دار الرقية الشرعية

دار الرقية الشرعية (http://rougyah.com/vb/index.php)
-   قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي (http://rougyah.com/vb/forumdisplay.php?f=71)
-   -   ملخص الدرس الرابع(توحيد) من التفريغ (http://rougyah.com/vb/showthread.php?t=8612)

الطير الحر 17-Oct-2006 04:06 PM

ملخص الدرس الرابع(توحيد) من التفريغ
 
ملخص الدرس الرابع(توحيد) من التفريغ

--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم
تلخيص الدرس الرابع(توحيد)
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾).
قال المؤلف -رحمه الله-: (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) في لقائنا السابق عرفنا أن الباب هو المدخل إلى الشيء، وفي العلم يعقد المصنفون وأهل العلم أبوابا عديدة يكون كل بابا منها جامعًا لمسائل أو دلائل تختص بالترجمة التي هي عنوان الباب، وعرفنا أن الشيخ -رحمه الله- قسم كتابه التوحيد إلى أبواب تزيد على الستين بابا، فهذا الباب عقده لبيان فضل التوحيد، قال: (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) فضل التوحيد، أي: فضائله لأن التوحيد له فضائل كثيرة، ومنافع عديدة، وآثار طيبة، والمفرد إذا أضيف -القاعدة فيه عند أهل العلم- يعم، فـ"باب فضل التوحيد" أي: باب عقد لبيان فضائل التوحيد وثماره وآثاره المباركة التي لا تعد ولا تحصى.
قال: (وما يكفر من الذنوب) ما يكفر هنا "ما" يحتمل أن يكون مصدرية ويحتمل أن يكون موصولة، إذا كانت موصولة يكون الباب (باب فضل التوحيد) والذي يكفره من الذنوب، وإذا كانت مصدرية يكون الباب باب فضل التوحيد وتكفيره الذنوب، والأولى أن تقدر مصدرية؛ لأنها إذا قدرت موصولة قد يتوهم أو يظن أن التوحيد يكفر بعض الذنوب لا بعض، باب فضل التوحيد والذي يكفره من الذنوب، فقد يتوهم أو يظن أنه يكفر بعضًا دون بعض، وليس هذا هو المراد؛ ولهذا قال أهل العلم: الأولى أن يكون تقديرها مصدرية لا موصولة.
(باب فضل التوحيد وما يكفره من الذنوب) أي أن من فضائل التوحيد تكفير الذنوب، وهذا كما بين أهل العلم من عطف الخاص على العام، ما معنى ذلك؟ التوحيد له فضائل كثيرة من جملة هذه الفضائل ماذا؟ تكفيره الذنوب، من جملة هذه الفضائل تكفيره للذنوب، فالتوحيد له فضائل سيأتي معنا في هذه الترجمة جملة مباركة منها.
بدأ أولَ ما بدأ في سَوْق الأدلة على هذه الترجمة بإيراد قول الله -سبحانه وتعالى- في سورة الأنعام ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾ [الأنعام: 82] وهذه الآية الكريمة تدل على فضيلة عظيمة للتوحيد ألا وهي أن التوحيد سبب الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة، لأن الله -عز وجل- ختم الآية بقوله: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ إذن هاتان فضيلتان للتوحيد أنه سبب للأمن وسبب للاهتداء.

