دار الرقية الشرعية

دار الرقية الشرعية (http://rougyah.com/vb/index.php)
-   قسم وجهة نظر (http://rougyah.com/vb/forumdisplay.php?f=48)
-   -   العين الحاسدة حق ولكن للطب دوره وكلمته &&&&& (http://rougyah.com/vb/showthread.php?t=22640)

عبدالرزاق المغربي 12-Feb-2008 01:15 PM

العين الحاسدة حق ولكن للطب دوره وكلمته &&&&&
 
المجتمـع
أطباء الأمراض النفسية لـ الجزيرة
العين الحاسدة حق ولكن للطب دوره وكلمته
تحقيق: عبدالله الصالح الفنيخ
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان شيئا سابقا للقدر لسبقته العين .
وانطلاقا من هذا الحديث الشريف يؤمن الجميع بوجود العين والمعالجة بالرقية الشرعية، ولكن يجب ألا نغفل وأن نفرق بين الطبيب النفسي ومن هو المريض التابع له والمعالجة بالرقية الشرعية وايضا من هو المريض التابع له.
اختلفت الآراء وتشعبت، وأصبح هناك خلط بين هذين التخصصين وأصبح المريض في حيرة من أمره الى من أذهب, جريدة الجزيرة لهذا السبب توجهت للأطباء النفسيين وحاولت ان توضح الصورة للقارىء الكريم وغاصت في تفاصيل الموضوع وسوف يكون لقاؤنا مع المعالجين بالرقية الشرعية.
حالات غريبة لم تتماش مع ما تعلمناه
بداية هذا التحقيق كانت مع الدكتور مازن احمد الرشيد,, استشاري الطب النفسي ورئيس قسم النفسية والعصبية في مستشفى الملك سعود بعنيزة وقال:
ان على الطبيب النفسي المسلم ان يؤمن بما جاء بكتاب الله وسنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام وحيث انه ورد ذكر العين الحاسدة في القرآن فلا بد لنا ان نتفكر ونتأمل في هذه الآية الكريمة ونحاول جميعا ان نجتهد في تصور الكيفية التي يمكن ان يصاب بها الانسان بالحسد وعلينا ان نضع في الحسبان ان الحسد هو احد الأسباب وليس كلها واذا وقفنا امام ظاهرة مرضية لها دلالاتها فيجب ان نحاول معالجتها بكافة السبل لمصلحة المريض على ان تكون هذه السبل تتوافق مع الاجتهاد الفقهي العلمي الصحيح ويجب ان يكون الشخص الممارس للعلاج على سوية عالية من المعرفة العلمية الطبية والفقهية وقد احترم الاسلام العقل وفتح كافة الآفاق امامه وشجع العلم والعلماء في اكثر من موضع في القرآن الكريم.
ان الاستماع الجيد والممعن وتحليل الاعراض التي يصفها الشخص التي يعاني منها هي الخطوة الاولى نحو تحديد ماهية المشكلة ومن ثم جمع المعلومات من المصادر المخالطة لهذا الشخص وتحديد مدى تأثير هذه المشكلة على الشخص نفسه ومجتمعه ثم اجراء الفحوص السريرية والمخبرية اللازمة وبذلك يكون الطبيب قد أحاط بالمشكلة من كافة جوانبها وبعد ذلك يتم استعراض انجع السبل لمعالجة ذلك الشخص بالتعاون معه ومع ذويه ويجب على الطبيب النفسي ان يتمهل في تشخيص أية حالة وألا يتعجل في اصدار قراراته.
وتكون المعالجة في الطب النفسي تبعا لكل حالة مرضية فلكل شخص من استجاباته المختلفة سواء على الصعيد البيولوجي او النفسي ومن هنا تأتي مقولة ان ليس لدينا امراض بل لدينا مرضى وما يصلح لهذا المريض لا يصلح لغيره وهنالك معالجات دوائية وفيزيائية ومعالجات نفسية اما الأدوية في الطب النفسي فهي جواهر لمن يحسن صرفها وتداولها وجمار لمن يسيء صرفها واستعمالها وهي لا تؤدي الى عواقب خطرة كما يشاع عنها بل لها فوائد جمة نلمسها اثناء ممارسة عملنا الطبي لكن هذا لا يعني ان نركن فقط للعلاج الدوائي فكثير من مرضانا يستجيب للمعالجة النفسية فقط وبدون الدواء وتكون فائدة المعالجة النفسية الداعمة جمة اذا احسن الطبيب استخدام مهاراته شريطة كسب ثقة المريض اولا ومخالطية ثانيا, وكثيرا ما يكون محتوى الجلسات النفسية من واقع ديننا الحنيف وواقع مجتمعنا الكريم وعلى الطبيب ان يوفق بين مختلف الطرق العلاجية لمصلحة مريضه ليكون اداؤه منسجما مع العلم والدين.
وقد حدث ان واجهتنا كمجموعة اطباء حالة شخص لم نستطع تفسير ما يحصل معه لأن اعراض الحالة لم تتماش مع ما تعلمناه ومارسناه في عياداتنا النفسية وهنا اعود واقول ان للعلاج الديني الصحيح في هذه الحالات دوراً فاعلاً ومؤثراً.
قلة الوعي تسبب المشكلة
وعند سؤال الدكتورة سحر محمد احمد عبدالرزاق اخصائية الطب النفسي حول رأي الطب النفسي في العين الحاسدة ودورها في الاضطرابات النفسية قالت نحن كأطباء مسلمين نؤمن تماما بوجود العين الحاسدة كما نؤمن بتأثيرها على الانسان دون ادنى شك في ذلك والدليل على هذا واضح في مواضع عديدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ومن ينكر ذلك يكون منكرا لكتاب الله ولسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونعوذ بالله ان نكون من هؤلاء, ولكن مواضع الجدال دائما هو ما هي الاعراض التي قد تظهر على الانسان المحسود فليس هناك اي نص صريح في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية يوضح الوصف التفصيلي او الاعراض التي قد تظهر من اثر العين الحاسدة ولكنها جميعا اجتهادات وتصورات من بعض الناس تتوارث من جيل لآخر دون اي دليل على مدى صدقها ومن هنا اعتاد الناس على ربط أي ظاهرة مجهولة غامضة او كثير من الامراض العضوية قبل ان يعرف لها سببا محددا او لا تستجيب للعلاج بشكل كبير الى العين الحاسدة أو أي من الغيبيات كالسحر او الجن ومن الأمثلة الواضحة على ذلك مرض الصرع فقد ظل الناس لسنوات طويلة يعتقدون ان المريض بداء الصرع به مس من الشيطان ولكن بعد تطور الطب الحديث واكتشاف ادوات التشخيص الحديثة تبين ان داء الصرع ماهو الى مرض عضوي ناتج عن زيادة الكهرباء بالمخ واصبح علاجه بالعقاقير اليوم والسيطرة على النوبات من الامور اليسيرة باذن الله.
وتعد العين الحاسدة عند كثير من الناس واحدة من اهم الأسباب التي تعزى اليها كثير من الامراض وبخاصة الامراض النفسية ويرجع هذا الاعتقاد الى عدة اسباب اهمها غياب الأسباب العضوية الواضحة للمرض النفسي وضعف الاستجابة للعلاج الطبي, أيضا من اسباب هذا الاعتقاد هو ظاهرة الإسقاط وهي وسيلة من وسائل الدفاع النفسي التي يلجأ اليها بعض الأشخاص عند التعرض لأزمة شديدة وفيها يعزي الشخص المصاب بأزمة أزمته الى سبب خارجي لا ينتمي اليه مما يساعده على التخلص من القلق والاحساس بالذنب, وهذا ما يحدث من اهل المريض النفسي فهم يفضلون ان يكون ما اصاب المريض النفسي هو العين وليس مرضا نفسيا حتى يكون السبب بفعل فاعل قد تعدى عليهم مما يعطيهم الحق في المعاناة اما الاعتراف بالمرض النفسي فمعناه عندهم الاعتراف بالنقص والضعف, كذلك من اهم الأسباب لهذا الاعتقاد هو قلة الوعي لدى أهل المريض النفسي وقلة المعلومات عن الاعراض الاولى في بدايات المرض النفسي والتي تكون غالبا في البداية أعراضا غير واضحة وغير محددة مما يدفع اهل المريض الى الاعتقاد انه نتيجة عين أو حسد ولذلك فهم يلجؤون في البداية الى طرق أبواب أخرى غير المعالج النفسي وبعد فشل تلك الطرق في العلاج وبعد ان تكون وضحت الاعراض النفسية للمرض كاملة بعدها يلجأ اهل المريض الى عرضه على المعالج النفسي وهنا تكمن أهمية نشر الوعي الصحي والثقافة الصحية وخصوصا عن الطب النفسي الذي ما زالت أعراضه غامضة على كثير من الناس, وما نود ان نوضحه ان هناك دلائل كثيرة تعكس بوضوح الطبيعة المرضية للأمراض النفسية شأنها شأن الأمراض العضوية الاخرى أهمها ان معظم الأمراض النفسية تنتقل عبر الوراثة من جيل الى جيل وقد كشفت التجارب العلمية وأدوات التشخيص الحديثة ان أكثر الأمراض النفسية تكون مصحوبة بخلل عضوي يتمثل في تغيير مستوى النواقل العصبية في الدماغ وان هذه تزول تماما باذن الله اذا تم اصلاح ذلك الخلل بواسطة الأدوية النفسية التي أثبتت التجارب العلمية والممارسات العملية نفعها في علاج الامراض النفسية تماما كنفع الأدوية الأخرى في علاج مختلف الأمراض.
العلم والمعرفة في صالح الإنسان
وتوجهنا للدكتور أشرف منير محمد عطية الاخصائي النفسي وتحدث حول الموضوع فقال: اننا لسنا مطالبين بالبحث وراء الجان والسحر والعين فهذه الأشياء قد تضر الانسان أكثر من نفعها نحن فعلا مؤمنون بها كما قال الله تعالى وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكم منا من ألقى مقدراته وأمور حياته في أيدي أناس ليسوا مؤهلين بها وكم صرفوا من النقود.
وكم تم النصب على كثير منهم وكم من القصص والمآسي التي نسمعها كل يوم لكل من سلم نفسه ليد غير امينة تلعب بمقدرات حياته.
ولكن ما نحن مطالبون به السعي للمعرفة والعمل على كل ما فيه خير للانسان وكل مجهوداتنا والعلم والمعرفة في صالح الانسان وليس ضده, فعندما نعطي المريض العلاج هذا معناه ان لكل داء دواء وعندما نشخص فنحن أدرى الناس بالمرض وبطريقة علاجه ومضاعفاته ان اهمل,.
ويبقى أمر هام وخطير جدا سوف يفسر لنا كثيرا من الخلط الذي يحدث,, ان المرض النفسي أساس اعراضه الاضطراب اضطراب في الاكل، في النوم، احلام مفزعة، كوابيس، اضطراب في الهضم، آلام في الرأس، صداع، اضطراب في الشخصية، *****، عدم توافق، خوف، هلع، فزع, الخ,, وهذا يفسر عند تجمع هذه الاضطرابات مع بعضها وشكوى الانسان من غير سبب ظاهر او معروف يعزى الى العين او الجن او المس وعند التشخيص يتم العلاج والشفاء باذن الله.

