والمتأمل في أحوال الناس يجد أنهم يبذلون الجهد والوقت والمال حتى يصلوا إلى الراقي أو الشيخ، وكثيراً ما يكون هذا الراقي مشغولاً ، أو أنه قطع وسائل الاتصال به لكثرة الزحام عليه من الناس.
فيا عجباً لنا ! إن الواحد الديان لا يغلق بابه أبداً. بل يتنزل في الثلث الأخير من الليل نزولاً يليق بجلاله فيقول هل من سائل فأعطيه .. فأين نحن من هذه الساعات المباركة واستغلالها في التضرع إلى الله بأن يكشف عنا البلاء والهم والمرض. ..
ثم تأمل معي أيها الحبيب هذه المواقف:
1- حينما قُذف إبراهيم عليه السلام في النار .. تبدى له جبريل فقال يا إبراهيم هل لك من حاجة، فقال أما إليك فلا وأما إلى الله فنعم فقال الله عز وجل : {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ }الأنبياء69 .
2- وفـي قصـة موسـى عليه السلام قال الله تعالى : {فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ }الشعراء63 .
3- وهذا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حينما كان في الغار مع صاحبه أبي بكر، وكفار قريش، يحومون حول الغار طلباً للحبيب عليه الصلاة والسلام، فإذا بأصوات أقدامهم تخفق إلى جوار الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه .. فقال أبو بكر : " لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا " فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ماظنك باثنين الله ثالثهما. { فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }التوبة40
أيها المبتلى :
إذا سألت فاسأل الله، فإنه سميع مجيب وإنه نعم المولى ونعم النصير.
- واعلم أن من التوحيد أيضاً: التوكل على الله، واليقين بموعوده والثقة بنصره، فلا تبخل على نفسك بهذه المعاني المباركة.. فإن فيها من لذة الإيمان .. وسعادة القلب ما الله به عليم.
ومن الوسائل المعينة لتحقيق (في كل بيت راق) :
2- الصلاة :
" كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة " وكان يقول " أرحنا بها يابلال " . رواه احمد وأبو داود
إن الإنسان إذا أراد الراحة والسعادة والعافية فلابد أن يحافظ على الصلاة .. ويستمتع بالوقوف أمام العزيز الرحيم.. وكلما اضطربت صلاتك زادت علاتك.. والحر تكفيه الإشارة.
يقول الدكتور عائض القرني في كتابه الشهير لا تحزن : " إن على الجيل الذي عصفت به الأمراض النفسية أن يتعرف على المسجد ، وأن يمرغ جبينه ليُرضي ربه أولاً، ولينقذ نفسه من هذا العذاب الواصب. وإلا فإن الدمع سوف يحرق جفنه، والحزن سوف يحطم أعصابه وليس لديه طاقة تمدّه بالسكينة والأمن إلا الصلاة ".
3- عليك بالذكر والدعاء والاستغفار :
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } طه124
" مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، كمثل الحي والميت ".
اعلم أيها الحبيب أن الغفلة داء خطير.. ومدخل من مداخل الشيطان الرجيم.
يقول ابن القيم في الفوائد :
" كل ذي لب يعلم ألا طريق للشيطان عليه إلا من ثلاث جهات ... وذكر منها :
الغفلة : فإن الذاكر في حصن الذكر، فمتى غفل فتح باب الحصن فولجه العدو فيعسر عليه أو يصعب إخراجه.
ثم تأمل معي هذا الحديث الشريف :
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال إذا خرج من بيته بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له حينئذ: كفيت ووقيت وهُديت، وتنحى عنه الشيطان فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكفي ووُقي؟ " رواه أبو داوود والنسائي والترمذي بإسناد جيد.
فانظر إلى فضل الذكر وثمرته في حديث واحد فكيف بمن لازم الذكر في سائر يومه.
4- الدعاء :
إن الدعاء هو لب العبادة.. وقد ثبت في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم " الدعاء هو العبادة " . رواه الترمذي وقال حديث صحيح
فمتى ما أراد المبتلى أو المريض النجاة والسعادة، فعليه بالتضرع إلى الله .. فإنها خير طريق وأيسره إلى نيل فضل الله ورحمته.
قال الله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ }الأنعام42.
البأساء: الفقر والضيق في العيش.
الضراء : الأمراض والأسقام والآلام.
يتضرعون : يتذللون لله.
{فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأنعام43 .
- زين لهم : الكفر والمعاصي والعياذ بالله.
فيا عبدالله .. متى ما أصابك بلاء أو هم فافزع إلى الله .. وتضرع إليه .. وانكسر بين يديه فإنه عز وجل قريب مجيب.
