|
العرب قبل الاسلام
كذلك لم يجد العرب في تميز بعض الاشخاص الا سمات خارقة ، نسبرها اليهم احيانا انبهارا واحيانا تمجيدا، فهذا خالد بن سنان يطفىء النار التي خرجت بجزيرة العرب وكانت لها رؤوس تسيح فتهلك البلدان ويبدو أنها كانت ذكرى بركان مدمر، لكنهم جعلوا لنار البركان رؤوسا آكلة حاربها ابن سنان حتى اطفأها وردها الى مقر الارض .
وهذا الصعلوك القوى النبيل ، يشتد الاعجاب به وبقوته حتى يقولوا انه قتل الغول واتى يحمل رأسه تحت ابطه ، فاسموه (تأبط شرا) وهذا عنترة بن شداد يشد على الاعادي فيكسر رماح الحديد وينزع النخيل من مواضعه ويحارب الغزاة ، حتى يتحول مع النزوع القومي في الجاهلية الاخيرة الى بطل عربي قومي يحارب اعداء العرب بقواه الجبارة .
وذاك سيف بن ذى يزن يدخل الحلم القومي الهروبي بعد تحرير بلاده من الاحباش ، فيتم التعتيم على استعانته بالفرس الذين يحتلون بلاده عوضا عن الاحباش ليتم تصويره بطلا شعبيا عظيما يقاتل الجيوش ويهزمها بقوته ومهارته .
وهو ما يشير إلى نزوع جديد نحو أساطير البطولة للجاهلية في عصرها الأخير، لتصنع رمزها القومي العربي، وهى تنحو نحو التوحد الآتي.
أنماط الزواج
في جزيرة العرب ، تعددت أنماط الزواج ، كناتج ضروري لشكل العلاقات المجتمعية ، والتوزع القبلي ،وتباعد المضارب عبر مساحة تكاد تكون قارة متباينة ، تشكل فيها كل قبيلة وحدة قائمة بذاتها، ومن هنا فرضت تلك الاوضاع انماطا عدة للنكاح ، عددتها لنا كتب السير
والاخبار الاسلامية .
النكاح لاجل
والنكاح لاجل كان يقع على طريقتين تمثلان نوعين من الزواج ، وهو لون من النكاح الصريح الذي لا يعني زواجا بالمعنى المفهوم، والنوع الاول منه هو ما عرف بنكاح (الذواق) الذي يتم دون أي شروط تعاقدية ، ويحل برغبة اي من الطرفين متى ما شعر بعدم الرغبة في الاستمرار، وقد اشتهر بهذا النكاح (أم خارجة) التي تناكحت وأربعين رجلا من عشرين قبيلة، فكان يأتيها الرجل متوددا يقول ؟ خطب ، فترد: نكح ، فيأتيها، حتى ضرب بها المثل فقيل : أسرع من نكاح أم خارجة ، وهو الخبر الذي اورده الزبيدي في تاج العروس والميداني في مجمع الامثال .
اما النوع الثاني فهو نكاح المتعة ، وقد عرف بعد ذلك في عهد النبي (ص) كمشروع للمسلمين دون حرج ، وكان قبل ذلك واسع الانتشار بين عرب الجاهلية ، وكانت دوافعه لديهم التنقل والاسفار والحروب ، حيث كان الرجل يتزوج على صداق محدد لاجل محدد، وبقضاء المدة ينفسخ التعاقد، وقد كان لاثرياء مكة الدور الاساسي في ارساء هذا اللون من النكاح ، حيث كانوا اصحاب قوافل وسفر، وممكنات مادية تسمح لهم باقتناء الحريم على تلك الطريقة ، على محطات سفرهم بالقوافل ، ويبدو انه لون من التقنين الأحدث للطريقة الأولى "الزواج بالذواق". انكحة في عداد الزنى وعرفت الجاهلية ألوانا أخرى من النكاح وكرهته رغم عمل البعض به، فكان في عداد الزني، وتمثله عدة الوان ، أولها نكاح الشقار، وهو ان يزوج الرجل ابنته على ان يزوجه الآخر ابنته دون امهار، فكانت كالتبادل البضائعي، لاحق للمرأة فيه ولا مهر لها، وقد نهى الاسلام عن هذا اللون من النكاح (لا شنار في الاسلام)، ورغم ذلك لم يزل معمولا به خاصة بين فقراء المسلمين ، كحل غير مكلف لعدم وجود المهر فيه . وهناك لون آخر عرف باسم المضامدة ، تتخذ فيه المرأة خليلا أو اكثر على زوجها، وكانت تفعله نساء القبائل الفقيرة زمن القحط ، وكان يتم بعمل الرجل فتذهب الى السوق وتعرض نفسها على ثرى يكفلها ويمنحها المال ، ثم تعود بعد ذلك لزوجها بعد أن توسر بالمال الكافى لاعاشة اسرتها، وبدوره كان نكاحا بدفع العامل الاقتصادي أساسا.
ثم ألوان أخرى من النكاح البدل المعروف بتبادل الزوجات، وزواج المقت، وكان مكروها من العرب واسموه المقت كرامة له، وكان يتزوج بموجبه الرجل زوجة ابيه كجزء من ميراثا عند موت ذلك الاب ، وقد ابطل الاسلام هذا اللون من الزواج ، هذا ناهيك عن نكاح الاستبضاع الذي يطلب فيه الرجل بذرة سيد عظيم في رحم زوجته عساه يرزق بولد عظيم .