تعليق

العلاج للعين كتاب الله


وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم


العين حق العين حق العين ولنا عودة


والإسلام سبق الطب الحديث بقرون


ولنا عودة

عبدالرزاق المغربي 12-Feb-2008 01:16 PM

العينُ حقٌّ
"ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين"
تعريفها - كيفية التحرز منها - علاجها
تعريف العين
تأثير العائن على المعيون
سبب وجهة تأثير العين
كل عائن حاسد وليس كل حاسد عائناً
الأدلة على تأثير العين على المعيون
العين عينان
صنفا العائن
العين تسرع إلى الأطفال ولبعض الناس أكثر من غيرهم
التحرز من أضرار العين

أ. ما يتعلق بالعائن
ب. ما يتعلق بالمعيون أو من يخشى عليه العين

علاج العين

أولاً: العلاج بالاغتسال إذا عُلم العائن وحُدِّد
ثانياً: العلاج بالرقى والتعاويذ النبوية

الاستشفاء والاسترقاء بالقرآن
متى يجوز أخذ الأجرة على الرقية
حكم الذهاب إلى السحرة والكهان والمتشعوذين
حكم العلاج بالنُّشْرَة المحرمة
نماذج لبعض العائنين والمعيونين
الحجر على من عرف بالإصابة بالعين من مداخلة الناس
من ثبت أنه قتل بعينه هل يقتاد منه ويقتص أم لا ؟



تعريف العين

لغة

عان فلاناً يعينه إذا أصابه بعينه، فهو معين، ومعيون؛ ورجل عائن، ومعيان، وعيون.

اصطلاحاً

نظر باستحسان، مشوب بحسد، من خبيث الطبع، يحصل للمنظور منه ضرر.1

تأثير العائن على المعيون

ما من شيء يحدث في هذا الكون إلا بإرادة الله وتدبيره، ولحكمة يعلمها هو، ولهذا لا يستطيع أحد أن يؤثر أويتصرف في أحد، لا عائناً، ولا حاسداً، ولا ساحراً، ونحوهم، إلا إذا أراد الله ذلك: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون"2، وقال صلى الله عليه وسلم: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف" الحديث.3

حقيقة وكيفية تأثير العائن على المعيون من الكيفيات التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، وعلينا أن نؤمن ونقر بآثار ذلك، وإن لم ندر كيفية حدوث ذلك، تصديقاً لما صح عن الشارع الحكيم: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين".4

سبب وجهة تأثير العين 5

ذهب الناس في سبب تأثير العين على المعيون مذاهب، هي:

1. يحدث ذلك بعد إرادة الله نتيجة لانبعاث قوة سمية من عين العائن ذي النفس الخبيثة تتصل بالمعين فتضره.

2. يحدث ذلك نتيجة انبعاث جواهر لطيفة من عين العائن تتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه فيتأذى من ذلك.

3. يحدث ضرر العائن على المعين بقدرة الله من غير سبب ولا تأثير، وهذا مذهب منكري الأسباب غير المرئية والمحسوسة، وهذا مذهب مرجوح.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية كما يظن من قلَّ علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة، بل التأثير يكون تارة بالاتصال، وتارة بالمقابلة، وتارة بالرؤية، وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه، وتارة بالأدعية والرقي والتعوذات، وتارة بالوهم والتخيل.

ونفس العين لا يتوقف تأثيرها على الرؤية، بل قد يكون أعمى فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه، وإن لم يره، وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية، وقد قال تعالى لنبيه: "وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر"6، وقال: "قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد".7

وقال: أبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين، وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجاباً، وأكثفهم طباعاً، وأبعدهم من معرفة الأرواح والنفوس وصفاتها، وأفعالها، وتأثيراتها.

وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره، وإن اختلفوا في سببه).8

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وقد أشكل ذلك على بعض الناس، فقال: كيف تعمل العين من بُعد حتى يحصل الضرر على المعيون؟ والجواب أن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون، وقد نقل عن بعض من كان معنياً أنه قال: إذا رأيتُ شيئاً يعجبني وجدتُ حرارة تخرج من عيني، ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد، وكذا تدخل البستان فتضر بكثير من الغروس من غير أن تمسها يدها، ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد، ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو، أشار إلى ذلك ابن بطال، وقال الخطابي: في الحديث أن للعين تأثيراً في النفوس، وإبطال قول الطبائعيين أنه لا شيء إلا ما تدرك الحواس الخمس، وما عدا ذلك لا حقيقة له، وقال المازري: زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك، أويفسد، وهو كإصابة السم من نظر الأفعى، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه، وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عن مقابلة شخص لآخر، وهل ثم جواهر خفية أولا؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه).9
كل عائن حاسد وليس كل حاسد عائناً

ليس كل وصَّاف عائناً، لكن الوصف الذي قد يضر ويؤثر في النفوس والأبدان وغيرها هو الوصف الصادر من نفس خبيثة وقلب حسود حقود، ولهذا قالوا: كل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائناً؛ فالحسد أعم من العين والنظرة، ولهذا أمرنا بالاستعاذة من شر حاسد إذا حسد لأنها شاملة ومتضمنة للاستعاذة من العين.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين، فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة، وتقابل المحسود، فتأثر بتلك الخاصية، وأشبه الأشياء بهذا الأفعى، فإن السم كامن فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوها انبعث منها قوة غضبية، وتكيفت نفسُها بكيفية خبيثة مؤذية، فمنها ما تشتد كيفيتتها، وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين، ومنها ما يؤثر في طمس البصر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأبتر وذي الطُّفَيَّتين10 من الحيات: "إنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحَبَل"، ومنها ما تؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية، من غير اتصال به، لشدة خبث تلك النفس وكيفيتها الخبيثة المؤثرة.

إلى أن قال:

فكل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائناً، فلما كان الحاسد أعم من العائن، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين، تصيبه تارة وتخطئه تارة).11
الأدلة على تأثير العين على المعيون

الأدلة النقلية من الكتاب والسنة على تأثير العين بعد إرادة الله على المعيون، وعلى التوقي والاسترقاء منها ما يأتي:
من القرآن

1. قوله تعالى: " قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد"12، حيث أمر الله بالاستعاذة من شر الحاسد والعائن.

2. قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام موصياً بنيه: "وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلتُ وعليه فليتوكل المتوكلون".13

قال القرطبي رحمه الله في تفسيرها: (لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين، فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب، وكانت مصر لها أربعة أبواب، وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلاً لرجل واحد، وكانوا أهل جمال وبسطة، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وغيرهم).14

3. وقوله: "ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله".15

قال أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى شيئاً فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضرَّه عين".

وقال القرطبي: (وروي أن من قال أربعاً أمِن من أربع: من قال هذه16 أمِن العين؛ وقال أشهب: قال مالك: ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا؛ وقال ابن وهب: قال لي حفص بن ميسرة: رأيتُ على باب وهب بن منبه مكتوباً: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله").17

4. وقوله: "وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون".18

قال القرطبي في تفسيرها: (أخبر بشدة عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حجته، وقيل: كانت العين في بني أسد حتى إن البقرة السمينة أوالناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها، ثم يقول: يا جارية خذي المكتل والدرهم فأتينا بلحم هذه الناقة؛ فما تبرح حتى تقع للموت فتنحر، وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئاً يومين أوثلاثة، ثم يرفع جانب الخباء، فتمر به الإبل أوالغنم، فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه! فما تذهب إلا قليلاً حتى تسقط منها طائفة هالكة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعين فأجابهم، فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد:

قد كان قومك يحسبونك سيداً وإخـال إنك سيـد معيون

فعصم الله النبي صلى الله عليه وسلم، ونزلت: "وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك"، وذكر نحوه الماوردي، وأن العرب كانت إذا أراد أحدهم أن يصيب أحداً ـ يعني في نفسه وماله ـ تجوع ثلاثة أيام، ثم يتعرض لنفسه وماله فيقول: تالله ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكثرمنه ولا أحسن، فيصيبه بعينه، فيهلك هو وماله، فأنزل الله تعالى هذه الآية).19
من السنة

الأدلة من السنة على حقيقة العين وتأثيرها وكيفية التوقي والاسترقاء منها كثيرة جداً، نذكر منها ما يأتي:

1. قوله صلى الله عليه وسلم: "العين حق".20

2. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا اسْتُغسِلتم فاغسلوا".21

3. وعن جابر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالأنفس".22

4. عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أمرني النبي صلى الله عليه وسلم ـ أوأمر ـ أن يسترقى من العين".23

5. وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: "استرقوا لها فإن بها النظرة"24، والنظرة هي العين، وقيل هي المس من الشيطان.

6. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان إذا اشتكى رسول الله صلى رقاه جبريل، قال: "باسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد وشر كل ذي عين".25

7. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين، والحُمَة، والنملة".26

8. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس: "مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة27، تصيبهم الحاجة؟ قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم؛ قال: ارقيهم".28

9. وعن أبي أمامة سهل بن حُنيف قال: "رأى عامر بن ربيعة سهل بن حُنيف يغتسل، فقال: والله ما رأيتُ كاليوم ولا جلد مخبأةٍ عذراء؛ قال: فلبط سهل، فأتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عامراً، فتغيظ عليه، وقال: علام يقتل أحدُكم أخاه؟ ألا برَّكتَ، اغتسل له؛ فغسل له عامر وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صبّ عليه، فراح مع الناس".29

10. وروي عن الحسن مرفوعاً: "إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر".30

11. وعن أبي سعيـد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الجان، ومن عين الإنسان".31
العين عينان

1. عين إنسية.

2. وعين جنية، وهي التي يعبَّر عنها بالنظرة.

ولهذا أمرنا بالتعوذ من شياطين الإنس والجن.

والدليل على العين الجنية ما صحَّ عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: "استرقوا لها، فإن بها النظرة".

قال ابن القيم: (قال الحسين بن مسعود الفراء: وقوله "سفعة" أي نظرة، يعني من الجن، يقول بها عين أصابتها من نظر الجن، أنفذ من أسنة الرِّماح).32
صنفا العائن

العائنون صنفان:

1. عائن بإرادته.

2. وعائن بطبعه من غير إرادة، وهذا أخسّ وأردأ من الصنف الأول، وهو الذي يمكن أن يعين نفسه، أوولده، أوأهله، أوماله، من غير إرادة منه، نتيجة لما غرز في قلبه من الحسد.
العين تسرع إلى الأطفال ولبعض الناس أكثر من غيرهم

الدليل على أن العين تسرع إلى الأطفال وإلى بعض الناس الحسان دون بعض قول أسماء بنت عميس رضي الله عنها عن أبناء جعفر رضي الله عنه عندما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ أتصيبهم الحاجة؟"، قالت: "لا، ولكن تسرع إليهم العين"، وإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لها بقوله: "ارقيهم".

قال القرطبي: (ويقال إن العين أسرع إلى الصغار منها إلى الكبار، والله أعلم).33
التحرز من أضرار العين

كما علمنا فإن العين حق، ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين، كما أخبر الصادق المصدوق، وأن العين لها آثار جانبية وأضرار بليغة على الأنفس والأموال، كل ذلك يحدث بقضاء الله وقدره وتدبيره، لحكمة يعلمها هو، وقد أمرنا الشارع الحكيم بالتحرز منها، وبالأخذ بالأسباب التي يمكن أن تكفَّ شرَّ العائن بإذن الله.

هذه التحرزات والتحفظات منها ما يتعلق بالعائن ومنها ما يتعلق بالمعيون.
أ. ما يتعلق بالعائن

لقد أمر رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم العائنين خاصة وجميع المسلمين بالتبريك إذا رأوا شيئاً أعجبهم، سواء كان هذا الشيء لهم أو لغيرهم من إخوانهم المسلمين، وسواء الذين عرفوا بالعين والذين لم يعرفوا بها، وسواء كان المرئي المُعْجِب نَفْساً أومالاً، فما هو التبريك؟ وما حكمه؟
كيفية التبريك

لقد وردت صيغ عدة للتبريك، وهي:

1. تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه.

2. ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.

3. بارك الله فيه.

4. اللهم بارك عليه.
حكم التبريك

التبريك واجب، خاصة لمن عرف بالعين واشتهر بها.
دليل التبريك

قوله صلى الله عليه وسلم لعامر بن ربيعة رضي الله عنه عندما عان سهل بن حنيف رضي الله عنه: "علام يقتل أحدُكم أخاه؟ ألا بركتَ" الحديث.
أقوال العلماء في ذلك

قال القرطبي رحمه الله: (واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يبرِّك، فإنه إذا دعا بالبركة صُرف المحذور لا محالة، ألا ترى قوله عليه السلام: "ألا بركتَ"، فدل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برَّك العائن، وأنها تعدو إذا لم يبرِّك، والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه).34

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: (وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه، وإصابتها للمعين، فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حُنيف: "ألا بركت؟"، أي قلت: اللهم بارك عليه.

ومما يدفع إصابة العين قول "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"، روى هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى شيئاً يعجبه أودخل حائطاً35 من حيطانه قال: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله").36
ب. ما يتعلق بالمعيون أو من يخشى عليه العين

أما التحرز والتحفظ من ضرر العين من الجانب الآخر، وهو جانب المعيون أومن يخشى عليهم من العين بصفة خاصة، وغيرهم بصفة عامة، لأن كل ذي نعمة محسود، فيكون بالآتي:
1. المحافظة على أذكار الصباح والمساء

ونعني بذلك الأذكار والأوراد السنية التي أثرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست الأوراد التي ألفها بعض المشايخ وألزم بها مريديهم.
2. الإكثار من قراءة فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والمعوذتين
3. التعاويذ النبوية، خاصة:

*

"أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق".
*

و"أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة".
*

و"أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن برٌّ ولا فاجر، من شر ما خلق، وذرأ، وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار، إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن".
*

و"أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون".

قال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر عدداً من التعاويذ النبوية: (ومن جرَّب هذه الدعوات والعُوذ، عرف مقدار منفعتها، وشدة الحاجة إليها، وهي تمنع وصول أثر العائن وتدفعه بعد وصوله، بحسب قوة إيمان قائلها، وقوة نفسه واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه، فإنها سلاح والسلاح بضاربه).37
4. عدم التعري والتكشف

يجب على المسلم أن يستـر جسمه وأن يحـرص على عدم التكشف والتعري أمام الآخرين، فسهل بن حُنيف رضي الله عنه لولا أنه نزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، وكان سهل رجلاً أبيض حسن الجلد، فقال عامر: "ما رأيتُ كاليوم ولا جلد عذراء"، ما تمكن عامر من النظر إلى محاسنه ومن ثم إصابته بعينه، فالسبب الرئيس في ذلك تكشف سهل أمامه.

وكذلك عندما ركب سعد بن وقاص يوماً فانكشف بطنه، فنظرت إليه امرأة فقالت: إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين؛ فرجع إلى منزله فسقط.

ومن المؤسف حقاً تفشي العري والتفسخ والتزيي بالأزياء الضيقة والقصيرة والواصفة التي تصف العورة وتكشف المحاسن، سيما لدى النساء والبنين والبنات، فعلى هؤلاء أن يتقين الله في أنفسهن، وفي أولادهن، وليعلمن أن في ذلك ضرر بليغ في الدين والبدن، فإن كن لا يخفن الله فعليهن أن يتقين عين العائنين وحسد الحاسدين.

فلا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسمح لزوجه ولبناته ولمن يعول، سواء كن بلغن أوتحت البلوغ أن يخرجن غير متسترات متحجبات، وإلا فليعلم أنه ديوث يقرُّ الفاحشة في أهله، وقد حرمَّ الله الجنة على الديوث، وهؤلاء عليهن أن يبشرن إن لم يرجعن بأنهن من عمَّار نار جهنم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما"، وذكر من هذين الصنفين: "نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات.." إلخ.

واعلمي أختي المسلمة أنه لا يحل لك أن تخرجي من بيتك إلا لحاجة ماسة، ولا تخرجي إلا وأنت متحجبة تفلة، غير متطيبة ولا متزينة، واعلمي أن خروجك من بيتك بما يعرف بـ"الإسكيرت والبلوزة" لا يحل لك، لأنه كاشف لعورتك واصف لها، وهو زينة في نفسه.

أما الأطفال والصغار فمسؤوليتهم على أوليائهم، وعليهم أن لا يتركوا اختيار ملابسهم للنساء، وعليهم أن يتولوا ذلك بأنفسهم، وليتذكروا قول الناصح الأمين: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، سواء كانت هذه الولاية خاصة أوعامة.

اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

فستر البدن عند الاستحمام، وعند قضاء الحاجة، وعند ممارسة الألعاب الرياضية واجب، وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، والمرأة كلها عورة بما في ذلك الوجه واليدان.

وقد أخبرني من أثق به أن رجلاً كان جالساً لقضاء حاجته، فرأى رجل عائن طرفاً من إليته ـ وهو في هذا الوضع ـ فشبه هذا الطرف بجزء من أجزاء الساقية حسب بيئته، فلم يتحرك هذا الرجل من مكانه إلا بعد أن لدغته عقرب، فانتبهوا يا أولي الأبصار، واحذروا العري والتكشف ولو كنتم خالين بأنفسكم، فكيف بين الناس؟ فالوقاية خير من العلاج.
5. ستر محاسن من يخاف عليه العين

من وسائل التحرز التي أمر بها الشارع لرد كيد العائنين ودفع ضررهم ستر محاسن من يخشى عليه من العين، سواء كان صغيراً أم كبيراً، فالعين تسرع إلى الحسان أكثر من غيرهم، وإلى الصغار أكثر منها إلى الكبار.

ذكر الإمام البغوي في شرح السنة له: (عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه رأى صبياً مليحاً، فقال: دسِّموا نونته.

فقال أبو عمر: سألتُ أحمد بن يحيى عنه، فقال: أراد بالنونة النُّقرَة التي في ذقنه، والتدسيم التسويد، أراد سوِّدوا ذلك الموضع من ذقنه ليرد العين).

