أجداد مصطفى كمال من اليهود الذين نزحوا من إسبانيا إلى سالونيك وكان يطلق عليهم يهود الدونمة، الذين ادعوا الدخول في الإسلام. وبعد تخرجه في الكلية العسكرية في إستانبول عين ضابطًا في الجيش الثالث في "سالونيك" وبدأت أفكاره تأخذ منحنى معاديًا للخلافة، وللإسلام، وما لبث أن انضم إلى جمعية "الاتحاد والترقي"، واشتهر بعد نشوب الحرب العالمية الأولى حين عين قائدًا للفرقة 19، وهُزم أمامه البريطانيون مرتين في شبه جزيرة "غاليبولي" بالبلقان رغم قدرتهم على هزيمته، وبهذا النصر المزيف رُقّي إلى رتبة عقيد ثم عميد، وفي سنة (1337هـ = 1918/) تولى قيادة أحد الجيوش في فلسطين، فقام بإنهاء القتال مع الإنجليز – أعداء الدولة العثمانية – وسمح لهم بالتقدم شمالاً دون مقاومة، وأصدر أوامره بالكف عن الاصطدام مع الإنجليز. السلطان وأتاتورك غادر مصطفى كمال إستانبول في (شعبان 1337هـ = مايو 1919) بعدما عهد إليه السلطان العثماني بالقيام بالثورة في الأناضول، واختار معه عددًا من المدنيين والعسكريين لمساعدته، وبعدما استطاع جمع فلول الجيش حوله هناك بدأ في ثورته، فاحتج الحلفاء على هذا الأمر لدى الوزارة القائمة في إستانبول المحتلة، وهددوا بالحرب، فاضطرت الوزارة إلى إقالته، وعرضت الأمر على السلطان، الذي أوصى بالاكتفاء بدعوته إلى العاصمة، لكنه اضطر بعد ذلك إلى إقالته فلم يمتثل أتاتورك لذلك وقال في برقية أرسلها للخليفة: "سأبقى في الأناضول إلى أن يتحقق استقلال البلاد". الثورة الكاذبة وبدأ يشعل ثورته التي يحميها الإنجليز، وانضم إليه بعض رجال الفكر وشباب القادة الذين اشترطوا عدم المساس بالخلافة، واستمر القتال عاما ونصف العام ضد اليونانيين، استعار خلالها أتاتورك الشعار الإسلامي ورفع المصحف، وأعلن الحلفاء أثناءها حيادهم، أما الإنجليز فكانوا يعملون جهدهم لإنجاح هذه الثورة، فبعد تجدد القتال بين أتاتورك واليونانيين في (1340هـ = 1921م) انسحبت اليونان من أزمير ودخلها العثمانيون دون إطلاق رصاصة، وضخمت الدعاية الغربية الانتصارات المزعومة لأتاتورك، فانخدع به المسلمون وتعلقت به الآمال لإحياء الخلافة، ووصفه الشاعر أحمد شوقي بأنه "خالد الترك" تشبيهًا له بخالد بن الوليد. وعاد مصطفى كمال إلى أنقرة حيث خلع عليه المجلس الوطني الكبير رتبة "غازي"، ومعناه الظافر في حرب مقدسة، وهو لقب كان ينفرد به سلاطين آل عثمان، فتعزز موقفه الدولي والشعبي، ووردت عليه برقيات التهاني من روسيا وأفغانستان والهند والبلدان الإسلامية المختلفة، وسار العالم الإسلامي فخورًا بثورة مصطفى كمال سنوات عدة، استغلها في كسب عواطف المسلمين وأموالهم بعدما كسا ثورته لباسًا إسلاميًا سواءً في أحاديثه أو في معاملته للزعماء المسلمين مثل الزعيم الليبي أحمد السنوسي. إلغاء الخلافة الإسلامية وبعد انتصارات مصطفى كمال انتخبته الجمعية الوطنية الكبرى رئيسًا شرعيًا للحكومة، فأرسل مبعوثه "عصمت باشا" إلى بريطانيا (1340هـ = 1921م) لمفاوضة الإنجليز على استقلال تركيا، فوضع اللورد كيرزون – وزير خارجية بريطانيا – شروطه على هذا الاستقلال وهي: أن تقطع تركيا صلتها بالعالم الإسلامي، وأن تلغي الخلافة الإسلامية، وأن تتعهد تركيا بإخماد كل حركة يقوم بها أنصار الخلافة، وأن تختار تركيا لها دستورا مدنيًا بدلاً من الدستور العثماني المستمدة أحكامه من الشريعة الإسلامية. نفذ أتاتورك ما أملته عليه بريطانيا، واختارت تركيا دستور سويسرا المدني، وفي (ربيع أول 1341هـ = نوفمبر 1922م) نجح في إلغاء السلطنة، وفصلها عن الخلافة، وبذلك لم يعد الخليفة يتمتع بسلطات دنيوية أو روحية، وفرض أتاتورك آرائه بالإرهاب رغم المعارضة العلنية له، فنشر أجواء من الرعب والاضطهاد لمعارضيه، واستغل أزمة وزارية أسندت خلالها الجمعية الوطنية له تشكيل حكومة، فاستغل ذلك وجعل نفسه أول رئيس للجمهورية التركية في (18ربيع أول 1342هـ = 29 أكتوبر 1923م) وأصبح سيد الموقف في البلاد. وفي (27 رجب 1342هـ = 3 مارس 1924م) ألغى مصطفى كمال الملقب بأتاتورك الخلافة العثمانية، وطرد الخليفة وأسرته من البلاد، وألغى وزارتي الأوقاف والمحاكم الشرعية، وحوّل المدارس الدينية إلى مدنية، وأعلن أن تركيا دولة علمانية، وأغلق كثيرًا من المساجد، وحوّل مسجد آيا صوفيا الشهير إلى كنيسة، وجعل الأذان باللغة التركية، واستخدم الأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة التركية بدلاً من الأبجدية العربية. وكانت هذه الإجراءات المتتابعة منذ إسقاط الخلافة تهدف إلى قطع صلة تركيا بالعالم الإسلامي بل وصلتها بالإسلام، ولم يقبل المسلمون قرار أتاتورك بإلغاء الخلافة؛ حيث قامت المظاهرات العنيفة التي تنادي ببقاء هذا الرباط الروحي بين المسلمين، لكن دون جدوى. حاول "حسين بن علي" حاكم الحجاز تنصيب نفسه خليفة للمسلمين، لكن الإنجليز حبسوه في قبرص، كما عمل الإنجليز على فض مؤتمر الخلافة بالقاهرة، وإلغاء جمعية الخلافة بالهند.. وهكذا نجحت أحقاد الغرب في إلغاء الخلافة الإسلامية التي لم تنقطع منذ وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم). |
"الجزيرة الخضراء".. في أحضان العثمانيين
(ذكرى فتح العثمانيين لها: 10 من ربيع الأول 979هـ) أدرك المسلمون منذ الخلافة الراشدة الأهمية الإستراتيجية لجزيرة قبرص تلك الجزيرة التي تقع في أقصى شرق البحر المتوسط وتعد من كبرى جزره، ومن الجزر التي تشكل خطرا على الوجود الإسلامي في منطقة البحر المتوسط سواء في الشام مصر وبلاد المغرب أو الأناضول بعد ذلك، فقد كانت الجزيرة من الناحية الإستراتيجية عقبة في طريق التجارة الإسلامية في البحر المتوسط، وخطرا على الوجود الإسلامي في شواطئ المتوسط، وخطرا على قوافل الحجيج، وخطرا على الدولة الإسلامية عند قيام أي حلف صليبي لمحاربة المسلمين، فهي لا تبعد عن الشواطئ التركية إلا أميالا قليلة، ولا تبعد عن سواحل الإسكندرية إلا بأقل من أربعمائة كيلو متر، كما أنها قريبة من سواحل الشام بحوالي مائة كيلو متر. ولذا كانت المحاولات الإسلامية متكررة لإخضاع قبرص، وكانت أول هذه المحاولات في عهد الخليفة الراشد "عثمان بن عفان" رضي الله عنه، حيث استأذنه والي الشام آنذاك "معاوية بن أبي سفيان" رضي الله عنه في القيام بغزوة بحرية إلى قبرص، فوافق "عثمان" واشترط عليه ألا ينتخب للغزو في البحر أحدا من الناس وألا يجبر أحدا على الخروج، وأن من يخرج معه للغزو يكون برغبته الحرة، ولعل ذلك يرجع إلى قلق المسلمين من البحر والقتال فيه؛ لأنهم أهل بادية وصحراء ولم يكن لهم سابق خبرة بالبحر. وفي عام (28هـ= 649م) -على اختلاف في الروايات التاريخية- تمكن الأسطول الإسلامي الذي انطلق من الشام بقيادة "عبد الله بن قيس"، والأسطول الذي انطلق من مصر بقيادة "عبد الله بن سعد" من فتح قبرص التي كانت تحت سيطرة البيزنطيين، وكان في هذه الغزوة عدد من كبار الصحابة منهم "عبادة بن الصامت" و "أم حرام بنت ملحان" رضي الله عنهما، وتوفيت أم حرام في تلك الجزيرة ودفنت بها، وعقد المسلمون مع أهل قبرص معاهدة كان من أهم بنودها: ألا يقوم أهل قبرص بغزو المسلمين، وأن يخبروا المسلمين إذا قام الروم بالسير لقتال أهل الإسلام، وأن يدفعوا جزية سنوية قدرها سبعة آلاف دينار. وعندما وقعت الفتنة الكبرى بين المسلمين في عهد الإمام "على بن أبي طالب" رضي الله عنه، استغل القبارصة هذه الظروف السياسية التي تمر بها الدولة الإسلامية وامتنعوا عن دفع الجزية، فقام "معاوية" بغزوهم مرة أخرى واستولى على الجزيرة وأسكن فيها عدة آلاف من جند المسلمين، ونقل إليها عددا من سكان مدينة بعلبك، لكن الظروف السياسية التي عاصرت القتال بين "عبد الله بن الزبير" و"عبد الملك بن مروان" شجعت البيزنطيين على السيطرة على الجزيرة. وتكررت المحاولات الإسلامية لإعادة السيطرة على الجزيرة أعوام (130هـ= 748م) و(158هـ= 775م) و(184هـ= 800م) و(190هـ= 806م). وقد لعبت قبرص دورا معاديا للمسلمين إبان الحروب الصليبية؛ فقد استولى عليها ملك بريطانيا ريتشارد قلب الأسد سنة (587هـ= 1191م) وجعلها قاعدة حربية للإمداد والتموين، وبعد رحيل الصليبيين عند بلاد الشام كانت قبرص هي المكان التي تجمعت فيه تلك القوى والفلول الصليبية للإغارة على السفن والشواطئ الإسلامية، وكان من أشد تلك الغارات عملية القرصنة التي قاموا بها على مدينة الإسكندرية سنة (767هـ= 1366م) بقيادة بطرس الأكبر حيث احتلوا الإسكندرية 3 أيام وقتلوا الكثير من سكانها واغتصبوا الكثيرات، وحملوا معهم الكثير من الأسرى. وقد خلد المؤرخ السكندري "النويري" في كتابه "الإلمام" هذه الوقائع. وأمام هذا القلق الإستراتيجي قام السلطان المملوكي "الأشرف برسباي" بفتح قبرص وضمها إلى دولته سنة (829هـ=1426م)، لكن البنادقة قاموا بالسيطرة وإخضاعها لسيطرتهم في عام (895هـ= 1490م). العثمانيون بعد القانوني عندما توفي السلطان العثماني "سليمان القانوني" في (13 من صفر 974 هـ= 7 من سبتمبر 1566م) أثناء حملته الهمايونية الثالثة عشرة عن عمر تجاوز الـ71 عاما بعد فترة من الحكم دامت أكثر من 46 عاما، خلفه في الحكم ابنه "سليم الثاني" وكان من أم روسية تسمى "روكسلان" ولم يكن ذلك الابن على مستوى أبيه من القوة والحزم والهيبة، ولم يكن مؤهلا لحفظ الفتوحات التي تركها والده. وأغرى ضعف سليم الثاني الكثير من القوى