ومن انكحة الزنى الصريح ، نكاح صاحبات الرايات الحمر، وهن بغايا مكة اللائي كن ينشطن في مواسم التجارة وموسم الحج ترغيبا للتجار واهل السوق ، وقد شجع أثرياء مكة صاحبات الرواية الحمر، لمزيد من الانعاش الاقتصادي، لكنهم مع ذلك كانوا على مروءة إن حملت المرأة، حيث يلحق ولدها بما يرى أهل الفراسة والقيافة أو بضرب القداح ، فيصبح ابن من تقع عليه الحظوظ .
انكحة بالعرف
وقد تواضع العرف القبلي في ظل ظروف التشتت القبلي ، والإغارة والاقتتال بين القبائل وبعضها، على لون بشع من ألوان النكاح ، هو لون صريح من الاغتصاب المهين ، ينزل بالقبيلة المهزومة ونسائها، حيث كان من حق المنتصر سبي النساء والاستمتاع بهن حيث تصبح ملكه بالسبي، ويصبح من حقه بيعها ان لم يجد من يفتديها منه . ومثله نكاح الاماء بالشراء والامتلاك ، وهذا اللون من النكاح كان لا يعرف عددا للنساء الحريم على سرير الرجل . وهو شبيه بالزواج غير المحدد لعدد الزوجات الذي كان معرفا بدوره بين الطبقات الثرية ، لكنه كان نادرا معدودا، حتى تجده في خبر اوا ثنين ، كما جاء عن غيلان الثقفي الذي أسلم وتحته عشر نسوة .
مكانة المرأة
حول مكانة المرأة في جاهلية العرب الاخيرة ، اختلف الباحثون ازاء ما بأيديهم من معطيات تتضارب اشد التضارب ، وتتناقض الى حد عدم الالتقاء ابدا. فذهب الباحثون الى طريقين على ذات الدرجة من التضارب والتناقض ، منهم من رأى للمرأة في الجاهلية مكانة تتميز بها عن وضع بنى جنسها عند بقية الشعوب ، وأنها سمت الى وضع السمت في المجتمع ، بينما ذهب فريق أخر ال النقيض وهبط بها إلى أسفل سافلين .
الشكل الارقى
ومن ذهبوا بمكانة المرأة في ذلك العصر إلى مكان السمت المتميز، اعتمدوا على ما جاء بديوان العرب من أشعار، تبين كيف كانت المرأة هي الوتر الحساس في قلب كل عربي، ومبعث كل الهام ، حيث التزمت القصائد جميعها تقريبا نهجا يهيم بالمرأة ويمجدها، وما يلاحظ على المعلقات التي لا تخلوهن الاشادة بالمرأة والتغزل فيها بل والفخر بها.
ويعود الاتجاه نفسه الى المأثور العربي وماروا من اخبار عرب الجاهلية في المصادر الاسلامية ، ليجد العربي حريصا على كرامة المرأة ويعتبرها موضع شرفه ، حتى شنت من اجلها حروب ، وابرزها موقعة ذى قار التي انتصرت فيها ثلاث قبائل عربية متحالفة ، على الفرس ، بسبب رفض النعمان بن المنذر تزويج ابنته للملك الفارسي . كذلك حرب الفجاع الثانية التي قامت بين قريش وهوازن تلبية لاستنجاد امرأة بآل عامر للذوذ عن شرفها، ولا ننسى حرب البسوس التي دامت اربعين عاما بسبب انتهاك جوار امرأة ، وما قصة عمرو بن هند وعمرو بن كثلوم إلا ابرز مثل لآنفة العربي وحرصه على كرامة المرأة وعزتها.
وتروى كتب الاخبار وطبقات الشعراء كيف كانت المرأة تستشار في عظائم الامور، كما في حادثة سعدى ام اوس الطائي، ناهيك عن مشار كتها للرجال في ساحة القتال ، تحثهم على المثابرة وشد ازرهم ، وتداوي الجرحى وتدعو للاخذ بالثأر، فيستبسل الرجال مخافة سبي نسائهم ، وقد كان لواء (الحرثية) في شعر حسان بن ثابت وراء نصر تريش في احد على المسلمين ، فعندما سقط لواء المكيين هرعت اليه (الحارثية) وسط الرماح والسيوف وحملته ، فتجمعت حوله فلولى المنهزمين ، وظلت تهتف بهم حتى عادوا وحملوا على المسلمين حملة شديدة . ودور (هند بنت عتبة ) في ذات المعركة من أهم الأدوار في تاريخ تلك الحروب، حيث أتت بنساء مكة وقيانها يشحذن الرجال وينشدن الأناشيد الحماسية لتأجيج الحمية القتالية. وكانت (هند) من شاعرات العرب اللائي يصفن المعارك ويحسن تصوير الأبطال ، واشتهرت أيضا كفيلة بنت النضري، وأروى بنت الحباب ، وبنت بدر بن هفان والهيفاء القضاعية ولامراء أن الخنساء ذهبت من بينهن بعمود الشعر رثاء وفخرا وحماسة وحربا.
ولا يغيب على فطن انتساب قبائل العرب الى أمهاتها مثل بجيلة وخندق وطهية ومعاوية ونويرة ، ويبدو أن الحرص على مكانة الام كان وراء حرص العربي على كرم النسب وطهارة الرحم ، وقد ذكر كتاب الاغاني في حديثه عن حرب الفجاع أن (مسعود الثقفي) ضرب على زوجته (سبيعة بنت عبد شمس ) خباء وقال لها: من دخله من قريش فهو آمن، فجعلت توصل في خبائها ليتسع .
وفي الاشعار تقدير عربي شديد للمرأة ، فيخاطبها إذا كانت زوجة بأفضل الألقاب ، فهو يقول لها:
يا ربة البيت قومي غير صاغرة
ضمي اليك رحال القوم والقربا
واللقب، وتعبير (غير صاغرة ) يشير إلى أي درجة من السمو كانت .
الشكل الآني
|