الطير الحر 17-Oct-2006 04:07 PM

قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُو﴾ ما معنى ﴿يَلْبِسُو﴾؟ أي: يخلطوا، واللبس الخلط، آمن دون أن يخلط إيمانه، واللبس هو ما يغطي الشيء ويحيط به، وليس من الذنوب ما من شأنه أن يغطي الإيمان ويمسح أثره إلا الشرك؛ ولهذا فإن المراد بالظلم في الآية هو الشرك لا سائر الذنوب، فقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك، وقد جاء في السنة الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تفسير الظلم بذلك؛ لأن الصحابة كما في المسند وغيره لما نزلت هذه الآية شق عليهم أمرها، لما نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾ شق أمر الآية على الصحابة، وأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ ظنوا أن المراد بالظلم ماذا؟ ظنوا أن المراد بالظلم ظلم النفس بفعل المعاصي، وهنا ينبغي أن نعلم -معاشر الإخوة- أن الظلم ثلاثة أنواع، ودواوين الظلم يوم القيامة في ثلاثة، وهذا ثبت به حديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (دواوين الظلم ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وديوان لا يتركه الله، وديوان لا يعبأ الله به؛ أما الديوان الذي لا يغفره الله فهو الشرك، وأما الديوان الذي لا يتركه الله فهو ظلم العباد بعضهم لبعض حتى يقتص للمظلوم من ظالمه، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به فهو ظلم العبد لنفسه فيما دون الشرك) .
الآن عرفنا دواوين الظلم الثلاثة، الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ما المراد بالظلم هنا؟ النوع الأول، نأخذ هذا التفسير من السنة؛ لأن الصحابة سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الآية ففسر لهم ذلك قال: (ليس هذا أما قرأتم قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾) [لقمان: 13] والمراد بالظلم هنا في الآية تحديدا الشرك بالله، ويأتيكم هنا سؤال لماذا سمي الشرك في الآية وفي آيات عديدة بالظلم؟ لماذا سمي ظلما؟ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فهل هناك أعظم من أن يضع الإنسان العبادة في غير موضعها، العبادة حق لله فإذا صرفت لغير الله وضعت في غير موضعها وهذا أظلم الظلم؛ ولهذا الشرك ظلم بل هو أظلم الظلم، وقد قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] فالشرك ظلم؛ بل هو أظلم الظلم، وقوله ﴿لَمْ يَلْبِسُو﴾ أيضًا كما استنبط بعض أهل العلم من قوله: ﴿لَمْ يَلْبِسُو﴾ استنبط أن المراد بالظم هنا الشرك؛ لأن الذي يلبس الشيء هو ما يغطيه، وليس شيء يغطي الإيمان ويعفي أثره مثل الكفر والشرك بالله.

الطير الحر 17-Oct-2006 04:08 PM

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوا توحيدهم وإيمانهم بشرك ما هي الثمرة؟ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ إذن الأمن والاهتداء ثمرة للتوحيد والبعد عن الشرك وهذا هو مقصود الترجمة، إذن الآية دلت على أن أهل التوحيد البعيدين عن الشرك هم أهل الأمن وأهل الاهتداء في الدنيا والآخرة.
هنا نريد أن نصل إلى فائدة، تؤخذ من الآية ما هي أقسام الناس من حيث تحصيلهم للأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة؟ ما القسمة التقديرية هنا؟: الناس في حظهم من الأمن والاهتداء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
قسم أهل الأمن التام والاهتداء التام: وهؤلاء هم الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك وأيضًا كملوا إيمانهم وتمموه بالعبد عن الذنوب والبعد عن المعاصي والتوبة منها وحسن الإقبال على الله -سبحانه وتعالى- فهؤلاء ما هو حظهم من الاهتداء؟ التام الكامل.
القسم الثاني: عنده التوحيد ولكنه ظلم نفسه بالمعاصي والذنوب، فهذا ينتفي عنه الأمن والاهتداء كلية أو له حظ من الأمن والاهتداء؟ له حظ من الأمن والاهتداء، إذن إيمانه ناقص فأمنه واهتداؤه ناقص مثلما قال زميلكم: بحسب قدر التوحيد وقدر الإيمان.
والقسم الثالث: من ليس له أمن ولا اهتداء وهو من؟ المشرك.
والآن ننتقل إلى الدليل الثاني عند المصنف -رحمه الله-.
قال المصنف -رحمه الله-: (عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) أخرجه)