العالمية للتحرش بالدولة العثمانية، لكن وجود بعض الرجال العظام في مراكز الدولة القيادية المختلفة مثل الصدر الأعظم صوقللو باشا منع الدولة من الضعف، كما أن روح الجهاد والقوة العسكرية كانت ما تزال كامنة في أوصال العثمانيين رغم غياب "سليمان القانوني". واجه سليم الثاني تمردا في اليمن قام به الزيديون سنة (هـ= 1567م) أدى إلى انحصار العثمانيين في الشريط الساحلي، ولم يتمكن العثمانيون من استرداد سيادتهم على اليمن إلا بعد قرابة العامين. ومن ناحية أخرى قام السلطان "سليم الثاني" بتجديد الهدنة مع شارل التاسع ملك فرنسا في عام (980هـ=1596م) وتم منح الفرنسيين عددا من الامتيازات التجارية في البحر المتوسط؛ بل إن فرنسا أرسلت بعض البعثات إلى المناطق التي يقطنها النصارى في بلاد الشام. الفتح.. لعلاج الانكماش وأمام حالة التراجع التي دخلت فيها الدولة العثمانية بعد رحيل القانوني فكر عدد من كبار رجال الدولة في التصدي لهذا التراجع ووقفه، ولذا ركزوا التفكير في قبرص باعتبارها العقبة الباقية في طريق التجارة البحرية المنتعشة بين مصر وإستانبول، حيث كانت تلك الجزيرة ذات الموقع الإستراتيجي المهم تخضع لسيطرة البنادقة في ذلك الوقت، وكان هؤلاء يعتدون على سفن الحج والتجارة في البحر المتوسط، كما أن العلاقات كانت قلقة بين العثمانيين والبنادقة في ذلك الوقت رغم وجود بعض الاتفاقيات، ويرجع ذلك إلى طبيعة التنافس التجاري بين الجانبين. وكان البنادقة يسيطرون على قبرص رغم أن القبارصة ينتمون في غالبيتهم إلى الروم، ولذا تعرضوا لمعاملة قاسية من البنادقة. وكانت خطورة قبرص الإستراتيجية على الدولة العثمانية إذا دخلت الدولة العثمانية في حرب ضد البندقية، فقرب قبرص من الأراضي والشواطئ العثمانية بدرجة كبيرة يجعلها رأس حربة ضد أماكن متعددة في الدولة العثمانية في الأناضول ومصر والشام وشمال إفريقيا، خاصة أن هناك تاريخا من العلاقات الدامية بين الدولة العثمانية والبندقية في البحر المتوسط. وقد نشأت فكرة فتح قبرص عند السلطان سليم الثاني بمشورة عدد من كبار رجال الدولة، ورغم ذلك فإن بعض الشخصيات العثمانية الكبيرة كانت تخشى من فتح قبرص وترى أن الممالك النصرانية لن تمرر هذا الفتح بسهولة للدولة العثمانية، خاصة أن الدولة العثمانية كانت تعاني من حالة من التراجع بعد وفاة القانوني، وأن الحرب إذا قامت فلن تقتصر على الدولة العثمانية والبندقية فقط، بل لا بد أن تمتد لتصبح حربا بين أوربا والعثمانيين في وقت حرج بالنسبة للعثمانيين، وأن الحرب مع البندقية لا بد أن تقود إلى تكوين تحالف مسيحي ضخم ضد العثمانيين. ولكن السلطان حزم الأمر في المسألة وتم استصدار فتوى شرعية تقول بأن قبرص كانت بلدا إسلاميا، وأن البنادقة استولوا عليها، وأن الواجب إخراجهم من تلك الأراضي التي كانت خاضعة في وقت سابق للمسلمين، وهو ما يعطي العثمانيين شرعية في الحرب. الفتح.. وأحداثه وقد رتب العثمانيون لعملية فتح قبرص استعدادات كبيرة خاصة في الجانب البحري نظرا لما يتمتع به البنادقة من شهرة في القتال البحري، وامتلاكهم لأسطول بحري قوي، والتوقعات العثمانية تؤكد أنهم لا بد أن يحصلوا على معونات وإمدادات من الممالك المسيحية، ولذا جمعت الدولة العثمانية أكبر عدد من السفن في تاريخها حتى ذلك الوقت، حيث خصصت حوالي 400 سفينة لهذه المهمة، وظهر أسطول الاستطلاع العثماني أمام سواحل قبرص في ( رمضان 977 هـ= مارس 1570م). أما الأسطول السلطاني بقيادة "داماد بيالة باشا" فقد أقلع من إستانبول في (1 من ذي الحجة 977 هـ= 15 من مايو 1570)، وتولى قيادة الجيش البري الوزير "لالا مصطفى باشا"، وكان الجيش العثماني مكونا من 60 ألف مقاتل بري، والبقية من مقاتلي البحر العثمانيين، وشارك في هذا الفتح عدد من مشاهير القادة العثمانيين مثل "خير الدين باربروسا باشا" و"عروج باشا" أكبر قادة البحر في ذلك الوقت. وقد استطاع الأسطول العثماني أن يدخل ميناء "ليماسول" في (18 من المحرم 978 هـ=1 من يوليو 1570م) ولم تمض إلا أسابيع قليلة حتى بدأ العثمانيون في عملياتهم العسكرية والبحرية في قبرص التي استمرت ثلاثة عشر شهرا، وبدأ العثمانيون في محاصرة مدينة "لفكوشة" التي كان بداخلها عشرة آلاف جندي بندقي، وبها 15 مدفعا وتمكن العثمانيون من فتحها بعد حصار ومعارك استمرت 49 يوما في (29 من ربيع الأول 978 هـ= 9 من سبتمبر 1570م). وبدأت المدن في قبرص تسقط تباعا، حيث انتقل العثمانيون إلى حصار مدينة "ماغوسا" الشديدة التحصين التي كان بها أكثر من 7 آلاف مقاتل و75 مدفعا و5 من كبار قادة البندقية الأكفاء، إضافة إلى أنها تسلمت كميات كبيرة من المؤن والذخائر، ودخلها 1600 جندي بندقي آخرون، وهو ما جعل عملية حصارها وقتال من فيها عملية مرهقة للغاية، خاصة أن العثمانيين علموا بالتحالف المسيحي الذي عقده بابا روما "بيوس الخامس" في (21 من ذي الحجة 978 هـ= 25 من مايو 1571م) وضم غالبية الممالك والكيانات المسيحية في أوربا. وأمام هذا الموقف المتأزم من الناحية الإستراتيجية والعسكرية أرسلت إستانبول إلى المقاتلين العثمانيين في قبرص إمدادات أخرى، وأبحرت "عمارة" (مجموعة إمدادات بحرية) بحرية عثمانية كبيرة إلى إيطاليا بهدف الحيلولة دون تقديم أي مساعدات للبنادقة المُحاصرين في قبرص، ونجحت هذه العمارة التي كانت مكونة من 400 سفينة في القيام بمهمتها. أما القائد العثماني "لالا مصطفى" فقد أبقى معه 40 سفينة فقط واستمر في حصار "ماغوسا" حتى سقطت في (10 من ربيع الأول 979هـ=1 من أغسطس 1571م) بعد 13 شهرا من القتال والحصار، وقام العثمانيون بإسكان عدد كبير من سكان الأناضول في قبرص، وهو ما أدى إلى زيادة سكان قبرص بنسبة كبيرة، فقد كان عدد سكانها عند الفتح العثماني حوالي 120 ألف نسمة فارتفع إلى حوالي 360 ألف نسمة، وكان العثمانيون يطلقون على قبرص "يشيل أدة" أي الجزيرة الخضراء. واستمرت السيطرة العثمانية على قبرص حوالي 307 أعوام، حتى تنازلت عنها الدولة العثمانية لبريطانيا سنة (1296هـ=1878م) مقابل مبلغ مالي يُقدر بحوالي 92 ألف جنيه إسترليني. |
ثورة اليونان على العثمانيين
(في ذكرى نشوبها: 20 من ربيع الآخر 1134 هـ) بدأت العلاقة بين الدولة العثمانية وشبه جزيرة المورة (اليونان) عندما قام السلطان محمد الفاتح بفتح تلك البلاد سنة (863هـ = 1458م) في حملته الهمايونية (السلطانية) السابعة، حيث استطاع دخول مدينة أثينا التي يطلق عليها العثمانيون مدينة الحكماء. وكان من سماحة محمد الفاتح أنه سمح للدوق اللاتيني فرانكو أن يأخذ كل ثروته ويذهب إلى إيطاليا، ثم دخل الفاتح مدينة باترياس وأسس لواء تركيا، وسمح لأميرين يونانيين بإدارة ثلثي المورة تحت الحماية العثمانية، وقام بهدم ما يقرب من 292 قلعة بمدفعيته من أصل 300 قلعة كانت موجودة في المورة. ما قبل الثورة كانت الشرارة الأولى لاندلاع الثورة اليونانية على الخلافة العثمانية في (10 من جمادى الأولى 1236 هـ = 12 من فبراير 1821م) وذلك عندما قام حوالي 10 آلاف مسلح بقيادة جرمانوس Germanos أسقف باتراس بحمل علم عليه صورة مريم العذراء وهو يصيح: "يا أيتها الأمة اليونانية.. هيا أفيقي واقتلي الأتراك"، وقام الثوار الذين كان يتزعمهم القساوسة والأساقفة بحصار قلعة المدينة. اشتعلت الثورة في جميع اليونان على إثر هذه الشرارة التي كانت معدة بعناية بالغة. وساهم في دعمها الدول الأوربية، وفي مقدمتها روسيا القيصرية باعتبارها حامية المذهب الأرثوذكسي الذي كان يعتنقه اليونانيون. وكان البطريرك الأرثوذكسي جريجوريوس المقيم في إستانبول هو المحرك الأول لهذه الثورة، ويجمع كل خيوطها في يديه. تأثر عدد من الشباب اليوناني الذي كان خارج اليونان بشعارات الثورة الفرنسية، فأنشئوا العديد من الجمعيات في فرنسا والنمسا وغيرها من الدول الأوربية، كان أهمها: جمعية الفكرة العظمى. قامت هذه الجمعيات اليونانية بأنشطة سرية داخل اليونان وغيرها، وأخذت تجند الكثير من اليونانيين لأفكارها، وكان من بين تلك الأهداف: إحياء الإمبراطورية البيزنطية، واسترداد إستانبول باعتبارها ملكا للأرثوذكس وإخراج الأتراك من أوربا، ودفعهم ثانية إلى قارة آسيا التي خرجوا منها. رأت روسيا في الثورة اليونانية فرصة لتمزيق الدولة العثمانية التي تناصبها العداء، ورأى ألكسندر الأول قيصر روسيا أن مساندة اليونانيين ستخدم المصالح الروسية، حيث ستظهر الروس حماة للمذهب الأرثوذكسي في العالم، وهو ما سيقود إلى تأليب كثير من العناصر الأرثوذكسية داخل الدولة العثمانية، مما سيضعفها عن مواجهة روسيا في أي حرب مقبلة، خاصة أن الناطقين باللغة اليونانية ضمن الدولة العثمانية كانوا يتركزون في المورة وكريت وقبرص، وكان هؤلاء يشكلون ما يقرب من نصف سكان تلك المناطق، أي إنهم يتفوقون على العنصر التركي الموجود بين ظهرانيهم، مما يجعل أي ثورة ذات قوة وعنفوان ودموية في ذات الوقت. الثورة في كل اليونان اشتعلت الثورة في أغلب مناطق اليونان في وقت واحد؛ حتى لا تقوى الحامية العثمانية على مواجهتها، خاصة مع إمدادات السلاح التي تدفقت على الثوار. وعندما رأى القائد العثماني في المورة هذه الاستعدادات وعنفوانها أخلى كثيرا من المدن في المروة تاركا العنصر التركي المسلم فريسة سهلة للثوار، فقتل الكثير من الأتراك المدنيين بشكل جماعي مثلما حدث في قلعة تربيوليجة في (9 من المحرم 1237 هـ =5 من أكتوبر 1821م) حيث قُتل 8 آلاف مدني تركي بشكل جماعي بمن فيهم الأطفال حديثو الولادة؛ إذ كان يسكن اليونان في تلك الفترة حوالي 50 ألف تركي، كان بعضهم مستوطنا لليونان منذ ما يقرب 400 عام أي منذ الفتح العثماني الأول لها، وبذلك استطاع الثوار السيطرة على المورة في حوالي 3 أسابيع. ومع اشتداد الثورة في المورة بدأ المتطوعون يتدفقون إليها، فدخلها 3 آلاف متطوع من بينهم ابن رئيس الولايات المتحدة جورج واشنطن، كما ساهم الكثير من كبار شعراء أوربا وأدبائها في مساندة الثوار، وأصر الثوار على فكرة إحياء الإمبراطورية البيزنطية من جديد، وأعلن الثوار تأسيس اليونان التي تضم المورة وجزر كيكلاد وجزيرة آغري بوز، وتم انتخاب رئيس للدولة في (20 من ربيع الآخر 1237هـ= 13 من يناير 1822م)، وتشكيل جمعية وطنية من المدن الثائرة مكونة من 60 عضوا، وفي (1238هـ= 1823م) تم اتخاذ مدينة نوبلي عاصمة ومقرا للحكومة الثائرة. وقد دخلت مدينة ساقيز الواقعة في بحر إيجه التي كان يقطنها حوالي 80 ألف نسمة في خط الثورة على العثمانيين، لكن القائد البحري العثماني زادة علي باشا استطاع إنهاء تمردها في (19 من رجب 1237 هـ=11 إبريل 1822م) وقتل الكثير من الثوار، وهو ما أثار مشاعر مثقفي أوربا، فنظموا الأشعار وألفوا الروايات في وحشية الأتراك. تحديد الرأس وبتره تعجبت الدولة العثمانية من الدموية التي مارسها الثوار اليونانيون ضد الأتراك رغم أن الدولة العثمانية كفلت لهم حرية المذهب، وحالت دون سحق الكاثوليك للأرثوذكس في كثير من المناطق. وكان السلطان العثماني يعتبر نفسه حامي المذهب الأرثوذكسي. استطاعت المخابرات العثمانية أن تحدد الرأس المدبر وهو البطريرك الأرثوذكسي جريجوريوس المقيم في إستانبول، فأمر السلطان العثماني محمود الثاني بتفتيش مقره بدقة، وعثر على أوراق تثبت ضلوعه في الثورة وقيامه بمراسلات مع الدول الأوربية وحثها على مساندة اليونانيين، ومن ذلك الرسالة التي بعث بها إلى قيصر روسيا يبين له كيفية هدم الدولة العثمانية. وإمعانا في صرف الأنظار عنه أصدر جريجوريوس حرمانا كنسيا لكل من يشارك في تلك الثورة، لكن هذه الحيلة لم تخدع العثمانيين. وقد أمر السلطان محمود الثاني بالقبض على جريجوريوس، حيث اعترف بجميع أنشطته في الثورة، ومن ثَم صدر الحكم بإعدامه ونفذ في يوم عيد الفصح عند الأرثوذكس (20 من رجب 1236 هـ= 22 من إبريل 1821م) في بطريركية فنار وظل معلقا 3 أيام، مكتوبا في عنقه لوحة بخيانته للدولة العثمانية، وتم تعيين بطريك جديد، وأغلق الباب الذي أعدم أمامه جريجوريوس، وأصر البطريرك الجديد ألا يفتح حتى يعدم أمامه رئيس حكومة أو دولة تركي، وما زال مغلقا من يومها، وأعدم عدد من القساوسة والأعيان الذين شاركوا في تلك الثورة. ولم تستطع تشكيلات الإنشكارية العثمانية إخماد ثورة اليونان، وهو ما أثار غضب السلطان وجعله يعمل جديا على إلغائها وإنشاء جيش تركي حديث؛ ولذا قرر السلطان محمود الثاني الاستعانة بوالي مصر وجيشه للقضاء على تلك الثورة التي تهدد الوجود العثماني في أوربا. مصر وثورة اليونان رأى السلطان العثماني محمود الثاني أن الحرب أرهقت جيشه في اليونان، وأن ميزان القوة يميل بشدة نحو الثوار، خاصة بعدما شكلوا حكومة ثورية؛ ولذا استعان بمحمد علي وجيشه المصري الحديث للقضاء على تلك الثورة مقابل أن يمنحه بلاد اليونان. وافق محمد علي، وبذل همة كبيرة في تجهيز حملة للقضاء على الثورة، فأعد جيشا بريا قويا بقيادة ابنه إبراهيم باشا يتكون من 17 ألف مقاتل من المشاة، وحوالي 700 فارس، وأسطولا بحريا من 51 سفينة حربية و146 سفينة نقل، وصوّر بعض الفرنسيين منظر الاستعدادات والأسطول المصري بالقول: "كأن الشرق أراد أن يغزو الغرب". وقد أقلع الأسطول المصري من الإسكندرية في (ذي القعدة 1239 هـ= يوليو 1824م) إلى ميناء رودوس ثم إلى شواطئ الأناضول، حيث التقى بالأسطول التركي بقيادة خسرو باشا فتم اللقاء في ميناء بودروم. المعركة بين البر والبحر كان اليونانيون ماهرين بركوب البحر وقد طوروا سفنهم الصغيرة التي كانت تستخدم في الصيد للقيام بالعمليات الحربية، وكانوا أكفأ من أسطول خسرو باشا في القتال البحري، وقد اشتبك الأسطول المصري مع هذه السفن، وتم إغراق سفينتين مصريتين، وأدرك إبراهيم باشا أن هزيمة اليونانيين لن تكون في البحر، بل لا بد أن تجري في البر؛ ولذا أخذ يُعِدّ العدة للقتال على أرض اليونان نفسها. استقر إبراهيم في جزيرة كريت، وأخذ يتحين الفرصة التي تخلو فيها المياه من السفن اليونانية ليهاجم الأراضي اليونانية، وتحقق له ما يريد حين وقع خلاف بين البحارة اليونانيين وزعمائهم، فانتهز الفرصة فأقلع بأسطوله ونزل في جنوب اليونان في (جمادى الآخرة 1240هـ = فبراير 1825م) واستطاع أن يفك الحصار عن القوات التركية التي كانت في ميناء كورون. وقامت قوات من الجيش المصري بحصار مدينة نفارين من البر والبحر التي كانت تُعَد من أهم مواقع الثوار، وتكبد المصريون فيها خسائر فادحة، وقام إبراهيم بحصار مدينة مودن وهاجمه وهو في الطريق إليها فرقة مكونة من 3 آلاف ونصف يوناني فاقتتلوا قتالا شديدا انتصر فيه المصريون، ثم ما لبث أن اشتبك مع 9 آلاف مقاتل يوناني انتصر عليهم أيضا، وأبدى إبراهيم شجاعة وبسالة واضحة في القتال وخبرة عظيمة بالحرب. وكانت تلك أول معركة يخوضها الجيش المصري في القارة الأوربية، ثم استولى إبراهيم على جزيرة إسفاختريا الإستراتيجية في (رمضان 1240 هـ=مايو 1825م)، كما استولوا على نفارين التي كانت من أهم قواعد الثوار. وفي أثناء القتال البري لم تكف السفن اليونانية عن إثارة المتاعب للأسطول المصري حتى إن الكثير من السفن المصرية احترقت، وأمام الضغوط التي تعرض لها اليونانيون قام هؤلاء بمهاجمة السواحل المصرية، ووصلت بعض سفنهم إلى ساحل الإسكندرية، وكانت هذه السفن تعرف باسم الحراقات، وكانت تختلط مع سفن الأسطول ثم تشعل فيه النار، لكن هذه الحراقات لم تفلح في إحراق الأسطول المصري في الميناء. وعندما استولى المصريون على ميناء نفارين، اعتصم الثوار وعددهم 5 آلاف بقيادة بتروبك في ميناء كلاماتا، وكان هؤلاء من سكان الجبال المشهورين بالقتال والشجاعة، واستطاع إبراهيم الانتصار عليهم ودخول المدينة، ثم فتح مدينة تريبولتسا عاصمة المورة آنذاك والتي كانت من المعاقل المنيعة وكانت تقع في منطقة جبلية وعرة، وقتل 500 ثائر، ثم فتح مدينة ميسولونجي في (رمضان 1241 هـ= إبريل 1826م)، وقد اتفق أهل هذه المدينة عندما أدركوا الهزيمة وكان عددهم ألفين على الدخول في مخزن للذخيرة وأن يشعلوا فيه النار ففعلوا ما تواصوا به فقتلوا جميعا، أما المصريون فقتل في هذه المدينة ألفا جندي. استقلال اسمي ثم رسمي استطاعت القوات المصرية أن تدخل اليأس في نفوس الثوار، حتى جاء عام (1241 هـ=1827م) وليس في أيدي الثوار سوى نوبلي وأثينا وعدد آخر من الجزر البسيطة، فقام الثوار بنشاط قرصنة كبير في البحر استدعى من محمد علي تجريد حملة جديدة إلى اليونان للقضاء على آخر معاقل الثوار. خرج عدة آلاف من الجنود من الإسكندرية في حملة بحرية كبيرة في (المحرم 1242 هـ=أغسطس 1827م) بقيادة الأميرال محرم بك وكانت مكونة من 18 سفينة مصرية و16 سفينة تركية و4 سفن تونسية، والتقت تلك العمارة البحرية بأسطول عثماني جاء من الأستانة بقيادة الأميرال طاهر باشا وعدده 32 سفينة، وتولى إبراهيم باشا القيادة العامة لقوات البر والبحر، وأخذ يتأهب للقيام بحملة على جزيرة هيدرا أهم معاقل الثوار اليونانيين. ولمواجهة المصريين رسا أسطول أوربي لعدد من دول أوربا بالقرب من جزيرة هيدرا بهدف منع الأسطولين المصري والتركي من الإنزال في هيدرا، لكن شاءت الأقدار أن يتم الإنزال في ميناء نفارين دون علم من أسطول الحلفاء، وبدأت أساطيل الحلفاء في التحرش بالأسطول المصري حتى انتهى الأمر بوقعة نفارين في (11 من ربيع الأول 1243 هـ= 20 من أكتوبر 1827م) التي دمر فيها العمارتان البحريتان المصرية والتركية، وبلغ عدد القتلى 3 آلاف مصري وتركي، بينما لم يخسر الحلفاء سوى 140 قتيلا. وأمام هذا الوضع العسكري الصعب أمر إبراهيم باشا بإخلاء معظم مدن المورة، وتحصن في ثغري كورون ومودون، وقامت الدول الأوربية بعمليات ضد الدولة العثمانية، فأعلنت روسيا عليها الحرب واحتلت أدرنة، وأرسلت فرنسا جيشا إلى اليونان مكونا من 18 ألف جندي لإجلاء المصريين عنها. رأى محمد علي أن لا فائدة لمصر من القتال في اليونان بعد أن فقدت أسطولها وانقطعت المواصلات بين مصر وقواتها في اليونان، وأن محاولة استرجاع اليونان ليس ممكنا في ظل نزول جيش فرنسي على الأراضي اليونانية، كما أن مصر تعرضت لخطر عندما قام القائد الإنجليزي كودرنجتون بالتهديد بتخريب مدينة الإسكندرية إذا لم تسحب مصر قواتها من اليونان، فتم إخلاء الجيش المصري من اليونان في ( ربيع الآخر 1244 هـ= أكتوبر 1828م) بعدما خسر ما يقرب من 30 ألف رجل من أصل 42 ألفا ذهبوا إلى اليونان. تسببت الحرب الروسية في توقيع معاهدة أدرنة في (16 من ربيع الأول 1245 هـ= 14 من سبتمبر 1829م) والتي وافقت فيها تركيا على الاعتراف باستقلال اليونان استقلالا داخليا، وألا يكون لتركيا عليها إلا السيادة الاسمية فقط، وهو ما مهد لاستقلال اليونان رسميا بعد ذلك. اقرأ أيضا: |
الثورة العربية.. وعود وخداع!
