الوجه الثاني /
أن العلة في تحريم التصوير بالإضافة إلى كونها وسيلة للشرك المضاهاة لخلق الله
فقد قال مسلم في صحيحه حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ قَالُوا حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي دَارِ مَرْوَانَ فَرَأَى فِيهَا تَصَاوِيرَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً
و حَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ دَارًا تُبْنَى بِالْمَدِينَةِ لِسَعِيدٍ أَوْ لِمَرْوَانَ قَالَ فَرَأَى مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ فِي الدَّارِ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً
وقال البخاري في صحيحه حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ وَمَا بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ أَفْضَلُ مِنْهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لِي عَلَى سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَتَكَهُ وَقَالَ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ قَالَتْ فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ
قلت والمضاهاة بتحريك الصورة لذوات الأرواح أشد من الثابتة فإن في تحريكها مشابهة من حيث سريان الروح في خلق الله الأصلي والسامري قد فتن قوم موسى بأن العجل الذي دعاهم لعبادته كان له خوار فتبين أن الإفتتان بالصور المتحركة أشد فإن أول شرك ظهر في الأرض كان بسبب التصاوير 0
ولم يستثي أبو هريرة عندما روى الحديث من رسم لمصلحة لعب الأطفال بل أخذ من الحديث أن الوعيد في حق كل من رسم عام ولم يخصص0
الوجه الثالث /
مارواه أحمد في مسنده بالسند الصحيح والبخاري فقال حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَخْبَرَنَا عَوْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبَّاسٍ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ فَقَالَ وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا الْوَاحِدَ
قلت فلم يستثي حبر الأمة مع شدة حاجة ذلك الرسام للكسب الصور المتخذة للهو الأطفال مع إمكانية رسم الصور الهادفة المثبت على الورق في ذلك الوقت كرسم الفارس يحمل سيفا على فرس عربي جميل لحث الصبيان على الجهاد أو رسم أم تعتني ببنتها لحث البنات الصغار على حسن التربة وغير ذلك فلم يستثني شيئا من ذلك مع سعة علمه رضي الله عنهإلا أن يرسم الشجر وكل مالا روح فيه فلم يأذن بالتصوير له لذوات الأرواح في كل الأحوال ولاأعلم مخالف لأبي هريرة وابن عباس من الصحابة في تحريم الرسم لذوات الأرواح مع عدم إستثنائهم للرسم للصبيان والجواري مايتحقق اللهو المباح به فتبين أن الرسم لذوات الرواح محرم بجميع أشكاله وأوحواله لاسيما إذا عمل على تحريك الصورة فتكون أشد تحريما لأن المشابهة أشد0
الوجه الرابع / أن قياس الرسوم المتحركة بدمى عائشة التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم قياس مع الفارق من عدة وجوه :
الوجه الأول / أن الشارع إذا حرم شيئا فينبغي أن يبقي التحريم على العموم لأنه الأصل إلا في الصورة التي وقع فيها الإستثناء فإن النهي شديد وفي الصور وعيد أليم وعلة إباحة الدمى غير منصوص عليها ولم يقع الإستثاء إلا في تلك الد مى ولم تعرف كنهتها هل هي كالدمى المعاصرة لها رأس منحوت كالوثن أم هي على الوصف المباح الذي ذكره الحليمي وسيأتي 0
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا نهيتكم عن نهي فاجتنبوه قال الإمام أحمد والنهي أشد من الأمر
وعرض الصورة يختلف عن حمل الدمية واللعب بها والبقاء على عموم النهي أرجح من تخصيص أفراد لم يثبت الدليل الصريح على تخصيصها إلا قياسا مظنونا لم تعرف علة أصله مع إختلاف جنس المجسمات المحمولة عن جنس التصاوير المعروضه المتحركة على الفيديو .
فإن المشابهة بخلق الله فيها أشد وقد قال الله تعالى { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جائهم من ربهم الهدى }
فلا يقدم الظن المحتمل على العلم الراجح
قال الخطابي في هذا الحديث أن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور الذي جاء فيها الوعيد وإنما رخص لعائشة فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ
قال بن حجر والجزم بأنها لم تكن بالغ نظر
قلت وسيتبين أنه لادليل يتبين معه صحة كون تلك البنات أوثان منحوتة على الوجه المحرم 0
|