![]() |
الحكمة من خلق الأضداد ، ومن جملتها الشيطان ...
إن الاستقامة على الدين ، وملازمة المنهج المستقيم شأن عظيم وخطب جسيم لا يتصدى لإحصائه إلا من فاز بالقدح المعلى ونال المقام الأسنى وهي رتبة الأنبياء أما بقية البشر فبين عجز وقدرة ورعاية وإهمال وتقصير وإكمال ومراقبة وإغفال وبين جد وفتور .
ولما كان خلق الأضداد والمقابلات وترتيب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية ، كان من إتمام نعمته تعالى على عباده أن يخلق ذواتا وأسبابا وأعمالا وأخلاقا وشهوات وطبائع تقتضي عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه وجهاد النفس ومنعها من خوضها وشهواتها محبة لله وإيثارا لمرضاته وطلبا للزلفى لديه والقرب منه . ولما كانت الأضداد والأسباب توجب ذلك كان هذا العالم لا يكمل نظامه إلا بوجود الشر فيه ومن جملته الشيطان فلا تخلو الأرض من نزغاته وهمزاته ونفثاته فتطمس وجه القلب وتذهب بحياته وذهاب حياة القلب يوهن عقد الإيمان ويرخي عراه ويخمد توقده فيجد العدو سبيلا إلى إهاجة النفس وشهواتها وأمانيها واغترارها فإذا هاجت النفس هاجت رياح الهوى فنسفت النفس والقلب والأركان فرمته في آبار المعاصي وفيها يكون هلاكه إن لم يتداركه توفيق الله ، فيلجأ إلى حصن الله ومعقله وهو التوبة والاستغفار والإيمان والعمل الصالح وذلك ليحبط الإيمان الكفر ، ويحبط إصلاحه في الإيمان ما تقدم من إفساد في الكفر فإن وفى فأجره على الله وأن أخطأ الطريق فلا يلومن إلا نفسه . فإذا امتن الله تعالى على عبده بفقه هذه الحقيقة فانتبه من نومه وأفاق من سكره وانقلب راجعا إلى مولاه ، ونظر إلى نفسه فوجدها مشحونة بذنوب اكتسبها وسيئات اقترفها ، وتفقد ما مضى من أيامه وتفكر فيها ، وعلم أنه لابس من المعاصي شيئا كثيرا ، وعرف حكم أفعاله ، وعظم عليه عقاب الله وسخطه وتهديده ووعيده ، وانبعث منه الندم على ما فرط فيه من حق الله رجاء ثوابه ، ووقف بين يدي الله مطيعا عازما على الرجوع إليه ، ودعاه رغبا ورهبا أن يرده إليه رداً جميلاً ، وترك ما سبق من الذنوب والسيئات والمحرمات مخافة عقوبة الله تعالى ، وأتبع ذلك عملا صالحا ، وظهر عليه خلاف ما كان يعمل ، واستبدل بالعلم الجهل ، وبالتواضع الاستكبار ، الجحود ، الاستهزاء ، الغفلة ، فله حكم التائبين . قال الله تعالى : ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً #وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ). فالتوبة هي المخرج وطوق النجاة الذي جعله الله للعبد العاصي مما وقع فيه من المعاصي ، فإن فعل فقد تخلص من شر الذنوب والآثام ، وإن لم يفعل كان مصرا على المعصية ، ظالماً لنفسه غير متق وملازماً لأسباب الهلكة. قال سبحانه : ( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ). وللنجاة من هذه العاقبة أمر الله عباده المؤمنين من أولهم إلى أخرهم بالتوبة ولم يستثني من ذلك أحد وعلق فلاحهم بها فقال : ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) والذنوب لا تنافي الكمال ، إلا مع البقاء على ذلك وعدم الرجوع وإلا فالتوبة النصوح التي يقبلها الله يرفع بها صاحبها الى أعظم مما كان عليه ، فالاعتبار بكمال النهاية لا بما جرى فى البداية وأكمل الخلق أكملهم توبة وأكثرهم استغفاراً ؛ ولذلك كان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام خير خلق الله ، فهم أعرف بالله وأشدهم له خشية وكانوا أقوم الناس بالتوبة . وقد دلت أسماء الله الحسنى كالغفار والحليم والتواب والعفو وصفاته العليا كصفة الكرم والحلم والغفران أنه لم يكن ليجعل البشر كالملائكة مجبولين على التنزه من الذنوب ، فهو سبحانه لمحبته للعفو والتوبة خلق خلقه على صفات وهيئات وأحوال تقتضي توبتهم إليه واستغفارهم وطلبهم عفوه ومغفرته . ولو أنهم كانوا مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة لأتى بخلق يأتي منهم الذنب ، فيتجلى عليهم بمقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا ، فإن التواب يستدعي مذنباً كما أن الغفار يستدعي مغفوراً ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم )، وقد وعد الله ، ولا خلف في وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها فمن أذنب وتاب واستغفر ربه من ذنبه فقد تأسى بالسعداء من الأنبياء والرسل كآدم - عليه السلام - وغيره من التائبين ، ومن أصر على ذنبه ، فقد تأسى بالأشقياء كإبليس ومن اتبعه من الغاوين عندما أبى السجود واستكبر وأصر على معصيته ، فاستحق الطرد من الجنة واللعن والصغار. أسأل الله أن يمن علينا بتوبة نصوح تبدل سيئاتنا حسنات ...آمين . |
اللهم تب علينا انك انت التواب الرحيم واغفر لنا انك انت الغفور الرحيم
|
|
| الساعة الآن 12:47 AM. |
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
سبحان الله وبحمده :: سبحـان الله العظيم