(في ذكرى إعلانها: 9 شعبان 1344هـ) دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى ضد بريطانيا والحلفاء، ورأى الحلفاء ضرورة معالجة مصيرها في حالة هزيمتها بقسميها الأوربي والآسيوي؛ لأن الاتفاق على تقسيم الغنائم يضمن استمرار التحالف ويحول دون حدوث انقسامات بين هذه الدول الحليفة التي كانت كل دولة منها تطمع في ممتلكات الدولة العثمانية. ولما كانت الولايات العربية تشكل قلب الإمبراطورية العثمانية؛ فقد كان من المتوقع أن يدور الاتفاق بشكل أساسي حولها، وهو ما تجلّى في معاهدة "سايكس – بيكو" (رجب 1334هـ = مايو 1916م)، غير أنه لا يمكن تنفيذ هذه الاتفاقية إلا بعد أن تتم هزيمة العثمانيين من الناحية العسكرية، لذا كان من الضروري للحلفاء إحداث أكبر قدر من الاضطراب في المنطقة العربية وذلك بالاتفاق مع زعماء العرب، وهو ما تطور إلى اتفاق "الحسين – مكماهون" خلال المراسلات المتبادلة بينهما. لقاء المصالح تجنبت بريطانيا الدخول في مشروعات دولية لتصفية الدولة العثمانية؛ خوفًا من سقوط أجزائها الهامة في يد روسيا، إلا أنها بدأت قبيل الحرب العالمية الأولى في تشجيع الشخصيات والاتجاهات العربية المناهضة لديكتاتورية الاتحاديين في تركيا، وأصبحت القاهرة مركزًا لنشاطهم، وأقام الإنجليز صلات مع بعضهم، غير أن الصلات العربية تبلورت آخر الأمر وتركزت في العلاقة مع الشريف حسين أمير مكة، حين بدأت الحرب تشتعل. رأى الإنجليز في الشريف القوة العسكرية المنظمة التي تستطيع أن تقوم بدور فعال في حالة قيام الحرب، أما الشريف حسين فكانت علاقاته مع العثمانيين متوترة بسبب سياسة الاتحاديين الأتراك التي كانت تقوم على المركزية وربط الولايات العثمانية شبه المستقلة –مثل الحجاز- بالدولة الأم في القسطنطينية، وكان هذا يعني تحطيم نفوذ الشّرَافَة في مكة؛ لذلك ازدادت العلاقات تدهورا بين الجانبيين خاصة بعد تعيين الاتحاديين "وهيب باشا" واليًا على الحجاز، على أن يجمع في يده السلطة المدنية والعسكرية، ويحاول القضاء على الشرافة، ووجد الشريف حسين في مد الدولة العثمانية خط سكة حديد الحجاز من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة خطرًا كبيرًا عليه إذا تمّ؛ لأنه يربط الحجاز كله بالشام والدولة العثمانية، ومن هنا فإن الصدام بينهما كان على وشك الوقوع، وتطلع الشريف حسين إلى دولة كبرى تساعده. هذه الظروف مهدت الطريق للاتصالات بين بريطانيا والشريف حسين، وكانت البداية سنة (1331هـ = 1912م) عندما زار عبد الله ابن الشريف حسين، المعتمد البريطاني في القاهرة "كتشنر"، وعرض عليه الموقف في الحجاز وسأله عن موقف الإنجليز إذا نشبت الحرب بين الحسين والاتحاديين، ويبدو أن الإنجليز قد رفضوا التورط في خطة لمساعدة الشريف حسين؛ حفاظًا على الصداقة مع العثمانيين، وكان موضوع المفاوضة ينحصر في مسألة الشرافة، فالشريف حسين لم يكن يفكر في كافة الادعاءات التي تبناها بعد ذلك مثل قيام دولة عربية مستقلة، وأن تكون الخلافة عربية، إلا أن هذه الاتصالات لفتت نظر الإنجليز بقوة إلى إمكانية الاستفادة من العرب في حالة الحرب مع تركيا. أهداف بريطانيا وعندما اشتعلت الحرب العالمية الأولى تم تعيين كتشنر وزيرا للحربية البريطانية، فبدأت سلسلة من الاتصالات بين الإنجليز والشريف حسين، ويرجع ذلك بالأساس إلى موقف بريطانيا العسكري؛ حيث إن قيام ثورة عربية يجبر تركيا على حجز جزء من قوتها العسكرية في البلاد العربية بعيدًا عن جبهات القتال الرئيسية، ولا سيما الجبهة الروسية. كما أن قيام ثورة عربية يمكن أن يعزل بين القوات العثمانية الرئيسية في الشام والجيوب العسكرية العثمانية في جنوب الجزيرة العربية، يضاف إلى ذلك أن ألمانيا كانت تأمل في استخدام تحالفها مع الدولة العثمانية لإيجاد جسر لها يوصل بين المستعمرات الألمانية في شرق إفريقيا وألمانيا عن طريق اليمن؛ وبالتالي فإن الثورة ضد العثمانيين في وسط شبه الجزيرة العربية تفسد هذه الخطة على الألمان بما يمثل مصلحة لبريطانيا. ورأت بريطانيا في الخلافة العثمانية خطرًا على وجودها في الهند؛ نظرًا لارتباط المسلمين الهنود الروحي بالسلطان العثماني، ومكمن الخطر في ذلك أن أي دعوة جهاد يعلنها السلطان على الإنجليز في حالة قيام حرب ستجد صداها في الهند. الشرافة والخلافة أدرك الشريف حسين رغبة الإنجليز في التحالف معه، فلم يعد يطالب بالشرافة، بل أصبح يطالب بالخلافة وقيام دولة عربية كبرى، فبدأ يتحسس موقف زعماء العرب وأمرائهم في شبه الجزيرة العربية في إمكانية مساندته في القيام بثورة في الحجاز ضد العثمانيين، ورأى في موقفهم ما يشجع على الثورة؛ نظرًا لانشغال كل منهم بأطماعه ومصالحه، غير أن أكبر اتصال قام به كان بالجمعيات الوطنية في سوريا؛ ويرجع ذلك إلى أن التيار الغالب في سوريا والعراق هو تيار الثورة على العثمانيين؛ بسبب قمع "جمال باشا" قائد الجيش العثماني الخامس في سوريا للحركة القومية العربية، وإعدام كثير من الشاميين، فلما اتصل الشريف حسين بالقوميين العرب في سوريا ارتضوا أن تنطلق الثورة العربية من مركز رئيسي وهو الحجاز، على أن يكون دورهم في سوريا دورًا مساعدًا. بروتوكول دمشق أرسل الشريف حسين ابنه "فيصل" إلى دمشق سنة (1333هـ = 1915م) ليتصل بزعماء الحركة القومية العربية ليعرض عليهم الموقف واتصالاته بالإنجليز، واتفقت كلمة جميع من اتصل بهم فيصل على قبول عروض الإنجليز، وانعقد رأيهم على زعامة الشريف حسين للثورة، وأعطى زعماء جمعيتي "العربية الفتاة"، و"العهد" فيصل بن الحسين خريطة تعيّن حدود الدولة العربية، وطالبوه أن يسعى الشريف حسين على أساسها لنيل الاستقلال، كذلك وضعوا مخططًا للمطالب التي يريدون الشريف حسين أن يتفاوض على أساسها مع الإنجليز.. وهي ما عرفت باسم "بروتوكول دمشق" الذي ينص على: - أن تعترف بريطانيا باستقلال البلاد العربية الواقعة ضمن الحدود التي تبدأ شمالاً: بخط مرسين- أطنة، ممتدًا على أورفة وماردين وجزيرة ابن عمر فحدود فارس، وشرقًا: حدود إيران حتى الخليج، وجنوبًا: المحيط الهندي (ما عدا عدن)، وغربًا: البحر الأحمر والأبيض حتى مرسين. - إلغاء الامتيازات الأجنبية. - عقد تحالف دفاعي بين بريطانيا والدولة العربية المستقلة. - منح بريطانيا الأفضلية في الشؤون الاقتصادية. مراسلات الحسين – مكماهون لم تمض أسابيع قليلة على عودة فيصل إلى أبيه في مكة ومعه ميثاق دمشق، حتى بدأت المراسلات بين الشريف حسين، والسير "آرثر هنري مكماهون" المندوب السامي البريطاني، وقد بدأت في (29 شعبان 1333هـ = 14 يوليو 1915م) حتى (5 جمادى الأولى 1335هـ = 10 مارس 1916م) وبلغ مجموع الرسائل المتبادلة فيها عشر رسائل، وكان هدف الإنجليز منها إشعال الثورة ضد الأتراك. حملت الرسالة الأولى التي بعثها حسين إلى مكماهون مقترحات محددة بشأن حدود الدولة العربية التي طالب باستقلالها، وأن توافق بريطانيا على إعلان خليفة عربي للمسلمين، وألمح الشريف حسين أن هذه المطالب نهائية للبلاد العربية، ولا يقبل العرب المساومة عليها، وفي (19 شوال 1333هـ = 30 أغسطس 1915م) بعث مكماهون برده على رسالة الشريف، وموافقة بريطانيا على أن يكون الخليفة عربيًا عندما تُعلن الخلافة، إلا أنه حاول إقناع الحسين بإرجاء الكلام في مسألة الحدود المقترحة؛ بحجة أن