الطير الحر 17-Oct-2006 04:10 PM

هذا الحديث العظيم حديث عبادة بن الصامت قال عنه الإمام النووي صاحب رياض الصالحين وصاحب الأربعين إمام مشهور، قال: هذا الحديث من أجمع أو أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد. وفعلا حديث جامع، جامع لعقائد الإيمان وموجبات دخول الجنة، وقد ختمه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) والشاهد من الحديث للترجمة قوله: (أدخله الله الجنة) أي: أدخله الله الجنة، فهذه ثمرة من ثمار التوحيد المباركة، أنه سبب لدخول الجنة، وصاحب التوحيد هو من أهل الجنة ومآله إلى جنات النعيم، والحديث اشتمل على بيان توحيد الله -عز وجل- بالعبادة وإخلاص الدين له، وأيضًا تجريد المتابعة والإيمان بالرسول -عليه الصلاة والسلام- وغير ذلك من أمور الإيمان التي يأتي بيانها على وجه الاختصاص.
بدأ أول ما بدأ -عليه الصلاة والسلام- بهذه الإيمانيات العظيمة والعقائد المتينة في هذا الحديث، بدأ أول ما بدأ بقوله: (من شهد أن لا إله إلا الله) وهذا أعظم المطالب وأجل المقاصد على الإطلاق شهادة أن لا إله إلا الله.
شهد أن لا إله إلا الله أي: أقر واعترف وآمن وأذعن بأن لا إله إلا الله، وهذه الشهادة تتطلب من الشاهد حتى تكون شهادته حقًا وصدقا -تتطلب منه أمورا ثلاثة: العلم، والعمل والصدق، العلم بما شهد، والعمل بما شهد، وأن يكون أيضًا صادقا في هذه الشهادة، فهذه أمور ثلاثة لابد منها.
فمن شهد أن لا إله إلا الله حتى تكون شهادته أن لا إله إلا الله صحيحة مقبولة، مجزية نافعة لابد من أمور ثلاثة: علم وعمل وصدق، فإذا كانت شهادته عن علم كما قال الله -عز وجل-: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] قال بعض المفسرين: إلا من شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون ما شهدوا به، وجاء في صحيح مسلم من حديث عثمان -رضي الله عنه-: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) فلابد من العلم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد: 19] لابد من العلم.
ولابد من العمل، لا إله إلا الله لها مقتضيات وموجبات، مقتضيات لهذه الشهادة، فلابد من العمل بها.

الطير الحر 17-Oct-2006 04:10 PM

ولابد أيضًا أن يكون قائلها صادقا لا يشهد بها بلسانه بل بل يواطئ قلبه لسانه، يكون صادقا من قلبه، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة).
لاحظوا معي "لا إله إلا الله" إنما تكون نافعة مجزية الشهادة بها، إذا توفرت أمور ثلاثة: العلم والعمل والصدق، إذا وجد العلم خرج الإنسان وبرئ من طريقة النصارى الذين يعملون ولا يعلمون على ضلالة، وإذا وجد العمل خرج من طريقة اليهود الذين يعلمون ولا يعملون، وقد جاء في حديث يرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه قال: (من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى) لماذا؟ لأن أولئك يغلب عليهم العلم بلا عمل، وأولئك يغلب عليهم العمل بلا علم.
إذن هذا هو معنى الشهادة: "أشهد أن لا إله إلا الله" يعلم ويكون صادقا بهذه الشهادة ومحققا لمقتضياتها، وسيأتي معنا أيضًا أن هذه الكلمة لا تكون مقبولة من قائلها إلا بشروط ذكرها أهل العلم مأخوذة بالاستقراء لكتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-.

الطير الحر 17-Oct-2006 04:11 PM

إذن هذا هو معنى الشهادة: "أشهد أن لا إله إلا الله" يعلم ويكون صادقا بهذه الشهادة ومحققا لمقتضياتها، وسيأتي معنا أيضًا أن هذه الكلمة لا تكون مقبولة من قائلها إلا بشروط ذكرها أهل العلم مأخوذة بالاستقراء لكتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-.
(من شهد أن لا إله إلا الله) لا إله إلا الله قلنا ونؤكد: أن كلمة التوحيد تتضمن النفي والإثبات وهما ركنان للتوحيد
من وجد منه الإثبات دون النفي مشرك، ومن وجد معه النفي دون الإثبات هذا ملحد.
إذن لا توحيد إلا بنفي وإثبات، نفي العبادة عن كل من سوى الله، وإثباتها لله وحده (لا إله إلا الله) هذا المعنى إذا لم يفهم ونطق الإنسان بهذه اللفظة هل يكون حققها؟ إذا نطق الإنسان باللفظ لا إله إلا الله لكنه لا يدرك ما تدل عليه هذه الكلمة من النفي والإثبات؟ المشركون الذين بعث فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله تفلحو) ماذا قالوا: ذكر الله -عز وجل- جوابهم في القرآن: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿5﴾﴾ [ص: 5] من أين قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدً﴾ من أين أخذوا هذا؟ من كلمة "لا إله إلا الله"، وفَهِمَ المعنى، فَفَهْم المعنى لابد منه حتى يكون الإنسان من أهل هذه الكلمة، فهْم مدلول هذه الكلمة، والعمل بها والصدق بقولها.
ثم قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)) هنا الشهادة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة أرسل لأجل ماذا؟ حتى نعرف معنى الشهادة له بالرسالة؟ أرسل لماذا؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ ...﴾ أكلموا الآية ﴿ ... إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: 64] الرسل أرسلوا لأجل أن يطاعوا، إذن مقتضى الشهادة له بالرسالة طاعته؛ ولهذا قال الشيخ -رحمة الله عليه- في كتابه "الأصول الثلاثة": "شهادة أن لا إله إلا الله" طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فهذه شهادة أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الطاعة، الأوامر تفعل النواهي تترك وتجتنب والأخبار تصدق ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: 64]