وكان المقنع الكندي38 واسمه محمد بن عمير بن أبي شمر الكندي من أجمل أهل زمانه، وأحسنهم وجهاً، وأتمهم قامة، فكان إذا كشف وجهه يُؤذى، فكان يتقنع دهره، فسمي لذلك بالمقنع).39
6. عدم تجمع الإخوة والأبناء والأهل في مكان واحد ملفت للنظر

من التحوطات التي تدفع ضرر العين عدم تجمع الأبناء أو الإخوان إذا كانوا جماعة في مكان واحد، وعدم خروجهم ودخولهم مجتمعين، صرفاً لأذى العائنين، ولهذا وصى يعقوب نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله أبناءه ـ وكانوا ذوي حسن وعدد ـ بعدم دخول مصر40 من باب واحد، وكان لها أربعة أبواب، فأمرهم أن يدخلوا متفرقين على أبوابها الأربعة، حيث قال: "يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء" الآية.

قال ابن القيم: (ومن علاج ذلك ـ دفع ضرر العين ـ أيضاً والاحتراز منه: ستر محاسن من يخاف عليه من العين بما يردها عنه).41

وقال ابن مفلح رحمه الله: (وليحترز الحَسَن من العين والحسد بتوحيش حسنه).42

وفي الجملة على جميع الخلق الاحتراز من العين، سيما الأطفال، وحسان الخلقة، والعرسان، والمرأة في حال الوضوع، والأولاد والبنات عند الختان، وعند شهود الاحتفالات الجامعة.
علاج العين

ما ذكرناه سابقاً هو التحرز من العين قبل وقوع الضرر، أما بعد وقوع الضرر والأذى فيتقى شر العين بأمور هي:

أولاً: العلاج بالاغتسال إذا عُرف العائن وحُدِّد.

ثانياً: العلاج بالرقى والتعاويذ إذا لم يُعرف العائن.

ثالثاً: النُّشرة.

وسنتحدث عن كل من وسائل العلاج هذه بشيء من الإيجاز، فنقول:
أولاً: العلاج بالاغتسال إذا عُلم العائن وحُدِّد

علاج المعيون إذا أصيب بضرر أن يؤمر العائن إن كان معلوماً معروفاً بالاغتسال له، بكيفية معينة، وأن يصب عليه الماء بطريقة خاصة سنبينها، فما دليل الاغتسال؟ وما كيفيته؟ وما الحكمة والعلة من ذلك؟

دليل اغتسال العائن للمعيون 43

خرَّج مالك وغيره من أهل السنن عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف قال: "رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل، فقال: والله ما رأيتُ كاليوم ولا جلد مخبأة عذراء؛ قال: فلبط44 سهل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عامراً فتغيظ عليه، وقال: علامَ يقتل أحدُكم أخاه؟ ألا بركتَ، اغتسل له؛ فغسل له عامر.." الحديث.

وفي رواية: "إن العين حق، توضأ له، فتوضأ له".

وعن معمر عن ابن طاوس عن أبيه مرفوعاً: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، فإذا استغسل أحدكم فليغتسل".
حكم هذا الغسل

الوجوب، لأن الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف.

قال ابن عبد البر في شرحه لحديث مالك السابق: (وفيه أن العائن يؤمر بالاغتسال للذي عانه، ويجبر ـ عندي ـ على ذلك إن أباه، لأن الأمر حقيقته الوجوب، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو، ولا سيما إذا كان بسببه، وكان الجاني عليه، فواجب على العائن الغسل، والله أعلم).45

وقال الحافظ ابن حجر في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا استغسلتم فاغسلوا": (وهي أمر العائن بالاغتسال عند طلب المعيون منه ذلك، ففيها إشارة إلى أن الاغتسال لذلك كان معلوماً بينهم، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم، وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك، وظاهر الأمر الوجوب، وحكى المازري فيه خلافاً، وصحح الوجوب، وقال: متى خشي الهلاك، وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر وهذا أولى).46

وقال القرطبي: (العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرِّك، فإنه يؤمر بالاغتسال ويُجبر على ذلك إن أباه، لأن الأمر على الوجوب، لا سيما هذا، فإنه قد يخاف على المعين الهلاك، ولا ينبغي لأحد أن يمنع).47
كيفية اغتسال العائن للمعيون

خرَّج48 أحمد والنسائي وصححه ابن حبان من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف: "أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف ـ وكان أبيض حسن الجسم والجلد ـ فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخباة؛ فلبط ـ أي صُرع وزناً ومعنى ـ سهل، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل تتهمون به من أحد؟ قالوا: عامر بن ربيعة؛ فدعا عامراً فتغيظ عليه، فقال: علام يقتل أحدُكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟ ثم قال: اغتسل له؛ فغسل وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم يصب ذلك الماء عليه رَجُلٌ من خلفه على رأسه وظهره، ثم يكفأ القدح، ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس".

قال المازري: المراد بداخلة الإزار الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن، قال: فظن بعضهم كناية عن الفَرْج.

وقال ابن القيم تحت عنوان "رفع الضرر بالغسل": (ومنها أن يؤمر العائن بغسل مغابنه وأطرافه، وداخلة إزاره، وفيه قولان:

أحدهما: أنه فرجه.

والثاني: أنه طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن، ثم يصب على رأس المعين من خلفه بغتة، وهذا مما لا يناله علاج الأطباء، ولا ينتفع به من أنكره، أوسخر منه، أوشـك فيه، أوفعله مجـرباً لا يعتقد أن ذلك ينفعه).49
الحكمة والعلة في اغتسال العائن للمعيون بهذه الكيفية

قال ابن القيم: (فاعلم أن ترياق سم الحية في لحمها، وأن علاج تأثير النفس الغَضَبيَّة في تسكين غضبها وإطفاء ناره، بوضع يدك عليه، والمسح عليه، وتسكين غضبه، وذلك بمنزلة رجل معه شعلة من نار، وقد أراد أن يقذفك بها، فصببت عليها الماء وهي في يده، حتى طفئت، وذلك أمر العائن أن يقول: اللهم بارك عليه، ليدفع تلك الكيفية الخبيثة بالدعاء الذي هو إحسان إلى المعين، فإن دواء الشيء بضده، ولما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد، لأنها تطلب النفوذ فلا تجد أرق من المغابن، وداخلة الإزار، ولا سيما إن كان كناية عن الفرْج، فإذا غسلت بالماء بطل تأثيرها وعملها، وأيضاً فهذه المواضع للأرواح الشيطانية بها اختصاص، والمقصود أن غسلها بالماء يطفئ تلك النارية، ويذهب بتلك السمية، وفيه أمر آخر، وهو وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها تنفيذاً).50
ثانياً: العلاج بالرقى والتعاويذ النبوية

إذا لم يعرف العائن ولم يتمكن المعيون ولا غيره من تحديده وتعيينه، يعالج المعيون بالرقى والتعاويذ النبوية، فهي أنجع علاج وأفضل دواء لذلك.

لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاسترقاء من العين.

*

فقد صـح عن عائشـة رضي الله عنها أنها قالت: "أمرني النبي صلى الله عليه وسلم ـ أوأمـر أن يسترقى من العين".51
*

وصح عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: استرقوا لها فإن بها النظـرة".52
*

وعن أسماء بنت عميس قالت: "يا رسول الله، إن بني جعفر تصيبهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: نعم".

ومن الرقى النافعة بجانب ما سبق ذكره في التحرز من العين ما يأتي53:

1. "أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً".

2. رقية جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، من شر كل نفس أوعين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك".

3. "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم".

4. "تحصنت بالله الذي لا إله إلا هو إلهي وإله كل شيء، واعتصمت بربي ورب كل شيء، وتوكلت على الحي الذي لا يموت، واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الرب من العباد، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي الرازق من المرزوق، حسبي الله هو حسبي، حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، وليس وراء الله مرمى، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم".

وبالجملة، فيجوز الاسترقاء بما سوى ذلك إذا توفرت في الرقية هذه الشروط:

1. إذا خلت من الشرك.

2. إذا كانت باللسان العربي.

3. إذا كانت بكلام معلوم مفهوم.
الاستشفاء والاسترقاء بالقرآن

القرآن فيه شفاء من كل الأدواء الحسية والمعنوية، فيجوز الاستشفاء والاسترقاء به.

للناس في الاستشفاء بالقرآن طرق عدة، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، ومنها ما هو ممنوع.
فمن المتفق عليه بين أهل العلم

1. قراءة شيء من القرآن ثم النفث في اليد أواليدين ومسـح العضو المصاب وغير المصاب بهما.

2. قراءة شيء من القرآن ثم النفث في سائل كالزيت، والماء، واللبن، ونحوهما، وشربه والتمسح به.
ومن المختلف فيه

كتابة شيء من القرآن وتعليقه على بدن المريض أوالمصاب بعد نزول البـلاء، فمن أهـل العلم من أجـاز ذلك، منهم مـالك، ومنهم من منع منه لأنه لم يؤثـر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفـائه، وإن أثـر عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه كان يُعَلِّم من عقل من أبنائه: "أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة"، ومن لم يعقل منهم كتبها وعلقها عليه.
ومن الممنوع

1. كتابة شيء من القرآن في إناء ثم غسله وسقيه للمريض، حيث لم يصح في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحبه الكرام.

2. كتابة شيء من القرآن في ورقة "بخرة"، ثم حرق ذلك بالنار واستنشاق المريض لهذا الدخان، وهذه الطريقة أقبح من سابقتها ولا يحل استعمالها.