5- الاستغفار :
قال عز وجل مبيناً أثر الاستغفار على الفرد والأمة {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ }هود52.
فطوبى لمن لزم الاستغفار.. ونال الفضل الكبير من الواحد القهار.
6 -- كم رصيدك في بنك الأعمال الصالحة :
جاء عند الإمام الترمذي في سننه: قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس ": يا غلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك " .
وفي رواية أخرى صححها الألباني : " تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة ".
وقال أحد السلف كما ذكر ذلك ابن رجب في جامع العلوم والحكم :
" تدبرت هذا الحديث ، فأدهشني وكدت أطيش ، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه ".
ومعنى الحديث : " أن من حفظ أوامر الله وقام بما أوجب الله عليه وانتهى عما نهى عنه حفظه الله فإن الجزاء من جنس العمل " .
قال تعالى : { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }البقرة40 .
إذاً هي المعادلة الربانية.. كم رصيدك من الأعمال وكم حفظت الله في الرخاء.. تكون المحصلة واضحة وجلية.
- ولذلك قال الله عز وجل في حق يونس عليه السلام : {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }الصافات144.
- وقال عز من قائل : {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ }الأنبياء90
- والحبيب محمد J كان يتحنث في الغار الليالي الطوال.. وفي بدر رفع يديه إلى مولاه فاستجاب الله له : " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع " املأ رصيدك بالطاعات.. يأتيك الفرج من رب الأرض والسموات.
7 - غيِّر جو :
أيها لأخ المبتلى وفقه الله وشفاه :
احذر أن تكون أسيراً لمرضك أو أوهامك أو آلامك.
زر صديقاً إيجابياً.. يحول طاقتك السلبية إلى إيجابية ، اذهب إلى الشاطئ وتأمل أمواج البحر الهادئة في ساعة الغروب .. وإن لم تكن من عشاق البحر. فاذهب إلى البر. اطبخ تيساً، أو اشو لحماً أو هاموراً ثم احمد الله.
لقد كان الأوائل من الآباء والأجداد يهربون من الهموم والغموم.. وينشدون الأشعار ويطربون للحداء المباح علهم أن يدفنوا همومهم في أجواء مفعمة بالبهجة والأنس وقد قال أحدهم من البادية :
يا فريج أوسع ضيقة الصدر يا فريج
مهوب من زود الطرب يوم أغني
لولا ي أوسع خاطري بالأهازيج
كان انتحر يا فريج ولا أستجني
وقال أبو ذر رضي الله عنه : " إني لأستجم بشيء من اللهو حتى أتقوى على الحق".
وكان ابن سيرين يضحك بالنهار، فإذا جن عليه الليل فكأنما قتل أهل القرية.
8 - الصبر أفضل مضاد حيوي :
أيها الأخ الكريم ...
اصبر وما صبرك إلا بالله، اصبر صبر واثق بالفرج، عالم بحسن المصير ، طالب للأجر، راغب في تكفير السيئات ، اصبر مهما ادلهمت الخطوب، وأظلمت أمامك الدروب، فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب ، وإن مع العسر يسرا.
- اصبر : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } الزمر10 .
- اصبر. وانتظر الفرج .. فإن انتظار الفرج عبادة.
- اصبر.. وتيقن بالفرج وتذكر:
1- أن يعقوب عليه السلام فقد يوسف أعواماً عديدة حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ..
ثم هبت رياحُ الفرج على ذلك الشيخ الكبير صاحب القلب الوجيع ليقول : { إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ } يوسف94.
لتكتمل الفرحة بعد رحلة العناء .. ولذة الصبر .. وبرد اليقين ..
ولتنتهي القصة وهي في أجمل صورها.. وأمام مشهد رائع وانتصار بهيج : {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً } يوسف100 .
2- تذكر أن أيوب أُوذي في جسده بأنواع من البلاء.. ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه يذكر الله عز وجل بهما.
لقد لبث به البلاء ثماني عشرة سنة وهو في ذلك كله صابر محتسب.
ثم جاء الفرج.
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ }.
صبراً جميلاً ما أقرب الفرجا
من راقب الله في الأمور نجا
من صدق الله لم ينله أذى
ومن رجاه يكون حيث رجا
وأخيراً .. يارب ارزقنا الإيمان الموصل إلى رضاك .
واليقين المؤدي إلى فضلك ورحماك.
واجعل مجتمعنا ذاكراً لك .. شاكراً لنعمك وأسبغ علينا من كريم جودك ومننك ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
السبت 24/10/1426هـ
اختكم الراجيه عفو ربها
حيرااااااااااااااااانه
|