الطير الحر 17-Oct-2006 04:12 PM

لاحظوا معي هنا، قال: (ومن شهد أن محمدًا عبده ورسوله) ذكر أمرين نشهد لنبينا -صلى الله عليه وسلم- بهما العبودية والرسالة، وهو -صلوات الله وسلامه عليه- كمل مقام العبودية أكمل تتميم، وأيضًا كمل مقام الرسالة أكمل تتميم، ووفى -عليه الصلاة والسلام- بالعبودية وقام بها خير قيام، وأيضًا وفى بالرسالة فبلغ أكمل بلاغ -صلوات الله وسلامه عليه-.
(شهد أن محمدًا عبده ورسوله) هذه الشهادة له -عليه الصلاة والسلام- بالعبودية والرسالة تعطي الشاهد اعتدالا في هذا الباب، بين الغلو والجفاء والإفراط والتفريط، والناس في هذا الباب ثلاثة أقسام: غالٍ وجافٍ ومتوسط، وخيار الأمور ماذا؟ أوساطها لا تفريطها ولا إفراطها، فالذي يشهد بأنه عبد ورسول يكون معتدلا فيه، لاحظوا معي: من شهد أنه عبد هل العبد يُعْبَد؟! هل يصرف له شيء من العبادة؟! إذن ينتفي الغلو في إيمان الإنسان بأنه عبد إيمانه ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110] ﴿بَشَرٌ﴾ عبد ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ رسوله، فالذي يؤمن يؤمن بأنه عبد، العبد لا يُعْبَد، الله المعبود، العبد لا يُعْبَد؛ لأن العبادة للمعبود وهو الله -سبحانه وتعالى- العبد لا يُعْبَد، لا يستحق شيء من العبادة.
ثم قال: (وشهد أن عيسى عبد الله ورسوله) أيضًا في عيسى -عليه السلام- لا إفراط ولا تفريط (عبد الله ورسوله) "عبد الله" هذا يبطل الغلو الذي وقع فيه النصارى في شأن نبي الله عيسى، ماذا قالوا؟ قالوا: ابن الله، قالوا: ثالث ثلاثة، وهذا غلو، هو عبد من عبيد الله وهو مخلوق لله -سبحانه وتعالى- خلقه الله وأوجده فهو عبد من عبيد الله فلا يقال في العبد أنه ابن لله أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك من الضلالات التي يقولها النصارى.

الطير الحر 17-Oct-2006 04:12 PM

(ورسوله) فيه رد على اليهود وأيضًا جميع الجفاة في حقه، اليهود -قاتلهم الله- قالوا: إنه ابن بغي والعياذ بالله، فهل يقال هذا في رسول من أولي العزم من الرسل؟ خيارٌ من أفاضل عباد الله هل يقال فيه هذا؟ هذا من الجفاء، ومقالة النصارى فيه من الغلو، والاعتدال في ماذا؟ في الوسطية.
جاء في بعض روايات الحديث: (من شهد أن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته) وهذا فيه رد على اليهود، الشاهد إذن لابد من الوسطية.
قال: (وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) عيسى كلمة الله، ما معنى عيسى كلمة الله؟ هل عيسى هو نفس الكلمة؟ لا ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿59﴾﴾ [آل عمران: 59] فعيسى بالكلمة كان، ليس عيسى -عليه السلام- هو الكلمة، ليس عيسى هو كلمة "كن" وإنما بالكلمة كان، وقيل: كلمة الله لأنه بالكلمة، فالمصدر إذا أضيف إلى الله قد يراد به الصفة وقد يراد به أثر الصفة وهذه فائدة، المصدر مثل "الرحمة" إذا أضيفت إلى الله تارة يراد بها الصفة وتارة يراد بها أثر الصفة وهذا يعلم من السياق، عندما نقول: المطر رحمة الله ما معنى قولنا رحمة الله؟ آثر الرحمة، هنا نقول: عيسى كلمة الله هل المراد أنه نفس الكلمة ولا أثر الكلمة؟ أثر الكلمة، إذن عيسى كلمة الله أي: أثر كلمة الله لأنه بالكلمة كان، قال الله كن فكان، فليس عيسى هو كلمة كن، ولكنه بالكن كان، قال الله كن فكان.
(كلمته ألقاها إلى مريم) لأن الله -عز وجل- أرسل جبريل إلى مريم ونفخ في ضرعها، ولهذا قال: ﴿ورُوْحٌ مِنْهُ ﴾ روح من الأرواح المخلوقة التي خلقها الله -سبحانه وتعالى-.
(ألقاها إلى مريم) أرسل جبريل ونفخ في ضرعها وتكون عيسى -عليه السلام- من أم بلا أب، والله -عز وجل- قدير على كل شيء، فعيسى ولد وتكون في رحم مريم بدون أب.