قال ابن القيم رحمه الله: (ورأى جماعة من السلف أن يكتب له ـ أي للمعيون ـ الآيات من القرآن، ثم يشربها، قال مجاهد: لا بأس إن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض؛ ومثله عن أبي قِلابة، ويذكر عن ابن عباس أنه أمر أن يكتب لامرأة يعسر عليها ولادها آيتان من القرآن، يغسل ويسقى، وقال أيوب ـ السختياني ـ: رأيت أبا قِلابة كتب كتاباً من القرآن، ثم غسله بماء وسقاه رجلاً كان به وجع).54

قلت: قول الصحابي وعمله حجة إذا لم يخالفه غيره، أما إذا خالفه غيره من الصحابة فقوله ليس بحجة، وقد خالف ذلك ابن مسعود وغيرُه من الصحابة رضوان الله عليهم، وإجابة الدعاء والشفاء من المرض ليس دليلاً على صحة الرقية إذا لم يكن لها مستند في الشرع.

سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء55 بالمملكة العربية السعودية عن كتابة شيء من القرآن في لوح أوإناء وغسله وشربه رجاء شفاء أوعلم أوكسب، فقالت: (أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية بالقرآن والأذكار والأدعية ما لم تكن شركاً أو كلاماً لا يفهم معناه، لما روى مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك قال: "كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأسب الرقى ما لم يكن فيها شرك".56

وقد أجمع العلماء على جواز الرقى إذا كانت على الوجه المذكور آنفاً مع اعتقاد أنها سبب لا تاثير له إلا بتقدير الله تعالى، أما تعليق شيء بالعنق أوربطه بأي عضو من أعضاء الشخص، فإن كان من غير القرآن فهو محرم، بل شرك، لما رواه أحمد في مسنده عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صُفر57، فقال: "ما هذا؟ قال: من الواهنة؛ فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو متَّ وهي عليك ما أفلحتَ أبداً"58، وما رواه عن عقبة بن عامر عنه صلى الله عليه وسلم قال: "من تعلق بتميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له"59، وفي رواية لأحمد أيضاً: "من تعلق تميمة فقد أشرك"60، وما رواه أحمد وأبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرُّقى والتمائم والتولة شرك".61

وإن كان ما علقه من آيات القرآن فالصحيح أنه ممنوع أيضاً لثلاثة أمور:

الأول: عموم أحاديث النهي عن تعليق التمائم، ولا مخصص لها.

الثاني: سد الذريعة فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.

الثالث: أن ما علق من ذلك يكون عرضة للامتهان بحمله معه في حال قضاء الحاجة، والاستنجاء، والجماع، ونحو ذلك.

وأما كتابة سورة أوآيات من القرآن في لوح، أوطبق، أوقرطاس، وغسله بماء، أوزعفران، أوغيرهما، وشرب تلك الغسلة رجاء البركة، أواستفادة علم، أوكسب مال، أوصحة، أوعافية، ونحو ذلك، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله لنفسه أوغيره، ولا أنه أذن فيه لأحد من أصحابه، أورخَّص فيه لأمته، مع وجود الدواعي التي تدعو إلى ذلك، ولم يثبت في أثر صحيح فيما علمنا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنه فعل ذلك أورخص فيه، وعلى هذا فالأولى تركه، وأن يستغني عنه بما ثبت في الشريعة من الرقية بالقرآن وأسماء الله الحسنى، وما صح من الأذكار والأدعية النبوية ونحوها، مما يعرف معناه، ولا شائبة للشرك فيه، وليتقرب إلى الله بما شرع، رجاء التوبة، وأن يفرج الله كربته، ويكشف غمته، ويرزقه العلم النافع، ففي ذلك الكفاية، ومن استغنى بما شرع الله أغناه الله عما سواه، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم).
متى يجوز أخذ الأجرة على الرقية

يجوزأخذ الأجرة على الرقية، وإن كان احتسابها على الله أفضل وأنفع للراقي والمسترقي، إذا توفرت فيها هذه الشروط:

1. أن تكون رقية شرعية، وهي التي تتوفر فيها الشروط الآنفة الذكر.

2. أن يصح الانتفاع بها والشفاء بعدها.

3. أن لا يبالغ في الأجرة ويستغل حاجة المرضى، فتشمله حرمة بيع المضطر، وليس في مبالغة أبي سعيد في الأجرة دليل لأحد في المبالغة، لأن أبا سعيد غضب من أهل ذلك الوادي لعدم إقرائهم لهم مع حاجتهم الماسة للإقراء، ولو أقرَوْهم لما أخذ منهم شاة واحدة دعك عن مائة شاة، فإنه أراد أن يعزرهم ويؤدبهم على سوء صنيعهم معهم.

وقد تعجبت كثيراً عندما علمت أن بعض الراقين يطلب في الجلسة الواحدة مائة ألف من الجنيهات، اقتداء بالجشعين من الأطباء الذين جعلوا هذه المهنة الإنسانية مصدراً للغنى السريع باستغلالهم لحاجة الناس إليهم، حيث لم ينصاعوا لقول نبيهم: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، ولم يتأسوا بقول وفعل أبقراط الكافر.

4. أن لا يأخذ ذلك مقدماً.

قال ابن عبد البر رحمه الله: (وإذا كانت مباحة ـ أي الرقية ـ فجائز أخذ البدل عليها، وهذا إنما يكون إذا صح الانتفاع بها، فكل ما لا ينتفع به بيقين فأكل المال عليه باطل محرم).62
حكم الذهاب إلى السحرة والكهان والمتشعوذين

لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يذهب إلى السحرة والكهنة والمشعوذين، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهم كل من له علاقة بالشياطين، والكواكب، والسحر، ويستعمل الرقى الشركية، ويمارس الحل والعقد، وإن صلى وصام، سواء كان منتسباً إلى الإسلام أوكافراً مشركاً، لقوله عز وجل: "وما يعلِّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر" الآية63.

فمن ذهب إلى أحد من هؤلاء فصدقهم فيما يقولون فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لقوله فيما صحَّ عنه: "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم".64

وإن ذهب ولم يصدقهم فيما يقولون لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، بخبر الصادق المصدوق: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً"65، توفيقاً وجمعاً بين الحديثين.
حكم العلاج بالنُّشْرَة المحرمة
تعريف النشرة 66

قال أبو السعادات: النُّـشرة ضرب من العلاج والرقية يعالج به من كان يظن أن به مساً من الجن، سميت نُشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي يكشف ويزال.

وقال ابن الجوزي: النُّشْرَة حل السحرعن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر.
نوعا النشرة

1. نشرة بالرقى والتعاويذ والدعوات المباحة، فهذه جائزة ومشروعة.

2. نشرة محرمة، وهي حل السحر بمثله، أوالعلاج بالسحر، والاستعانة بالشياطين، واستعمال الرقى الشركية.

بعد أن أجمع أهل العلم على جواز النُّشْرَة الشرعية اختلفوا في حكم ذهاب المضطر المسحور والمعيون ونحوهما، الذين لم يجدوا من يعالجهم مما بهم من أدواء على قولين، فمنهم من أجاز الذهاب، منهم سعيد بن المسيب، ويُحمل كلامه على ما لا يعلم أنه سحر، ومنهم من منع، منهم الحسن البصري.

قال ابن القيم رحمه الله: (النُّشْرَة حل السحر من المسحور، وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور، والثاني النُّشْرَة بالرقية، والتعوذات، وأدوية مباحة، فهذا جائز.

ومما جاء في صفة النُّشْرَة الجائزة ما روى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور، الآية التي في سورة يونس: "ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين" إلى قوله: "ولو كره المجرمون"، وقوله: "فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون" إلى آخر الآيات الأربع، وقوله: "إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى".

وقال ابن بطال: في كتاب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل67، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله.

وقال: ومن الرقى التي ترد العين، ما ذكر عن أبي عبد الله التَّنَّاحي أنه كان في بعض أسفاره للحج أوالغزو على ناقة فارهة، وكان في الرفقة رجل عائن، قلما نظر إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن؛ فقال: ليس له إلى ناقتي سبيل؛ فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى الناقة، فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله، فأخبر أن العائن قد عانها، وهي كما ترى، فقال: دلوني عليه؛ فدُلَّّ، فوقف عليه، وقال: بسم الله، حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس68، رددت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، "فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير"؛ فخرجت حدقتا العائن، وقامت الناقة لا بأس بها).69

روى ابن عبد البر بسنده إلى الأسود قال: سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النُّشْرَة، فقالت: ما تصنعون بالنشرة والفرات إلى جانبكم، ينغمس فيه أحدكم سبع انغماسات إلى جانب الجرية؟!

وروي عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن الرجل يأبق له العبد أيؤخذه؟ فقال سعيد: قد وخذنا فما رد علينا شيء، أورد علينا شيئاً.

وروي عن ابن جريج قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن النُّشْرَة، فكره نشرة الأطباء70، وأما شيء تصنعه أنت فلا بأس.71

وعن سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته فيلتمس من يداويه، قال: إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع.

وقال أحمد: رخص فيه بعض الناس وما أدري ما هذا؟!
نماذج لبعض العائنين والمعيونين

العين ليست قاصرة على الحاسدين، فقد يعين الرجل الصالح إذا أعجبه شيء ولم يبرِّك من حيث لا يشعر، قد يعين نفسه، أوولده، أوماله، أوغيرهم.

قال ابن القيم: (وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته).

وقـال القرطبي: (إن الرجل الصـالح قد يكون عائنـاً، وأن هذا ليس من بـاب الصـلاح ولا من بـاب الفسـق في شيء).72

ولكن أغلب ضرر العائنين يأتي من الحاسدين الحاقدين، وإليك هذه النماذج من الصالحين وغيرهم:

1. عامر بن ربيعة عان سهل بن حُنَيف حتى سقط إلى الأرض رضي الله عنهما، وقد مر.