الموضوع سابق لأوانه. تركت هذه الرسالة أثرًا سيئًا في نفس الشريف حسين، فكتب إلى مكماهون رسالة يعرب فيها عن دهشته لتهربه من مسألة الحدود وهي مسألة جوهرية، وأوضح أن المفاوضات مع مكماهون تتوقف على أمر واحد وهو الحدود المقترحة، وأوضح له أن مراوغة بريطانيا تكمن في حرصها على عدم إزعاج فرنسا بسبب أطماع الأخيرة في بلاد الشام، فأجابه مكماهون برسالة في (15 ذي الحجة 1333هـ = 24 أكتوبر 1915م) بتعهدات قوية في قيام الدولة العربية وحمايتها، وهي التعهدات التي دخل على أساسها الشريف حسين الحرب إلى جانب بريطانيا، واستند العرب عليها بعد ذلك في مهاجمة بريطانيا واتهامها بنكث عهودها ووعودها التي قطعتها على نفسها، واستثنت بريطانيا من هذه التعهدات بعض الأجزاء من آسيا الصغرى وسوريا، ووجد الشريف حسين في ذلك أساسًا ملائمًا للمفاوضات من أجل تقريب وجهتي النظر العربية والبريطانية والوصول إلى اتفاق نهائي لإعلان الثورة. وفي (24 ذي الحجة 1333هـ = 15 نوفمبر 1915م) رد الحسين على مكماهون برسالة جاء فيها: "رغبة في تسهيل الاتفاق وخدمة الإسلام واجتناب كل ما من شأنه تعكير صفو المسلمين، واعتمادًا على نيات بريطانيا العظمى ومواقفها الحميدة فإننا نتنازل عن إصرارنا على ضم مرسين وأطنة إلى المملكة" إلا أنه تمسك بولايتي: حلب وبيروت، غير أن مكماهون بعث إليه برسالة أصر فيها على استثناء حلب وبيروت من الدولة العربية، وحث الشريف على بذل الجهود لإعلان الثورة، فعاد الشريف حسين إلى إرسال مكاتبة أخرى إلى مكماهون يبلغه فيها استعداده للتنازل عن منطقة غرب دمشق، حلب، حمص، على أن يكون من حق العرب المطالبة بها بعد انتهاء الحرب؛ تجنبًا لإلحاق الضرر ببريطانيا وحليفاتها. وفي (5 جمادى الأولى 1335هـ = 10 مارس 1916م) بعث مكماهون برسالة إلى حسين بموافقة بريطانيا على جميع مطالبه.. وهكذا انتهت المفاوضات بين حسين ومكماهون على موافقة حسين على استبعاد محمية عدن ومرسين وجنوب العراق وحمص، على أن يكون من حقه المطالبة بها بعد انتهاء الحرب. سايكس – بيكو وقبل أن تنتهي مفاوضات العرب والإنجليز، كانت بريطانيا قد دخلت في مفاوضات سرية مع فرنسا وروسيا بدأت في (رجب 1334 هـ = مارس 1915م) لتقسيم الدولة العثمانية فيما بينها بعد انتهاء الحرب، وهو الاتفاق الشهير الذي أصبح معروفًا باسم "سايكس – بيكو" فيما بعد، وكان المبدأ الجوهري لهذه الاتفاقات هو تصفية الدولة العثمانية في ظل مبدأ توازن القوى في حوض البحر المتوسط.. وبالتالي فإن الحلفاء والعرب التقوا في نقطة واحدة هي تقويض الدولة العثمانية وهدمها لتحقيق غاياتهم ومصالحهم، في ظل اشتراط ثمن معين يتقاضاه الشريف حسين نظير تعاونه في هذا الأمر تمثل في إنشاء دولة عربية مستقلة. والذي لا شك فيه أن اتفاق سايكس – بيكو استهدف توزيع أقطار العرب على الحلفاء الغربيين، ولم يدر بخلد العرب أن التفاهم على قيام الدولة العربية المنتظرة، سوف يؤدي إلى حرمان العرب من استقلالهم وحريتهم بالصورة التي نص عليها اتفاق سايكس – بيكو. الثورة العربية أعلن الشريف حسين الثورة على الدولة العثمانية في (9 شعبان 1334هـ = 10 يونيو 1916م) وأطلق بنفسه في ذلك اليوم أول رصاصة على قلعة الأتراك في مكة؛ إيذانًا بإعلان الثورة، وعزز حركته بمنشور أذاعه اتهم فيه الاتحاديين في تركيا بالخروج على الشريعة الإسلامية، وجاء فيه: "وانفصلت بلادنا عن المملكة العثمانية انفصالاً تامًا، وأعلنا استقلالاً لا تشوبه شائبة مداخلة أجنبية ولا تحكم خارجي"، واستطاعت القوات العربية الثائرة أن تستولي في أقل من ثلاثة أشهر على جميع مدن الحجاز الكبرى باستثناء المدينة المنورة التي بقيت محاصَرة إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، ولم يلبث أن بويع الشريف حسين ملكًا على العرب. وقد نسفت القوات العربية بقيادة الأمير فيصل سكة حديد الحجاز، واحتلت ينبع والعقبة، واتخذ الثوار العرب من العقبة نقطة ارتكاز لهم، ثم أخذ فيصل يتقدم ليحارب الأتراك في منطقة شرقي الأردن، وبذلك قدم للحلفاء أكبر مساعدة؛ حيث استطاع اللورد "اللنبي" قائد القوات الإنجليزية أن يدخل القدس بمعاونة العرب، كما أن احتلال الثوار العرب للمنطقة شرقي معان قد حمى ميمنة القوات البريطانية في فلسطين من هجمات الأتراك عليها في منطقة بئر سبع والخليل، وحمى خطوط مواصلاتها، ولم تلبث القوات العربية أن تقدمت في (ذي الحجة 1336هـ= سبتمبر 1918م) فاحتلت دمشق واصطدمت بالأتراك قبل أن يدخلها اللنبي، ولم يمض أكثر من شهر حتى زال النفوذ العثماني من سوريا، بعد أن أمضى بها أربعة قرون. والواقع أن الكثيرين من رواد الإصلاح أصيبوا بخيبة أمل كبيرة، وعلى رأسهم الشيخ محمد رشيد رضا عندما علموا أن الأسطول الإنجليزي هو الذي أسقط ثغور جدة ورابغ وينبع وغيرها من موانئ الحجاز، وأن ثغر بورسودان كان القاعدة التي انطلق منها الأسطول الإنجليزي لدعم ثورة الشريف حسين، وازداد شعورهم بالخيبة عندما وجدوا ضباط إنجلترا وفرنسا هم الذين يقودون القبائل العربية مثل اللنبي وكوكس وكاترو وغورو، والضابط الشهير لورانس، ووصل الأمر ببعض هؤلاء الضباط إلى ركل قبر الناصر صلاح الدين، وإعلانه أن آخر الحروب الصليبية قد انتهت بدخول القدس، ثم تكرست المرارة والحسرة عندما ارتفعت أعلام بريطانيا وفرنسا على المناطق التي قاتل فيها العرب، ولم يكن بينها علم الدولة العربية المنتظرة. وحاول الشيخ رشيد رضا أن يلفت نظر الشريف حسين إلى خطورة ما أقدم عليه؛ لأن العدو الحقيقي هو الاستعمار الغربي لا الدولة العثمانية، إلا أن بريق المصلحة وأحلام المُلك والعرش كانا قد سيطرا على خيال الشريف حسين، فلم يستمع إلى صوت ناصح أو حكيم، وإنما أمر بمنع دخول مجلة "المنار" التي يصدرها الشيخ رشيد رضا من دخول مكة. الخلاف بين العرب والإنجليز لم يعلم العرب باتفاق سايكس-بيكو إلا عندما أعلنه البلاشفة بعد قيام ثورتهم في روسيا، وتأكد العرب أن الاتفاق أهمل تأسيس خلافة عربية، وأعطى بعض أجزاء من الدولة العربية المنتظرة لفرنسا، وأثار هذا الاتفاق حفيظة العرب، إلا أنهم مضوا في ثورتهم بعد الحصول على طمأنات من البريطانيين، ونجح العثمانيون في تصوير الشريف حسين على أنه خائن للإسلام متحالف مع الدول المسيحية ضد دولة إسلامية، إلا أن الخلافات الحقيقية بين العرب والإنجليز تعمقت وظهرت مع إطلاق بريطانيا لوعد بلفور في (المحرم 1336هـ=نوفمبر 1917م)، وتعهدت فيه بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم كانت الصدمة الثانية للعرب في انعقاد مؤتمر "سان ريمون" في (شعبان 1339هـ=إبريل 1920م) وتقرر فيه وضع القطاع العربي الشمالي الممتد من البحر المتوسط إلى فارس تحت الانتداب، فأعطيت بريطانيا الانتداب على العراق وفلسطين وشرقي الأردن، وأعطيت فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان. وهكذا دخل الشرق العربي في مرحلة الاستعمار الأوروبي وتجزئة المنطقة العربية إلى وحدات وكيانات سياسية تكافح الاستعمار الأوروبي بعد اختفاء الدولة العثمانية، وكان نصيب الشريف حسين من ثورته، تمجيد القوميين والغربيين له في كتب التاريخ بوصفه قائد "الثورة العربية الكبرى".. والحق أنها كانت الخيبة العربية الكبرى. من المصادر: |
التنظيمات العثمانية.. إحياء الخلافة أم تغريبها؟!