الطير الحر 17-Oct-2006 04:13 PM

(وروح ومنه) أي: من الأرواح التي خلقها الله -سبحانه وتعالى- مثلما قال الله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13] أي: خلقا وإيجادا، فهو منه خلقا وإيجادا.
ثم قال: (وأن الجنة حق والنار حق) أيضًا آمن بالجنة وآمن بالنار، وهذا فيه أيضًا الإيمان بالثواب والجزاء ولقاء الله -عز وجل- وإثابته للمطيعين ومعاقبته للعاصين والاستعداد لهذا اليوم العظيم، من وجد فيه هذه الإيمان وهذه العقائد المباركة ما هي الثمرة؟ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل وهذا الشاهد للترجمة، أن العقيدة والإيمان والتوحيد الصحيح والإيمان الخالص سبب لدخول الجنة.
قال المصنف -رحمه الله-: (ولهما في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)).
(ولهم) أي: البخاري ومسلم، لأن حديث عبادة بن الصامت، قال: أخرجاه، ثم عطف عليه قال: (ولهم) أي: البخاري ومسلم من حديث عتبان، عتبان بن مالك -رضي الله عنه- والحديث طويل لكن المؤلف اقتصر على ذكر الشاهد: ((إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) هذا الحديث يعطينا فائدة عظيمة وثمرة مباركة من ثمار التوحيد أن الموحد ماذا؟ محرم على النار، أن الموحد محرم على النار لأنه قال: ((إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله)) لكن هنا لابد أن نعرف وأن ننتبه، هل كل من يقول لا إله إلا الله يحرم على النار؟ أو لابد من تحقيق ضوابط هذه الكلمة وشروطها التي دل عليها كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- لاحظ هنا قال: ((من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) فإن قال: يبتغي بها وجه الله فأتى بها على الإخلاص وعلى الصدق وعلى إرادة الله -سبحانه وتعالى- بالعمل هذا الذي ينال ثواب هذه الكلمة؛ ولهذا أخذًا من هذا الحديث وأحاديث كثيرة في الباب قال العلماء: إن لا إله إلا الله لا تقبل من قائلها إلا بشروطها، لها شروط، وكلكم الآن يعلم أن الصلاة لا تقبل إلا بماذا؟ إلا بشروط، الحج لا يقبل إلا بشروط الزكاة لا تقبل..... ولهذا تقرأ كتب الأحكام كل عبادة يذكر الفقهاء والعلماء شروط قبول العبادة، فهل لا إله إلا الله تقبل هكذا، وإلا لابد أيضًا من شروط لها تكون بها مقبولة مثلها مثل أمور الدين الأخرى، نصوص الشرع نصوص الكتاب والسنة دلت على أن "لا إله إلا الله" لا تقبل من قائلها إلا بشروط سبعة، وكل شرط من هذه الشروط وردت عليه الدلائل الكثيرة من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
نختصر فيها، نذكرها سردا، وإلا أدلتها وشرحها فيحتاج إلى شيء من الوقت.
الشرط الأول: العلم المنافي للجهل.
والثاني: اليقين المنافي للشك.
والثالث: الصدق المنافي للكذب.
والرابع: الإخلاص المنافي للشرك والرياء.
والخامس: المحبة المنافية للبغض والكره.
والسادس: الانقياد المنافي للترك.
والسابع: القبول المنافي للرفض.

