والجواب على ذلك كله في قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" [الأحزاب 59] . ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ؛ أي أقرب أن تعرف بالعفاف والستر فلا تؤذى من قبل الفساق .
الرسالة الثالثة : إلى كل معلمة وموجهة ومرشدة وإدارية : أنتن القيادات التربوية الحقيقية للفتاة، وأظن أن المشايخ لن يستطيعوا القيام بالإصلاح وحدهم، ونتفق سوياً أن المعلمةَ مربيةٌ قبل أن تكون معلمة، وقد قرر التربويون أن التربية الميدانية بالقدوة أقوى من الطرح النظري، فأولى الناس بكل ما سبق ذكره هن القدوات، لقد أدركتُ ذلك تماماً من أسئلة طالبات المرحلة المتوسطة والثانوية وحتى الجامعية : في الجانب الإيجابي، أو في الأثر العكسي حينما لا تكون قدوةً حسنة في دينها أوخلقها أوحجابها أو زينتها .
ومما يؤكدُ أثرَ القدوةِ العملية حديثُ قصةِ أمِّ سلمة –رضي الله عنها- في الحديبية، فالنبي ‘ قدِم مع أصحابه محرماً بالعمرة، ولما مُنع من دخولِ مكةَ والطوافِ بالبيت وتم الصلح بين النبي ‘ وكفارِ قريش على أن يرجعوا ويأتوا من العام القادم، أمر ‘ أصحابه أن ينحروا بُدْنهم وأن يحلقوا رؤوسَهم حتى يتحللوا من العمرة، ولم يستجب أحد من الصحابة رغبةً منهم في إتمام العمرة، ونص الحديث أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لِأَصْحَابِهِ : قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا . قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا " أخرجه البخاري .
الرسالة الرابعة :
إلى الأب والزوج والأخ : أنا لا أدعوك إلى التخون، فالنبي ‘ نهى أن يتخون الرجل أهله كما ثبت ذلك عن جَابِرٍ _ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ " أخرجه مسلم .
ولكنني أدعوك إلى حفظ أهلك وحمايتهم كما أمر الله تعالى عباده : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [التحريم 6] .
كثيراً ما نسمع من الأب أو الزوج حينما يُناصح في تبرجِ مَن مَعه فيقول : أنا أثق في ابنتي أو زوجتي . وأنها متربيه . فاستمع إلى جوابي : أيها الأب والزوج الكريم : الثقةُ مطلوبة والتخونُ لا يجوز، ولكنَّ الحقيقةَ أنك قد وثَقْتَ بالشيطان والنفسِ الأمارةِ بالسوء، وتركت الحبل على الغارب كما يقال فلا تعلم متى خرجت ؟ ومع من كانت ؟ ولا تعلم هل هي تحافظ على الصلوات الخمس في أوقتها أو أنها تجمعها في وقت واحد ؟ .
أما التربية فقد أوكلتَ بذلك القنواتِ الفضائية التي أدَّت دورها بنجاح في مسرح اغتيال الفضيلة، وإراقة دم العفة والحياء، وأنت لا تزال في سُباتِك العميق وثقتك العمياء . وأي تربية أسوأُ من أمرك لها بكشف وجهها ولبس العباءة المتبرجة، وسفرك بها إلى بلاد الفساد والرذيلة .
الرسالة الخامسة :
إلى كل شاب وقع في جريمة المعاكسات والترقيم والاتصال بالفتيات : أخاطبك بلغة مقنعة كما أقنع النبي ‘ ذلك الشاب فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ _ قَالَ إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ . قَالُوا : مَهْ مَهْ . فَقَالَ ‘ : ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا . فَجَلَسَ . قَالَ : أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ . قَالَ : لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ : وَلَـا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ . قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ . قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ : وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ . قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ . قَالَ : لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ : وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ . قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ : وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ . قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ : وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ . قَالَ : فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ " أخرجه أحمد بسند صحيح .
فاجعل في مخيلتك دائماً إذا دعتك نفسُك إلى معاكسةِ النساء أن تلك المرأةَ هي إحدى محارمك، وأن شاباً أجنبياً مريضَ القلب قد طمعَ بها ويسعى في استدراجها . واستحضر أيضاً ما هي نظرة الناس إليك ؟! .
أحضر في بعض مجالس العامة أجد من بعضهم رأفة وعاطفة لبعض المفرطين في دينهم، ولكني وجدتهم قد أطبقوا على احتقار وكراهية الذي يعاكس النساء في الأسواق، أو في غيرها، فكيف تقبل أن تكون محل احتقار الناس . فهل أدركت ما هي نظرة الناس إليك ؟ .
وختاماً : فليتذكر كل من بدأ في طريق الانحراف العاطفي مجيء الملائكة إليه لقبض روحه، وليتذكر ماذا سيكون حاله إذا دفن في المقبرة وانصرف الناس عنه، فهل هو في روضة من رياض الجنة، أو في حفرة من حفر النيران .
وليتذكر أهوال يوم القيامة، وليتذكر دائماً حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ثُمَّ قَرَأَ "وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا ( وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) " أخرجه ابخاري ومسلم
ولنتذكر أن هذه الدنيا إنما خلقنا فيها لعبادة الله وحده لاشريك له، وأنها دار ابتلاء وامتحان . قال الله تعالى : "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" [المؤمنون: 115]
وأكرر مرةً أخرى أن هذا الكتاب أعد ليكون سبباً في نشر الوعي بين الناس، وتنبيهاً للآباء والأمهات، وحتى تحذر المرأة من انحراف العاطفة .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
|