2. سعد بن أبي وقاص عانته امرأة عندما خرج يوماً وهو أمير الكوفة، فنظرت إليه امرأة فقالت: إن أميركم هذا لأهضم الكشحين، فرجع إلى منزله فوعك، ثم إنه بلغه ما قالت، فأرسل إليها، فغسلت له أطرافها ثم اغتسل به، فذهب ذلك عنه.

والكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، وهو من لدن السرة إلى المتن، وهو موقع السيف من المتقلد، وأهضم الكشحين أي دقيق الخصرين73.

3. من العائنين المشهورين هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي، فقد عان سالم بن عبد الله بن عمر، حكى المدائني عن الأصمعي قال: حج هشام بن عبد الملك فأتى المدينة، فدخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر، فلما خرج من عنده قال هشام: ما رايت ابن سبعين أحسن كدنة منه! فلما صار سالم في منزله حُمَّ، فقال: أترون أن الأحول لقعني بعينه؟ فما خرج هشام من المدينة حتى صلى عليه.74

4. وذكر القاضي حسين من الشافعية أن نبياً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام استكثر قومه ذات يوم فأمات الله تعالى منهم مائة ألف في ليلة واحدة، فلما أصبح شكا إلى الله ذلك، فقال الله تعالى له: إنك لما استكثرتهم عنتهم فهلا حصنتهم؟

5. وقال الدميري في حياة الحيوان75 له: رأيت بخط بعض العلماء المتقدمين من المبرزين أنه كان بخرسان رجل عائن، فجلس يوماً إلى جماعة فمر بهم قطار جِمَال، فقال العائن من أي جمل تريدون أن أطعمكم من لحمه؟ فأشاروا إلى جمل من أحسنها، فنظر إليه العائن فوقع الجمل لساعته.

6. وروى ابن عبد البر بسنده إلى سحيم بن نوفل قال: كنا عند عبد الله نعرض المصاحف فجاءت جارية أعرابية إلى رجل منا فقالت: إن فلاناً قد لقع مهرك بعينه فهو يدور في فلك، لا يأكل، ولا يشرب، ولا يبول، ولا يروث، فالتمس له راقياً؛ فقال عبد الله: لا تلتمس له راقياً، ولكن ائته فانفخ في منخره الأيمن أربعاً، وفي الأيسر ثلاثاً، وقل: لا بأس، أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا يكشف الضر إلا أنت؛ فقام الرجل فانطلق، فما برحنا حتى رجع، فقال لعبد الله: الذي أمرتني به، فما برحت حتى أكل، وشرب، وبال، وراث.76

7. وقال ابن عبد البر: روينا عن الأصمعي أنه قال: رأيت رجلاً عيوناً سمع بقرة تحلب فأعجبه صوت شخبها، فقال: أيتهن هذه؟ قالوا: الفلانية؛ لبقرة أخرى يورُّون عنها، فهلكتا جميعاً، المورَّى بها والمورَّى عنها.77

وقال الأصمعي: وسمعته يقول: إذا رأيتُ الشيء يعجبني وجدتُ حرارة تخرج من عيني.78

8. وقال الأصمعي: وكان عندنا رجلان يعينان الناس، فمر أحدهما بحوض من حجارة، فقال: تالله ما رأيت كاليوم قط؛ فطار الحوض فرقتين، فأخذه أهله، فصبوه بالحديد، فمر عليه ثانية، فقال: وأبيك لعل ما أضررت أهلك فيك؛ فتطاير أربع فرق.79

9. قال: وأما الآخر فسمع صوت بول من وراء حائط، فقال: إنه لبن الشخب؛ فقالوا: إنه فلان، ابنك! فقال: وانقطاع ظهراه؛ قالوا: إنه لا بأس عليه؛ قال: لا يبول بعدها أبداً؛ فما بال حتى مات.80
الحجر على من عرف بالإصابة بالعين من مداخلة الناس

ذهب أهل العلم في ذلك مذهبين:

1. يحجر عليه ويمنع من مداخلة الناس ويمنع من شهود الجمع والجماعات، وينفق عليه من بيت المال إن كان فقيراً.

2. لا يحجر عليه.

قال القرطبي: (من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعاً لضرره، وقد قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته، وإن كان فقيراً رزقه ما يقوم به، ويكف أذاه عن الناس، وقيل إنه ينفى، وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال، فإنه عليه السلام لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي، بل قد يكون الرجل الصالح عائناً، ولا يقدح فيه ولا يفسق به، ومن قال يحبس ويؤمر بلزوم بيته فذلك احتياط ودفع ضرر، والله أعلم).81

وقال ابن مفلح: (وللإمام حبس العائن، ذكره في "الترغيب"، وفي "الرعاية": من عرف بأذى الناس حتى بعينه ولم يكف حُبس حتى يموت؛ فظاهره يجب أويستحب لما فيه من المصلحة وكف الأذى، ونفقته من بيت المال، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحبسه، وفي "الأحكام السلطانية": للوالي فعله ليدفع ضرره لا للقاضي.

قال القاضي عياض: ينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس، ويأمره بلزوم بيته، ويرزقه إن كان فقيراً، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي صلى الله عليه وسلم دخول المسجد، ومن ضرر المجذوم الذي منعه عمر والعلماء بعدم الاختلاط بالناس، ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بتغريبها، بحيث لا يتأذى بها أحد، قال أبو زكريا النووي: هذا صحيح متعين لا يعرف من غيره تصريح بخلافه).82
من ثبت أنه قتل بعينه هل يقتاد منه ويقتص أم لا ؟

الراجح أنه لا قَوَد عليه ولا دية ولا كفارة، والله أعلم.

قال الدميري الشافعي: (العائن إذا اعترف أنه قتل غيره بالعين فلا قوَد عليه، ولا دية، ولا كفارة، وإن كانت العين حقاً، لأنه لا يفضي إلى القتل غالباً، ويندب للعائن أن يدعو له بالبركة).83


المراجع

o الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح المقدسي المتوفى 763ﻫ، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعمر القيام، الطبعة الثانية 1417ﻫ .

o التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد مرتباً على الأبواب الفقهية للموطأ لحافظ المغرب أبي عمر يوسف بن عبد البر (368-463ﻫ)، طبع 1422ﻫ .

o الجامع لأحكم القرآن لأبي عبد الله محمد الأنصاري القرطبي.

o حياة الحيوان الكبرى للدميري المتوفى 808ﻫ، الطبعة الأولى 1415ﻫ .

o الطب النبـوي لشمس الدين محمـد بن أبي بكر بن قيم الجـوزية 691-751ﻫ، راجعه عبد الغني عبد الخالق، طبع 1410ﻫ ، دار الكتب العلمية.

o فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش، الطبعة الثالثة 1419ﻫ .

o فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ أحمد بن علي بن حَجَر، نشر وتوزيع هيئة الإفتاء.