الطير الحر 17-Oct-2006 04:14 PM

كما قال الناظم.
وبشروط سبعة قد قيدت وفي نصوص الوحي حقًا وردت
فإنه لا ينتفـع قائهــا بالنطق إلا حيث يستكمله
العلم واليقين والقبول والانقياد فادرِما أقـول
والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما أحبـه
وتجدون هذه الأبيات مع شرح نافع لها في كتاب عظيم في بيان الإيمان والتوحيد كتاب معارج القبول للشيخ حافظ حكمي -رحمه الله- وهو كتاب من أنفع الكتب وأفيدها وفيه بسط للأدلة وشرح وجامع لأمور الإيمان كلها.
إذن حديث عتبان دل على فائدة من فوائد التوحيد وهي ماذا؟ التحريم على النار، إذن الآية الأولى دلت على أن من ثمار التوحيد حصول الأمن والاهتداء، الحديث الأول دل على أنه من ثمار التوحيد دخول الجنة، حديث عتبان دل على أن من ثمار التوحيد تحريم دخول النار، لكن لابد من تحقيق لا إله إلا الله بتحقيق شروطها وضوابطها في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
قال المصنف -رحمه الله-: (وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (قال موسى: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله) رواه ابن حبان والحاكم وصححه).
وهذا الحديث أيضًا من الأحاديث العظيمة الدالة على فضل التوحيد وثمرة التوحيد العظيمة، وأنه أثقل شيء في الميزان، لو قيل لنا ما هي ثمرة التوحيد التي دل عليها هذا الحديث؟ ثمرة التوحيد التي دل عليها هذا الحديث أن التوحيد أثقل شيء في الميزان، ليس في الميزان شيء يوضع أثقل من التوحيد ومن كلمة التوحيد، وهذا عليه دلائل كثيرة منها هذا الحديث، حديث أبي سعيد: (أن موسى -عليه السلام- قال: يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به)) ماذا يريد الآن؟ يريد شيئًا يكون جامعا لجانبي الذكر والدعاء ((قال له الله: قل لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذ)) أهل التوحيد وأهل العبادة يرددون هذ الكلمة، وهذه الكلمة ترد من بدء وجود عباد الله وخلق الله لهم نشأوا على هذه الكلمة ثم حصل فساد وحصل خلل فأرسل الله الرسل حتى يعود الناس إلى التوحيد وإلى كلمة التوحيد لا إله إلا الله.

الطير الحر 17-Oct-2006 04:15 PM

((قال: كل عبادك يقولون هذ)) ماذا يريد؟ كأنه يريد شيئًا يتميز به، كأنه يريد شيئًا يختص به، فبين الله -عز وجل- فضل هذه الكلمة؛ ولهذا من فوائد هذه الكلمة أن التنبيه لفضل التوحيد يحتاج إليه كل أحد، التنبيه لفضل كلمة التوحيد يحتاج إليه كل أحد، فبين الله له فضل هذه الكلمة ((قال: يا موسى، لو أن لا إله إلا الله وضعت في كفة، والسماوات السبع والأرضين السبع وعامرهن غيري وضعن في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله)) أي لثقلت بهن لا إله إلا الله، لاحظ السماوات السبع والأرضون السبع لو توضع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لثقلت لا إله إلا الله بالسماوات والأراضين هذا يدل على ثقل هذه الكلمة في الميزان. بل جاء في حديث عبد الله بن عمر في المسند وهو بسند ثابت: (أن نوحا -عليه السلام- قال لابنه: يا بني، آمرك بلا إله إلا الله فإن السماوات والسبع والأراضين السبع لو وضعت في كفة ولا إله الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله ولو كانت السماوات السبع والأراضون السبع حلقة مفرغة لقصمتهن لا إله إلا الله).
إذن هذه فضلة مستفادة من هذا الحديث ويشهد له حديث عبد الله بن عمر الذي أشرت إليه وهي أن لا إله إلا الله أثقل شيء في الميزان.
أسئلة الدرس:
السؤال الأول: سبق أن مر معنا وهو ذكر بيت واحد يجمع هذه الشروط السبعة.
وبشروط سبعة قد قيدت وفي نصوص الوحي حقًا وردت
فإنه لا ينتفـع قائهــا بالنطق إلا حيث يستكمله
العلم واليقين والقبول والانقياد فادرِما أقـول
والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما أحبـه
السؤال الثاني: أريد لكل شرط من هذه الشروط دليلًا إما من القرآن أو من السنة؟ فعندنا الآن سؤالان كلاهما عن لا إله إلا الله وعن شروطها.

Bird 18-Oct-2006 07:00 AM

احسنت وبارك الله فيكم

الطير الحر 19-Oct-2006 02:25 AM

بارك الله فيك


الساعة الآن 01:47 AM.

Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
سبحان الله وبحمده :: سبحـان الله العظيم

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42