(في ذكرى صدورها: 26 من شعبان 1255هـ) ظلت الدولة العثمانية قرونا عديدة ملء السمع والبصر، تعيش على رقعة واسعة تمتد عبر قارات العالم القديم، ويحيا فيها أجناس مختلفة وشعوب متنوعة وأديان متعددة، وكانت القوة العظمى التي تؤثر في مجرى السياسة العالمية.. ثم أتى عليها حين من الدهر؛ دب الضعف في أوصالها، وبدت أمارات الشيخوخة تأخذ طريقها إلى جسد الدولة، وحاول بعض سلاطين الدولة أن يبعثوا الحياة الفتية في الجسد الوهن، ويمدوه بطاقة الشباب، لكن هذه المحاولات نجحت قليلا وأخفقت كثيرا. واستلهمت الدعوات الإصلاحية المبكرة روح الإسلام ومبادئه في علاج الخلل، ونادى المصلحون بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في مختلف مؤسسات الدولة، حتى تنهض الدولة وتهب من كبوتها، وتعود إلى سالف عهدها قوة وازدهارا. وفي أثناء هذه الفترة لم تتوسع الدولة العثمانية في الاقتباس من النمط الأوروبي الغربي؛ حيث لم يكن التفوق الأوروبي بالقدر الذي يثير إعجاب العثمانيين ويدفعهم إلى الاقتباس منه، وكانوا على الأقل يعتبرون أنفسهم دولة عظمى خلال الفترة من (1095-1184هـ = 1683-1770م). وخلال هذه المرحلة حاول كثير من قادة حركة الإصلاح في الدولة العثمانية القيام بالإصلاحات المعتمدة على الذات لا على الاقتباس من الغرب، ومن هؤلاء شيخ الإسلام سعد الدين أفندي، وخواجة سلطاني عمر أفندي، والسلطان عثمان الثاني، ومراد الرابع، ومحمد باشا كوبريللي. النموذج الغربي ومع استمرار الدولة في الهبوط، وازدياد الضعف في أعضائها، ارتفعت بعض الأصوات بالدعوة إلى ضرورة الاستفادة من التقدم الأوروبي والأخذ بأسباب حضارتهم، لضمان المحافظة على وحدة الدولة وصون حياتها. وأول حركة إصلاحية تبنت هذا المفهوم كانت في عهد السلطان أحمد الثالث؛ حيث بدأ نفوذ الثقافة والحضارة الغربيتين يتسلل إلى الدولة العثمانية، وتجمع حول السلطان والصدر الأعظم بطانة من المثقفين المؤمنين بهذه الوجهة، وشغف هذا العهد بتقليد الغرب ومحاكاة الحياة الأوروبية في تشييد القصور الفخمة والميل إلى الحياة المترفة، وأدت هذه السياسة إلى ظهور حالة من الاستياء وعدم الرضا تجاه السلطان وإدارته، وقد وصفت المصادر العثمانية عهد السلطان أحمد الثالث بعصر زهور شقائق النعمان؛ تعبيرا عن الأخذ بالمظهر دون الجوهر، وإشارة إلى العناية الفائقة بهذه الزهور في كل أنحاء العاصمة العثمانية. ثم شهد عصر السلطان سليم الثالث بدايات الإصلاح الحربي، وتطوير التعليم العسكري على النمط الغربي، وما ارتبط به من اقتباس من المعرفة الأوروبية. محمود الثاني وإصلاح الدولة السلطان محمود الثاني تولى السلطان محمود الثاني مقاليد الدولة العثمانية سنة (1199هـ = 1748م)، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، يمتلئ حماسة وحمية، ورغبة في الإصلاح والنهوض، ورأى أن نجاح الإصلاح في دولته يجب أن يكون شاملا لكل النظم العثمانية، ولا يقتصر على المجال العسكري، ولذا عزم على إزالة النظم القديمة حتى لا تعترض طريق الإصلاح. وكان السلطان يرى أن ازدياد نفوذ فرقة الإنكشارية قد وقف في طريق كل محاولة للإصلاح يقوم بها السلاطين العثمانيون؛ فتخلص منهم في سنة (1240هـ = 1826م)، ووجه عنايته إلى بناء فرق عسكرية تأخذ بالنظم الحديثة، وأجرى إصلاحات واسعة في الدولة؛ شملت التعليم والصحة والعمران والزراعة. وسعى محمود الثاني إلى تشكيل إدارة مركزية جديدة عبر نظارات (وزارات) وزعت عليها شئون الدولة بأسلوب حديث، وأصبح الصدر الأعظم يعرف باسم "باش وكيل"، ومنح صلاحيات واسعة في إطار الجهاز التنفيذي للدولة. وحاول السلطان إصلاح أجهزة الدولة المركزية، وأجرى أول إحصاء للأراضي العثمانية في العصر الحديث، وأدخل تحسينات على شبكة المواصلات، وأدخل البرق وخطوط السكك الحديدية، واستحدث الرعاية الصحية لمواجهة الأمراض المعدية. وفي مجال التعليم أسست "مدارس رشدية" لتخريج معلمي المدارس الابتدائية، وأنشئت مدارس تعد طلابها للالتحاق بمدارس البحرية والطب والزراعة والهندسة والمدفعية، وأكثر السلطان من إرسال البعثات العلمية إلى أوروبا لأول مرة، وظهرت في عهده أول جريدة تركية في الدولة. ولم تتوقف إجراءات محمود الثاني في الشئون الداخلية عند إحداث تغييرات في الشأن الداخلي، بل خطا خطوة استهدفت توجيه المجتمع نحو الغرب؛ حيث أجرى تغييرات في الزي الذي يرتديه موظفو الدولة، وأدخل في المجتمع المسلم العادات والتقاليد الأوروبية. ومن أخطر الأمور التي اتخذها السلطان محمود كان تقليص صلاحيات علماء الدولة وفقهائها، فسحبت من أيديهم إدارة البلديات والأقضية والمدارس والمعارف، ولم يبق تحت إدارتهم سوى المدارس التي تدرس الدين ومحاكم الحقوق المدنية وأمور الدين. وقبل وفاة السلطان محمود أعد ما يعرف في التاريخ العثماني بحركة التنظيمات، وهي حركة إصلاحية على النمط الأوروبي امتدادا لما قام به السلطان من إجراءات في الدولة، لكنه توفي قبل إعلانها في سنة (1255هـ = 1839م). "التنظيمات العثمانية" السلطان أحمد الثالث بعد وفاة السلطان محمود الثاني خلفه ابنه عبد المجيد وهو دون الثامنة عشرة من عمره، ويصفه المؤرخون بأنه أول من تعلم الفرنسية بطلاقة من بني عثمان، وتلقى منذ حداثته الثقافتين العربية والشرقية، ولم تكن له سطوة أبيه ولا دهاؤه الواسع، ورث عنه تركة ثقيلة ومشكلات معقدة، وكانت لديه رغبة كبيرة في استكمال ما بدأه أبوه من إصلاحات في الدولة على النهج الذي التزم به. وعندما توفي السلطان محمود الثاني كان مصطفى رشيد باشا في لندن، وهو من رجال الإصلاح، ويعد تلميذا للسلطان في هذا الشأن، فلما بلغه خبر وفاة السلطان عاد على الفور، وأبلغ السلطان الجديد بطلبات أبيه التي كان قد أعدها لكنه لم يعلن عنها، فأعلن موافقته على إعلان هذه التنظيمات. وفي (26 من شعبان 1255هـ = 3 من نوفمبر 1839م) تلا رشيد باشا أمام كبار رجال الدولة والشعراء والسفراء ما عرف بفرمان التنظيمات في ميدان كلخانة، وقد حرص البيان على إضفاء الصبغة الإسلامية فيما تناوله من إجراءات، حين أكد على أن عدم الانقياد إلى الشرع الشريف كان السبب فيما أصاب الدولة خلال السنوات المائة والخمسين السابقة له من تدهور وضعف، وأن المقصود من إصدار هذا الفرمان هو إحياء الدين والدولة معا. أهم بنود التنظيمات وقد تضمنت التنظيمات العثمانية المساواة التامة بين رعايا الدولة والمحافظة على حياتهم وأملاكهم ووجوب علانية المحاكمات ومطابقتها للوائح، وإلغاء مصادرة الأموال والأملاك ما لم تقر ذلك المحكمة، وضرورة إيجاد نظام ثابت للضرائب يحل محل نظام الالتزام الذي وصفه الفرمان بأنه من آلات الخراب، ولما كان الموظفون والضباط يحصلون قبل هذه التنظيمات على مرتباتهم من ريع الالتزامات، أصبح من الضروري تحديد مرتبات للولاة والموظفين، وكان المعروف أن الوالي يأخذ الولاية بأن يلتزم بدفع مبلغ معين سنويا يقوم بجمعه، ويستولي هو على ما كان زائدا عن المبلغ المحدد. ونص فرمان التنظيمات على أنه لا يجوز لأي موظف أن يتعدى حدود صلاحياته الممنوحة له قانونا؛ فإن كان عسكريا يشتغل بالأمور العسكرية، وإن كان من العلماء يشتغل بالأمور الدينية والواجبات الأخرى المحددة. وصدرت في أعقاب هذا الفرمان الذي عرف بـ"خط كلخانة" مجموعة من القوانين لتنفيذ توصيات هذا الفرمان، وأدى ذلك إلى حدوث تغييرات كثيرة شملت مجالات الحياة؛ فانشقت المحاكم المختلطة التي تقبل الشهادة من المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وتبُتُّ في القضايا التي يكون الأجانب أطرافا فيها، وكان يعمل بتلك المحاكم قضاة أتراك وأوربيون، كما صدر قانون تجاري على نمط القانون التجاري الفرنسي، وظلت القوانين الشرعية تطبق في المحاكم التقليدية، وكذلك في المحاكم الحديثة التي تطبق القوانين المأخوذة عن القوانين الفرنسية وغيرها، وذلك فيما يتصل بالأحوال الشخصية. وظل المسلمون فقط يؤدون الخدمة العسكرية حتى صدر قانون سنة 1855م الذي وسع نطاق الخدمة العسكرية؛ لتشمل كل رعايا الدولة دون استثناء، وكان الغرض من صدور هذا القانون علمنة الدولة والمساواة بين أفرادها دون مراعاة لاختلاف الدين، ولكن المسيحيين اعترضوا على هذا القانون، وعلى أدائهم الخدمة العسكرية في الجيش العثماني، ووجدوا تأييدا من الدول الأوربية، واضطرت الدولة العثمانية أمام الضغوط الأوروبية أن تعفي المسيحيين من الخدمة العسكرية في مقابل ضريبة عرفت باسم "بدل عسكرية" يؤدونها بدلا من الخدمة العسكرية. وعلى الرغم من أن التنظيمات العثمانية ساوت بين رعايا الدولة، اعتبرت المسيحيين مواطنين لهم مثل الحقوق التي يتمتع بها المسلمون؛ فإن هؤلاء الرعايا المسيحيين دأبوا على الشكوى، وفي الوقت نفسه كانت الدول الأوربية تحرضهم على الثورة والخروج على الدولة؛ ليكون ذلك مدعاة لتدخلهم في شئون الدولة العثمانية. وشملت التنظيمات إصلاح التعليم في جميع مراحله، وجعل التعليم إجباريا في المدارس الأولية ومجانيا لمدة 4 سنوات ودون تفرقة بين الذكور والإناث أو تمييز بين