والحقيقة العين علاجها كتاب الله


والطب عاجز عن علاجها وبإعتراف الأطباء أنفسهم



والسلام

عبدالرزاق المغربي 12-Feb-2008 03:48 PM

لسحر والعين

أولاً: العين
لقد جاء في سياق قصة يوسف عليه السلام أن يعقوب عليه السلام قال لبنيه لما أرادو دخول مصر في عودتهم إليها: يَابَنِيَّ لاَ تَدخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادخُلُواْ مِن أَبوَابٍ مُتَفَرّقَةٍ وَمَا أُغنِي عَنكُم مِّنَ اللهِ مِن شَيءٍ إِنِ الحُكمُ إِلاَّ لِلهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَعَلَيهِ فَليَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ [يوسف:67].
نقل الحافظ ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية عن غير واحد من أئمة السلف، أن يعقوب عليه السلام لما جهز بنيه مع أخيهم بنيامين، أوصاهم ألا يدخلوا كلهم من باب واحد، وأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، وإنما أراد يعقوب عليه السلام من بنيه ذلك؛ لأنه خشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم، لأنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة ومنظر وبهاء.
وقال الله جل شأنه في سورة القلم مخاطباً عبده ورسوله محمداً : وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزلِقُونَكَ بِأَبصَارِهِم لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إلاَّ ذِكرٌ لِلعَالَمِينَ [القلم:52،51].
ومعنى هذه الآية كما ذكر بعض المفسرين أن المشركين لشدة بغضهم وحسدهم لنبينا محمد كادوا أن يُنفذُوهُ بأبصارهم، أي: يحسدونه ويصيبونه بالعين لما عزموا علَى ذلك، لولا أن الله حماه ووقاه منهم.
ويقول الله سبحانه: قُل أَعُوذُ بِرَبِ الفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غّاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثّاتِ فِي العُقَدِ (4) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق]، فالآية الأخيرة فيها الأمر بالاستعاذة من الحاسد، وهو الذي يبغض نعمة الله على المحسود، ويتمنى زوالها، وهذا عام يشمل إصابة المحسود بالعين، أو بأي بلية أخرى.
فدلّت هذه الآيات على أن العين حق، وهكذا دلت السنة على ذلك أيضاً، وقد شاهد الناس ولا زالوا يشاهدون كثيراً من آثار الإصابة بالعين، وقد يعرفون ذلك وقد لا يعرفونه، والتجارب عند الخاصة والعامة أكثر من أن تُذكر، فللّه كم من قتيل، وكم من معافى عاد مريضاً على فراشه لا يُعلم لمرضه سبب.
ومما ورد عن النبي في هذا الباب ما رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة أن النبي قال: { العين حق }، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ( أي الإصابة بها شيء ثابت موجود ). وقال الحافظ القرطبي رحمه الله عن ثبوت أثر العين: ( هذا قول علماء الأمة، وقد أنكرته طوائف من المبتدعة، وهم محجوبون بالأحاديث والنصوص الصريحة، الكثيرة الصحيحة، وبما يُشَاهد من ذلك في الوجود، فكم من رجل أدخلته العين القبر، وكم من جمل ظهير أحلته القدر، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى، كما قال: وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذنِ اللهِ [البقرة:103]، ولا يُلتفت إلى معرض عن الشرع والعقل، يتمسك في إنكار ذلك باستبعاد ليس له أصل ).
وقال الإمام العلاَّمة ابن القيم رحمه الله: ( إن طائفة ممن قل نصيبهم من السمع - أي الوحي - والعقل، أبطلت أمر العين - يريد بذلك بعض المتطيبين والطبائعيين - حيث قالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجاباً، وأكثفهم طباعاً، وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها. وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره، وإن اختلفوا في سببه وجهة تأثير العين ).
وقال الحافظ الخطابي رحمه الله موجهاً حقيقة الإصابة بالعين: ( إنها تضر عندما ينظر العائن لدى مقابلته شخصاً آخر، ويكون ذلك بعادة أجراها الله تعالى ). وعقَّب الحافظ ابن حجر على ذلك بقوله: ( إنه كلام سديد ).
واعلم - وقاك الله - أن الإصابة بالعين تنشأ عن أحد سببين:
الأول: شدة العداوة.
الثاني: الإعجاب بالشيء واستحسانه.
ومن أدلة صحة أمر العين وشدة ضررها:
ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : { العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين } وفي هذا تنبيه وتأكيد على سرعة نفوذ العين، وتأثيرها في إصابة الذوات.
وروى البزار وغيره عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله : { أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين } [صححه الألباني وحسنه الحافظ ابن حجر]، وقد يستغرب أو يندهش بعض الناس من ذلك، مع أن الواقع يصدقه، فكم من إنسان بسط الله عليه نعمة المال، فتعلقت نفس أحد من الناس به، فأصابت ماله آفة أو خسارة، أو ذهب جميعه، ومن الناس - وخاصة النساء - من كان على جانب من الحسن والجمال، فتعلقت بها نفس أصابتها بعاهة أو مرض أو نحو ذلك، ولذا كثيراً ما يُسمع أن هؤلاء المرضى طُرِحُوا ولا يَعرِفُ الأطباء داء ولا دواء، وتحاليلهم الطبية تفيد سلامتهم، وقل مثل ذلك عن المراكب من سيارات وغيرها.
هدي النبي في مجال اتقاء العين وعلاجها:
من ذلك: ردُّها قبل وقوعها، ويكون ذلك بأمور منها: المحافظة على الأدعية والأوراد والأذكار الموظفة في الصباح والمساء، فقد جاء النص فيها، على أن من قالها يحفظه الله ويقيه، وهي كثيرة، ومن أمثلتها: فاتحة الكتاب وآية الكرسي والمعوذتان، ومثل قول: ( أعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق )، ونحو ذلك. والناظر في أحوال الناس يجد الإخلال الكبير بذلك، وعدم الالتفات إليه، حتى مع الصبيان والأطفال الصغار يشرع أن يعوَّذوا ويحرَّزوا بالأحراز والأدعية الشرعية، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن النبي كان يعوذ الحسن والحسين بقوله: { أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، ويقول: إن أباكما - إبراهيم - كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق }.
ومن اتقاء العين أن لا تُظهر المحاسن عند من يُخشى منه ذلك، قال الحافظ البغوي في [شرح السنة]: ( روي أن عثمان ابن عفان رأى صبياً مليحاً فقال: دسموا نونته، كي لا تصيبه العين ). ومعنى دسموا: أي سودوا نونته، وهي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير.
ومن اتقاء العين قبل وقوعها أن يدعوا المرء بالبركة إذا رأى ما يعجبه، وذلك بأن يقول: بارك الله لك فيه، أو: اللهم بارك عليه، ونحو ذلك، فإن من حكمة الباري وقدره أن الضرر يندفع حينئذ بإذنه تعالى، يدل على ذلك: ما صح عند مالك وابن ماجة وغيرهما عن أبي أمامة سهل بن حُنيف، قال: مرَّ عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل، فقال: لم أَرَ كاليوم، ولا جلد مخبأة - يريد بذلك نضارة جلده وصفاء بشرته كالفتاة العروس التي لم ترها العيون، ولم تبرز للشمس فتغيرها - قال: فما لبث أن لبط به - أي صرع وسقط على الأرض - فأُتي به النبي ، فقيل له: أدرك سهلاً صريعاً، قال: { من تتهمون به؟ } قالوا: عامر بن ربيعة، قال : { علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه، فليدعُ له بالبركة } ثم دعا بماء، فأمر عامراً أن يتوضأ، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه، وداخلة إزاره، وأمر أن يُصب عليه. قال الزهري: ( وأمره أن يكفأ الإناء من خلفه، وفي بعض الروايات: أنه قام ليس به بأس ).
وفي الحديث بيان لعلاج العين، وذلك بأن يؤخذ من العائن الماء الذي غسل به مواضع الوضوء منه وبعض ملابسه الملامسة لجلده، وخاصة مما يلي الورك، ثم يُصبُّ على المعيون من خلفه.
ولذا جاء عند مسلم قوله : { وإذا استغسلتم فاغسلوا } والمعنى إذا طُلب من الشخص ماء وضوئه وغسله بعض ثيابه فليفعل ولا يغضب لذلك.
والواجب على من ظن من نفسه أنه يصيب بالعين، أن يتقي الله ويتجنب ما يفضي به إلى ذلك، بأن يكثر من ذكر الله ويبارك للناس وألا يحسدهم على ما آتاهم الله، فإنه إذا حسدهم فكأنما يعترض على ربه، وذلك خسران مبين، علاوة على ما يكون في قلبه من الوحشة والكآبة والحزن.
ومما تعالج به العين - بعد وقوعها - الرقية الشرعية، التي دل عليها الشرع المطهر، مما جاء في الكتاب والسنة، مثل الفاتحة وآية الكرسي والمعوذتان، وهكذا ما صح عن النبي ، ومن ذلك رقية جبريل للنبي وهي قوله: ( باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك )، ونحو ذلك مما هو مبين في موضعه.
قال العلاَّمة ابن القيم رحمه الله: ( ومن جرَّب هذه الدعوات والعوذ، عرف مقدار منفعتها، وشدة الحاجة إليها، وهي تمنع وصول أثر العائن، وتدفعه بعد وصوله، بحسب قوة إيمان قائلها، وقوة نفسه واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه، فإنها سلاح، والسلاح بضاربه ).
تبيهات:
الأول: الإصابة بالعين قد تكون من الإنس، وقد تكون من الجن، ومما يدل ذلك ما رواه الشيخان، البخاري ومسلم، عن أم سلمة زوج النبي ؛ أنه عليه الصلاة والسلام رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، أي أنه لاحظ في وجهها تغيراً، فقال : { استرقوا لها، فإن بها النظرة }. قال الحافظ البغوي رحمه الله: ( أراد بالنظرة العين، يقول: بها عين أصابتها من نظر الجن، وقيل: عيون الجن أنفذ من أَسنَّة الرماح ).
ولا شك أن الإنسان إذا تجرد من ملابسه لتغييرها، أو عند قضاء الحاجة ونحو ذلك، فإن ذلك أدعى لإصابته بالعين، ولذا حث النبي على الاحتراز من نظر الجن، بذكر اسم الله تعالى، يبين ذلك ما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن النبي أنه قال: { ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدكم الخلاء - وفي رواية: إذا وضع أحدهم ثوبه - أن يقول: بسم الله }.
الثاني: ينبغي الاحتراز لمن كان مهيَّأ للإصابة بالعين، بسبب صحته أو حسنه ونحو ذلك، وألا يعرض للإصابة بالعين، وأعني بذلك مثل ما يقع من بعض النساء إبداء محاسنهن أو محاسن بناتهن بشكل فاضح، وخاصة في المناسبات والأفراح ونحوها، والواقع شاهد بذلك وبكثير من عواقبه المؤلمة. وفي هذا يقول الشاعر:
ما كان أحوج ذا الكمال *** إلى عيب يوقيه من العين
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله قال: رخَّص رسول الله لآل حزم في رقية الحية، وقال لأسماء بنت عميس: { ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة، تصيبهم الحاجة؟ } يعني أن أجسامهم نحيلة ضعيفة، وهم أولاد جعفر بن أبي طالب، فقالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، فقال: { ارقيهم }، قالت: فعرضت عليه - أي الرقية - فقال: { ارقيهم }.
الثالث: أن بعض الناس إذا طلبوا العلاج بالرقى، لم يتحرَّوا ذلك عند من عُرف بصحة عقيدته، وسلامة مقصده ومنهجه، وكونه من أهل العلم، ولذلك يوجد من الناس من يتوجه إلى السحرة والمشعوذين وذوي المقاصد السيئة، الذين يفسدون أكثر مما يصلحون، حتى أن من أولئك من يأمر بأشياء محرمة أو بدعية أو شركية - نسأل الله السلامة، فالواجب على من طلب العلاج بالرقى أن يحذر ويتبين في أمره.
ومما ينبغي أن يعلم أن الرقية لا تكون شرعية جائزة إلا إذا توفر فيها شروط:
الأول: أن تكون بالقرآن، أو مما جاءت به السنة المطهرة.
الثاني: أن تكون بلسان عربي، معروفاً معناها.
الثالث: أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله الذي جعلها سبباً، مع الحذر من تعليق التمائم أو الحروز المحرمة.
الرابع: وجوب التوكل على الله تعالى وتفويض الأمور إليه، مع فعل الأسباب، والحذر من التوهمات والوساوس التي لا أساس لها، ولنتأمل قول الله تعالى على لسان نبيه يعقوب عليه السلام: وَمَا أُغنِي عَنكُم مِّن اللهِ مِن شَيءٍ إِنِ الحُكمُ إِلاَّ لِلهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَعَلَيهِ فَليَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ [يوسف:67].
الخامس: ليعلم أن ما تقدمت الإشارة إليه من أمر العين واتقائها وعلاجها، إنما ينتفع به من صدق بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ، وأما من تشكك في ذلك وتردد فيه فقلَّ أن ينتفع بعلاج.
ثانياً: السحر
قال تعالى: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلكِ سُليمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِمُونَ النَّاسَ السِّحرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِن أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحنُ فِتنَةٌ فَلاَ تَكفُر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ المَرءِ وَزَوجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلا بِإِذنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُم وَلاَ يَنفَعُهُم وَلَقَد عَلِمُواْ لَمَنِ اشتَرَاهُ مَالَهُ فِي الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئسَ مَا شَرَواْ بِهِ أَنفُسَهُم لَو كَانُواْ يَعَلَمُونَ [البقرة:102].
أخي الكريم: هذه الآية أصل في تحريم السحر وتبشيعه والتحذير منه، والسحر هو ما يتعاطاه السحرة من العقد والنَّفث والأدوية وغيرها، مما يتلقَّونه من الجن والشياطين ليتوصلوا به إلى مآربهم الخبيثة؛ من المرض والقتل والتفريق بين الزوجين ونحو ذلك. ويدخل في هذا الصرف والعطف، والصرف: هو عمل سحري يصرف الشخص عما يهواه، والعطف: عمل سحري كذلك لكنه يعطف الإنسان عما يهواه إلى محبته بطرق شيطانية.
والسحر له أنواع عدة؛ لكنها ترجع إلى قسمين:
الأول: ما يكون بالعقد والنفث والأدوية الضارة، وهو كسحر لبيد بن الأعصم اليهودي - قبَّحه الله - عندما سحر النبي .
الثاني: ما يكون بالتخييل والتلبيس والتزوير، كما قال الله تعالى عما صنعه سحرة فرعون: يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِن سِحرِهم أَنَّهَا تَسعَى [طه:66]، وقال: سَحَرُواْ أَعيُنَ النَّاسِ وَاستَرهَبُوهُم [الأعراف:116].
ومن المعلوم أن رسول الله قد سُحر كما تقدم، وهذا ثابت في الصحيحين، فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي سحر، ( حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله ). وفي رواية: ( حتى كان أنه يأتي النساء - أي زوجاته - ولا يأتيهن ).
ومن حكمة الله تعالى ولطفه أن ذلك لم يؤثر في تبليغ الرسالة شيئاً فإنه معصوم، ومن الحكمة في ذلك أن يعلم الناس أنه بشر يصيبه ما يصيبهم، ولأجل أن يعملوا علاج هذا الداء، فما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء.
أخي الكريم: إن تعلُّم السحر وتعليمه وتعاطيه من كبائر الذنوب وموبقاتها، وقد يؤدي ذلك بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله، لما فيه من الاستعانة بالجن والشياطين والخضوع لهم؛ ولذا جاء تحريم السحر في سائر الشرائع، قال تعالى: وَلاَ يُفلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى [طه:69]، وبين الله سبحانه عاقبة الساحر فقال: وَلَقَد عَلِمُواْ لَمَنِ اشتَرَاهُ مَا لهُ فِي الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ [البقرة:102]، والمعنى: أن من تعاطاه وتعلمه فما له عند الله في الآخرة من حظ ولا نصيب بل له الخسارة الفادحة والخزي الأكبر، ثم قال تعالى: وَلَو أَنَّهُم آمَنُوا وَاتَّقواْ لَمَثُوبَةٌ مِّن عِندِ اللهِ خَيرٌ لَّو كَانُواْ يَعلَمُونَ [البقرة:103]، فدل على أن السحر ضد الإيمان والتقوى، وبهذا استدل من قال بكفر الساحر ضمن أدلة أخرى.
كما حذر النبي أيضاً من السحر وتعاطيه أو الرضا به والذهاب إلى من يتعاطونه، وجاء في ذلك عنه التهديد الشديد والوعيد الأكيد، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي قال: { اجتنبوا السبع الموبقات } قالوا: وما هن؟ قال: { الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس... } الحديث. وسميت موبقات لأنها مهلكات لمن تلَّبس بهن. وبدأ بالشرك لأنه أعظم الذنوب ثم ذكر السحر بعده لأن الغالب أن السحر يؤدي بصاحبه للشرك والكفر بالله، ولأن السحر أعظم ما يكون في الجناية على بني آدم، فهو يفسد على المسحور أمر دينه ودنياه، حتى يجعله كالبهائم بل أسوأ من ذلك بالنظر إلى ما يلحقه من القلق والضيق الشيء العظيم.
وثبت: عن جندب أنه قال: ( حدُّ الساحر ضربه بالسيف ).
وفي هذا قصة أوردها الحافظ ابن كثير في تفسيره قال: ( كان عند الوليد بن عقبة ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل، ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله، يحيي الموتى! فرآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان من الغد جاء مشتملاً على سيفه، وذهب الساحر يلعب لِعبة ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقاً فليحي نفسه، وتلا قوله تعالى: أَفَتَأتُونَ السِحَر وَأَنتُم تُبصِرُونَ [الأنبياء:3] ) [ورواها البيهقي بسند صحيح].
وثبت في الصحيحين والمسند عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر.
وصح عن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقُتلت [رواه البيهقي].
قال بعض العلماء: إن الساحر يقتله ولي الأمر ولا يستتيبه، فتوبته لا تمنع قتله، بل توبته بينه وبين الله، ويُقتل لأنه ربما كذب في إظهاره التوبة، فإذا تُرك عظم ضرره على الناس، ولذا متى ثبت سحره وجب قتله حماية للمجتمع من شره وضرره. ولذا جاء الوعيد في الذهاب إلى من عُرف بسحر أو كهانة فقال عليه الصلاة والسلام: { من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد }.
أخي الكريم: قد يُبتلى بعض الناس بشيء من الأسقام فيضطر للذهاب إلى من يسمع عنهم أنهم يعالجون بالطب الشعبي أو بالرقى والتعاويذ، فينبغي على من ذهب إلى أولئك أن يتبين حالهم ويتوثَّق من صحة عقيدتهم وسلامة منهجهم وخلوهم من البدع، وهل هم عالمون حقيقة بما يصنعون أم أنهم ممن يتخرصون أو ممن يشعوذون ويدجِّلون، ولذا فقد وُجد عند بعضهم تصرفات تدل على دجلهم وشعوذتهم. ومن ذلك: أن بعضهم يطلب من المريض أن يضع المصحف في النجاسات، وبعضهم يأمر المريض بذبح شاة لا يذكر اسم الله عليها، وبعضهم يطلب شيئاً من ملابس المريض، أو يأمره باعتزال الناس والجلوس في الظلام، وألا يمس الماء، أو يعطيه ما يسمى الحجاب، ويحتوي على مربعات بداخلها حروف وأرقام وطلاسم غير معروفة، وبعضهم يزعم أنه يستطيع أن يوجد المحبة بين الزوجين أو يفرق بينهما، أو يأتي بالعقد ويتمتم بكلام غير مفهوم، وغير ذلك من أساليبهم المريبة التي تدل بمجموعها على أن صاحبها ممن يستعين بالجن والشياطين. ولا شك أنه لا يجوز للمسلم أن يذهب إلى هؤلاء المشعوذين ولا أن يصدقهم أو يتعاطى علاجهم. ومن الناس من يتعرض للسحر فيذهب إلى ساحر آخر ليحل عنه السحر، وهذا أيضاً أمر محرم.
وعلى المسلم أن يتحصَّن بالأوراد الشرعية والأدعية والأذكار النبوية طرفي الليل والنهار ليسلم من شر أولئك الناس، وإذا أصيب بأذى - لا قدر الله - فعليه بالرقى الشرعية من آيات القرآن العظيم والأدعية الواردة في السنة المطهرة، وغير ذلك من الأسباب الشرعية المباحة. ومن ذلك قراءة آيات السحر الواردة في سورة يونس والأعراف وطه، يقرؤها في ماء ثم تُصب على رأس المسحور. ومن الأسباب المباحة أيضاً أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم توضع في ماء ويقرأ عليها آية الكرسي وسورة الإخلاص والفلق والناس والكافرون، ثم يشرب منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، فلعل له في ذلك شفاء مما يجد بإذن الله، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري، والعلامة ابن القيم في زاد المعاد، والشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ في فتح المجيد. وهذا من الأسباب الشرعية المباحة.
أخي الكريم: ينبغي على المسلم أن يحذر من أعمال السحرة والمشعوذين، خاصة في هذا الزمان الذي كثر فيه من يلبس الحق بالباطل، وقد قال الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في مسائل باب السحر من كتاب التوحيد قال: ( وجود هذا - يعني السحر - في المسلمين في عهد عمر، فكيف بعده؟ ).
أجل صدق رحمه الله، فإذا كان السحر موجوداً زمن الخليفة الراشد عمر، بل في عهد رسول الله ، فكيف بما بعده من العصور؟ فهو أكثر انتشاراً بين المسلمين، وكلما بعد الناس عن زمن الرسالة استولت عليهم الضلالة والجهالة، وهذا أمر مشاهد؛ فكم رأينا وسمعنا بمن يعاني الويلات والشدائد بسبب أعمال أولئك المبطلين من السحرة والمشعوذين. طهَّر الله مجتمعات المسلمين من رجسهم.
أسأل الله أن يحفظني وإياكم وسائر المسلمين من كل سوء وبلاء وفتنة، وأن يهدينا سواء السببيل


الحقيقة العلاج كتاب الله


لقد تفوق كتاب الله فى علاج العين الطبيب نفسه يحتاج إلى هدا العلاج الربانى وإلا أصيب هو الأخر من العين


الــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـين



حـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــق


لاعلاج إلا كتاب الله سبحانه عما يشركون


والسلام


الساعة الآن 02:08 PM.

Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
سبحان الله وبحمده :: سبحـان الله العظيم

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42