المسلمين وغيرهم. وقد انفصلت مدارس الحكومة رسميا عن إشراف العلماء، ووضعت تحت إشراف وزارة المعارف ذات الصبغة العلمانية، وفي الوقت نفسه لم تمتد يد الإصلاح إلى المؤسسات التعليمية التقليدية؛ الأمر الذي أدى إلى اتساع الهوة بين التعليم الديني والتعليم العلماني وتعميق الازدواج الثقافي. بعد إصدار فرمان التنظيمات بستة عشر عاما أصدر السلطان عبد المجيد فرمانا جديدا على نفس أهمية الفرمان السابق، اشتهر باسم "إصلاحات خط همايوني"؛ وذلك بهدف كسب الرأي العام الأوروبي، وإكساب الدولة العثمانية طابع الدولة الأوروبية، ويبحث هذا الفرمان موضوع حقوق المساواة الخاصة بالرعايا غير المسلمين في الدولة العثمانية؛ حيث نادى بضرورة تولي غير المسلمين مناصب الدولة، وكفل لهم حرية العبادة وحرية إنشاء المدارس، على أن تتفق في المنهج مع مدارس الدولة، ومنح البطريق سلطات واسعة في الأحوال الشخصية لملته. وقد قوى هذا الفرمان المشاعر القومية لدى رعايا الدولة غير المسلمين الذين يعيشون في حدودها؛ الأمر الذي أدى بعد ذلك إلى تمزيق الدولة، كما أنه وفر غطاء قانونيا لحركة التبشير والمبشرين المسيحيين الذين استقروا بأعداد كبيرة في مختلف ولايات الدولة. نتائج حركة التنظيمات ويجب الاعتراف بأن حركة التنظيمات لم تحقق جميع الأماني التي كان يعلقها عليها الإصلاحيون، ولم تجد فيها الجماهير التركية العثمانية المسلمة ما كانت تسمعه عن مزاياها، ولم تجلب الخير للدولة، بل كانت البوابة التي مارست عبرها الدول الأوروبية التدخل في شئون الدولة العثمانية، والضغط عليها، وتسلل الأجانب إليها؛ بحجة أنهم خبراء في مسائل الإصلاح والمسائل المالية والاقتصادية، وشجعوا الدولة -خدمة لمصالح دولهم- على سياسة عقد القروض الأجنبية بفوائد عالية، أوهنت الدولة بعد أن كانت تعتمد على سياسة الاكتفاء الذاتي. ولم يفرق الإصلاحيون في محاولتهم إحياء الدولة بإصلاح الجيش وإدخال الحياة الدستورية وتطوير التعليم وتنظيم الاقتصاد.. بين ما يجب أن ينقل من أوروبا وما يجب الإبقاء عليه من التقاليد القومية؛ فكان مما أخذ عليهم تقليدهم للمظاهر الشكلية للحضارة الأوروبية دون أن يستوعبوا جوهرها. ولذلك أدخلوا في الميدان الاجتماعي إصلاحات من قبيل الترف الحضاري، مثل استخدام الملابس الأوروبية والأثاث الأوروبي ووسائل الأكل، وما إلى ذلك من مواد استهلاكية، ولم يتجهوا إلى إدخال الصناعات الثقيلة والمشروعات الإنتاجية التي تنهض بالدولة وتدفعها إلى الأمام. وأخطر من ذلك كله أن المعارضين لهذه الحركة الإصلاحية وضعوا في طريقها العقبات؛ باعتبارها طلبات ورغبات جاء بها أجانب مسيحيون، وأن غرضهم الحقيقي هو مصالح دولهم، وكان هذا موضع ريبة الجماهير؛ لأنهم في نظرهم أعداء الدولة وأعداء الإسلام. ومما يعجب له المرء أن سياسيا نمساويا شهيرا يدعى "إنجلها روت مترنخ" حذر العثمانيين من الحظر الكامن وراء استعارة أساليب الحضارة الأوروبية المتعارضة مع الحضارة الإسلامية العثمانية، ودعا العثمانيين إلى أن يظلوا متمسكين بطابعهم الإسلامي الشرقي، على أن يمنحوا أهل الذمة الحماية وحرية العبادة!! |
--------------------------------------------------------------------------------
الحملة الصليبية الأولى.. مذابح ومجازر (في ذكرى سقوط القدس بيدها: 23 من شعبان 492هـ) ألقى البابا أوربان الثاني خطبة مثيرة في مدينة مونت الفرنسية في (26 من ذي القعدة 488هـ= 27 من نوفمبر 1095م)، ولم تكن تلك الخطبة موعظة أو دعوة إلى الإصلاح، بل كانت تحريضًا وإثارة للحقد والطمع في نفوس الأوروبيين، ودعوة للسلب والنهب، والاستيلاء على أرض الآخرين؛ حيث طالب بوجوب استرداد بيت المقدس من المسلمين، ومنّى المتطوعين في الحملة بحياة أفضل في الدنيا، وبغفران الذنوب إن ماتوا في ساحة القتال. وكانت هذه الخطبة بداية لانطلاق الحروب الصليبية، ونقطة فاصلة بين عهدين شهدهما العالم؛ حيث استجاب لهذه الدعوة الطبقات الدنيا من الشعب، متأثرة بالدعاة الذين جابوا أوروبا لإثارة حماس الناس، وحميتهم الدينية، وكان بطرس الناسك أبرز هؤلاء الدعاة، فاستجاب له جحافل من العامة والفلاحين والرعاع، وقطاع الطرق واللصوص، متأثرين بفصاحة لسانه وبيانه، وشاركه في ذلك داعية آخر اسمه "والتر المفلس"، وخرجت هذه الجموع، وهي تمني نفسها بالحياة الناعمة والخير الوفير، وعرفت هذه الحملة في التاريخ بحملة الرعاع. وارتكبت هذه الحملة في سيرها كل الموبقات من سلب ونهب وقتل واعتداء على الأعراض، واغتصاب بعض الراهبات، حتى وصلت إلى أبواب القسطنطينية، فسارع الإمبراطور البيزنطي إلى نقلهم عبر مضيق البسفور إلى آسيا الصغرى، وتخلص من شرورهم، وقابل السلاجقة هذه الجحافل وأوقعوا بهم هزيمة قاسية. الحملة الصليبية الأولى وبعد الفشل الذي مُنيت به الحملات الشعبية الصليبية، جاء دور الحملات الصليبية المنظمة التي يقوم عليها الفرسان والأمراء، والمزودة بالمؤن والسلاح والعتاد، وكان البابا أوربان قد حدد يوم (21 شعبان 489 هـ= 15 من أغسطس 1096م) موعدًا لرحيل الحملة، واختار القسطنطينية مكانًا لتجمع الجيوش الصليبية. وتألفت الحملة الصليبية الأولى من أربع جماعات، واحدة منها بقيادة "جودي فري" البويوني، والثانية بقيادة "بوهيموند" النورماندي، والثالثة بقيادة "ريموند" اللوثرنجي، والرابعة بقيادة "روبرت" النورماندي. ولما بلغوا القسطنطينية طلب منهم إمبراطورها أن يقسموا له بالولاء وإعلان التبعية له فاستجابوا له، ولم يكونوا صادقين فيما نطقت به ألسنتهم، وتعهدوا للإمبراطور البيزنطي بأنهم سيردون لدولته كل الأراضي البيزنطية، التي يتمكنون من الاستيلاء عليها من المسلمين، وتعهد الإمبراطور أن يقدم لهم يد العون والمساعدة من أجل تحقيق أهدافهم. سقوط نيقية بعد أن قضى الصليبيون بجحافلهم الجرارة في العاصمة البيزنطية أسبوعين تحت بصر الإمبراطور ورعايته، عبرت قواتهم إلى آسيا الصغرى، والتحم بهم ما بقي من حملة الرعاع التي قادها بطرس الناسك فاجتمع لهم عدد ضخم من الجند قدره المؤرخون بمليون شخص. وتحركت تلك الجحافل الهائلة إلى مدينة نيقية، حاضرة الأمير السلجوقي "قلج أرسلان"، وضربوا حولها حصارًا شديدًا، فصمدت المدينة عشرين يومًا أمام هذا العدد الهائل، ثم سقطت في (3 رجب 490هـ= 26 من يونيو 1097م) وكان هذا أول انتصار للصليبيين في حملتهم البربرية الأولى، وما كادت تصل أنباء هذا النصر إلى أوروبا حتى عم الفرح والسرور، ونشط وصول الجند والإمدادات إلى الحملة. وكان لهذا النصر أثر عظيم في ازدياد حماس الصليبيين، وارتفاع ثقتهم في أنفسهم، وقوى من هذا الإحساس نصر ثان حققوه على السلاجقة في (ضورليوم) وتابع الصليبيون زحفهم، يأخذون المدينة بعد الأخرى، حتى تمكنوا من إخضاع بلاد آسيا الصغرى كلها. الزحف إلى الشام بعد ذلك تقدم الصليبيون إلى بلاد الشام، وما كادت تصل أنباء هذه الغزو حتى اضطرب المسلمون في الشام، وأحسوا أنهم أمام خطر عظيم، وبدلاً من أن يوحدهم في مواجهته ظلوا على عداوتهم، عاجزين عن المواجهة، وفي الطريق إلى إنطاكية انفصل "بلدوين" أخو "جودفري" بقواته عن الجيش الصليبي في (ربيع الآخر 491هـ= مارس 1098م)، واتجه إلى إمارة الرها، واستولى عليها بطريقة غادرة، وأسس بها أول إمارة صليبية في الشرق العربي، وقبع بلدوين فرحًا بما حققه، ولم يعد يهتم بمساعدة جيش الحملة. وواصلت الحملة إلى إنطاكية، ولما بلغتها فرضت على المدينة حصارا في (12 من ذي القعدة 490هـ= 21 من أكتوبر 1097م) وثبتت المدينة المحاصرة، وأبلى أهلها بلاء حسنًا في الدفاع عنها، وطال حصار المدينة حتى بلغ تسعة أشهر، وكان يمكن للفاطميين نجدة المدينة، وبدلا من أن يفكروا في مساعدة أهلها اتصلوا بالصليبيين، وحاولوا التفاهم معهم على اقتسام الأرض والنفوذ على حساب الأتراك السلاجقة الذين كانوا يحكمون تلك المناطق، وانتهى الحصار بسقوط إنطاكية في (رجب 491هـ= يونيو 1098م) وقيام بوهيموند النورماندي بالاستيلاء على المدينة، وتأسيس الإمارة الصليبية الثانية في الشرق. على أبواب مدينة بيت المقدس ثم تحركت باقي جموع الصليبيين نحو بيت المقدس بعد أن مكثوا نحو خمسة عشر شهرًا في شمالي بلاد الشام، نجحوا خلالها في احتلال كثير من المدن والقرى، وفي الطريق إلى بيت المقدس كان بعض الحكام المسلمين يدخلون في طاعة الصليبيين، مؤثرين السلامة ولم يكتفوا بذلك بل نزلوا على شروط الصليبيين بتقديم العون والمساعدة لهم، وتوالى سقوط المدن الساحلية وغيرها في أيدي الصليبيين حتى بلغوا أسوار بيت المقدس في (15 من رجب 492هـ= 7 من يونيو 1099م) وكان "افتخار الدولة" حاكم بيت المقدس من قبل الدولة الفاطمية قد اتخذ استعداده لمواجهة الصليبيين، فسمم آبار المياه وقطع موارد المياه، وطرد جميع من بالمدينة من المسيحيين لشعوره بخطورة وجودهم أثناء الهجوم الصليبي، وتعاطفهم معهم، وقوى استحكامات المدينة. كانت قوات الصليبيين التي تحاصر المدينة المقدسة تقدر بأربعين ألفًا، وظلت ما يقرب من نحو خمسة أيام قبل أن تشن هجومها المرتقب على أسوار المدينة الحصينة، وكان الجند في غاية الشوق والحماسة لإسقاط المدينة، فشنوا هجومًا كاسحًا في يوم الإثنين الموافق (20 رجب 492هـ= 12 من يونيو 1099م) انهارت على إثره التحصينات الخارجية لأسوار المدينة الشمالية، لكن ثبات رجال الحامية الفاطمية وشجاعتهم أفشلت الهجوم الضاري، وقتلت الحماس المشتعل في نفوس الصليبيين، فتراجعت القوات الصليبية بعد ساعات من القتال. كان موقف الصليبين سيئا، فهم يعانون العطش وقلة المؤن، وكان يمكن للحامية الفاطمية أن تشن هجومًا مضادًا على الصليبيين وهم في هذه الحالة من الإنهاك، فتستأصل شأفتهم وتقضي عليهم، لكنها لم تفعل ثقة منها في مناعة أسوارها، وعدم قدرة الصليبيين على الاستمرار وهم في هذه الحالة. ثم شاءت الأقدار أن تصل سفن حربية من جنوه إلى يافا وتستولي عليها، وتمد الصليبيين بالمؤن والإمدادات والأسلحة والمواد اللازمة لصناعة آلات وأبراج الحصار، وكان لهذه النجدة فعل السحر في نفوس الصليبيين فقويت عزائمهم وثبتت قلوبهم، وطمعوا في النصر. اقتحام المدينة تأهب الصليبيون لمهاجمة أسوار المدينة بعد أن نجحوا في صناعة أبراج خشبية ومعها آلات دك الأسوار، وكانت تلك الأبراج تتكون من ثلاثة طوابق: الأول لفرق تدفع البرج من أسفل على عجلات، والثاني مخصص للفرسان، والثالث لرماة السهام.. وعجّل من الإسراع بالهجوم ما وصل إلى الصليبيين من أن الوزير الفاطمي الأفضل الجمالي في طريقه من مصر على رأس جيش ضخم لإنقاذ مدينة بيت المقدس. اختار الصليبيون أضعف الأماكن دفاعًا عن المدينة لمهاجمتها بأبراجهم الجديدة، ولم يكن هناك أضعف من الجزء الشرقي المحصور بين جبل صهيون إلى القطاع الشرقي من السور الشمالي وكان منخفضًا يسهل ارتقاؤه، وحرك الصليبيون أبراجهم إلى السور الشمالي للمدينة. وفي مساء الأربعاء الموافق (21 من شعبان 492 هـ= 13 من يوليو 1099م) شن الصليبيون هجوما حاسما، ونجح "افتخار الدولة" في حرق البرج الذي اقترب من السور الواقع عند باب صهيون، ولم يملك الصليبيون إزاء هذا الدفاع المستميت والخسائر التي منوا بها سوى الانسحاب بعد يوم من القتال الشديد. لكن هذا الفشل زاد الصليبيين إصرارًا، وأوقد الحماسة في نفوسهم لاقتحام المدينة، والاستيلاء عليها مهما كان الثمن، فشنوا هجومًا ضاريًا فجر يوم الجمعة الموافق (23 من شعبان 492هـ= 15 من يوليو 1099م)، واستمر القتال متكافئا حتى تمكن البرج المتبقي لهم من الالتصاق بالسور، وإنزال الجسر المتحرك الذي يصل بين قمة البرج وأعلى السور، فعبر خلاله الجنود واستولوا على جزء من السور الشمالي للمدينة، ونجح عدد كبير من المهاجمين في الاندفاع إلى المدينة، وولت الحامية الفاطمية الأدبار نحو الحرم الشريف حيث توجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى، واحتموا بهما، وبذلك سقطت المدينة في أيدي الصليبيين بعد حصار دام أكثر من أربعين عامًا. جرائم الصليبيين في بيت المقدس وبعد أن دخل الصليبيون المدينة المقدسة تملكتهم روح البطش والرغبة في سفك دماء العزل الأبرياء، فانطلقوا في شوارع المدينة يذبحون كل من يقابلهم من رجال ونساء وأطفال، ولم تسلم المنازل الآمنة من اعتداءاتهم الوحشية، واستمر ذلك طيلة اليوم الذي دخلوا فيه المدينة. وفي صباح اليوم التالي استكمل الصليبيون الهمج مذابحهم فقتلوا المسلمين الذين احتموا بحرم المسجد الأقصى، وكان أحد قادة الحملة قد أمنهم على حياتهم، فلم يراعوا عهده معهم، فذبحوهم وكانوا سبعين ألفًا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم ممن فارقوا الأوطان وأقاموا في هذا الموضع الشريف. ويعترف مؤرخو الحملات الصليبية ببشاعة السلوك البربري الذي أقدم عليه الصليبيون، فذكر مؤرخ صليبي ممن شهد هذه المذابح وهو "ريموند أوف أجيل"، أنه عندما توجه لزيارة ساحة المعبد غداة تلك المذبحة لم يستطع أن يشق طريقه وسط أشلاء القتلى إلا بصعوبة بالغة، وأن دماء القتلى بلغت ركبتيه. وكتبوا إلى البابا يفتخرون بما فعلوا دون وازع من خلق أو رادع من دين، فما لامهم ولا استنكر فعلتهم! واختار الصليبيون جودفري حاكمًا على المدينة المقدسة، وراحوا يتطلعون إلى المزيد من الصليبيين الجدد من أوروبا، وأقاموا بطريركية رومانية، وصبغوا البلد بالصبغة الكاثوليكية. وظلت مدينة بيت المقدس أسيرة حتى حررها صلاح الدين الأيوبي في (27 من رجب سنة 583هـ= 29 من أكتوبر 1187 م)، وكان سلوكه حين دخل المدينة فاتحًا يختلف تمامًا عما فعله الصليبيون من وحشية وسفك للدماء. |
تقع مدينة "استانبول" فى الجزء الأوربى من تركيا، فوق مدينة "القسطنطينية" الرومانية القديمة، وهى ذات طابع جغرافى فريد، إذ يحدها من الشمال البحر الأسود ومن الشرق بحر مرمرة ومن الجنوب بحر إيجة ومن الغرب شريط ضيق من الأرض متصل بقارة أوروبا. وترجع أهمية هذا الموقع فى أنه يجعل استانبول أحد أهم نقاط الاتصال بين قارة آسيا وقارة أوربا، وأنها تعد من أحصن المواقع الاستراتيجية فى العالم، كما أنها تعد مفتاح أوربا من الشرق.
**استانبول عبر التاريخ:*** دخلت مدينة "إسلام بول" التاريخ الإسلامى والعالمى لتحل محل مدينة "القسطنطينية" الرومانية القديمة منذ أن فتحها السلطان محمد الفاتح سنة (857هـ) فغير اسمها إلى "إسلام بول" ثم حرفت إلى "استانبول" بعد ذلك، وقام السلطان محمد الفاتح بتغيير الكثير من معالم المدينة الرومانية القديمة فحول كنيسة "آيا صوفيا" إلى مسجد كبير، وقام بناء مسجد عند ضريح أبى أيوب الأنصارى مع أن هذا مخالف لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بناء المسجد عند الأضرحة أو عليها ، وبعد ذلك أصبح تنصيب السلاطين يتم عند هذا المسجد. وبعد وفاة بايزيد الثانى ابن محمد الفاتح، تسلم السلطة سليم الأول الذى ضم المشرق الإسلامى وشمال إفريقيا إلى الدولة العثمانية وانتقلت الخلافة الإسلامية من القاهرة إلى أستانبول. واستمرت استانبول فى دورها التاريخى كحاضرة لدولة الخلافة العثمانية إلى أن انتقلت العاصمة من أستانبول إلى أنقرة وسط الأناضول عام (1923م)، ورغم ذلك فمازالت تعيش المدينة ماضيها المتألق وذكريات مجدها الغابر وظلت قلب تركيا الثقافى والإقتصادى. **استانبول.. معالم وآثار *** **1- قلعة روميلى حصار:*** وهى القلعة التى بناها السلطان محمد الفاتح تمهيدًا لفتح القسطنطينية ولإحكام الحصار حولها، وتعد قلعة روميلي حصارمن أهم معالم مدينة أستانبول التاريخية، وتتميز القلعة التى تطل على مضيق البوسفور بأسوارها وأبراجها العالية. **2- مسجد آيا صوفيا:*** بعد أن تم فتح القسطنطينية عام (857هـ) وقام السلطان محمد الفاتح بتحويل كنيسة "آيا صوفيا" إلى مسجد بعد أن أقام لها أربع مآذن، وظل مسجد آيا صوفيا من أبرز معالم أستانبول. إلى أن جاء أتاتورك وحول المسجد إلى متحف فى محاولة منه للتقرب إلى أوربا!! ** 3- قصر طوبقابى:*** بناه السلطان محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية، وكان قصر طوبقابى مقر حكم آل عثمان لفترة طويلة، وحوله بيوت الوزراء والأصدقاء والعسكر، وتحول قصر طوبقابى الآن إلى متحف يضم مجموعة من أهم الآثار الإسلامية، وبه مقتنيات من كافة أنحاء العالم الإسلامى، وفى هذا المتحف يوجد "مصحف عثمان" وهو أول مصحف مدون بالخط الكوفى، وبردة النبى صلى الله عليه وسلم التى أهداها للشاعر كعب بن زهير، ومجموعة كبيرة من اللوحات والنقوش والزخارف والسيوف واللآلئ المحلى بها الخناجر والعروش والتى تظهر جميعًا روعة الفن الإسلامى. **4- جسر البوسفور:*** وهو أشهر جسر فى العالم؛ فهو الوحيد الذى يربط بين قارتين، وهو رابع أطول جسر فى العالم، وهو عمل هندسى كبير يرتفع فوق سطح الماء (64) مترًا ليسمح بمرور أعلى البواخر وأكبر الناقلات. **5- جامع السليمانية: *** يقع فى منطقة السليمانية وهو من روائع فن العمارة الإسلامية، ولقد تفوق المسجد فى بنائه وتصميمه على "آيا صوفيا" رائعة العمارة البيزنطية، حيث يمتاز بسعته وارتفاعه، وتفرده بالمآذن الأربع، وقد صمم المبنى المهندس المعمارى الشهير "سنان" الذى يعتبر من رواد فن العمارة الإسلامية. 6**- المكتبة السليمانية: *** وهى واحدة من أكبر المكتبات فى العالم الإسلامى، أنشأها السلطان العثمانى سليمان القانونى عام (957هـ/1550م)، وصمم مبنى المكتبة المعمارى الشهير سنان، ويتبع المكتبة السليمانية الرئيسية المنسوبة إلى السلطان سليمان عدد من المكتبات الخاصة التى أنشأها أفراد. ويبلغ عدد ماتحتويه المكتبة السليمانية من كتب مخطوطة ومطبوعة (98955)، منها (64267) مخطوطة معظمها باللغة العربية، (8992) والباقى بالفارسية والتركية. هذا مع العلم أن نظام حصر المخطوطات وإحصائها لا يذكر النسخ المكررة للكتاب الواحد. وقسم الفهارس فى المكتبة أنشئ فى نهاية عام (1979م) ومقره السليمانية وهو يضم ثلاثة فروع، فرع لفهرسة المخطوطات العربية، والثانى للتركية والثالث للفارسية. |
| الساعة الآن 06:02 AM. |
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
سبحان الله وبحمده :: سبحـان الله العظيم