|
الكائنات المجهرية نوع من الجن؟
الكائنات المجهرية نوع من الجن؟
نعتقد أن معظم الالتباس الذي وقع، ويقع للناس، مرده أنهم اعتبروا الجن نوعا واحدا، وهذا ما ينبغي تجاوزه. فنحن عندما نتحدث عن الحيوانات، مثلا، لا نتصورها، جميعها،
نوعا واحدا، لأننا نعرف مسبقا أنها أنواع عديدة ومختلفة، وقد ميزت "الزولوجيا" فعلا بين هذه الأنواع وزودتنا بأوصاف وخصائص كل واحد منها، والنتيجة أننا عندما نقول،
أو نسمع، كلمة "حيوان" يتبادر إلى ذهننا الفأر والقط والفيل والغزال والدب والديناصور... هذا الاختلاف الكبير الموجود بين الحيوانات، هو ما يجب أن نستحضره أيضا عند
الحديث عن الملائكة، فهي متنوعة بدورها، ولها مهام وأسماء وخصائص مختلفة، منها جبريل وميكال ومالك وحملة العرش والروح والكتبة والحفظة والمعقبات والمدبرات
... وأشكالها أيضا مختلفة منها ذات الجناحين والثلاث والأربع والأكثر من ذلك، قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي
أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (فاطر / 1):
فلماذا لا يكون الجن أيضا أنواعا مختلفة، وأصنافا متعددة، ونحن اختزلناها في نوع واحد فالتبس الأمر علينا؟
سُئل بعض السلف عن الـجنّ ما هم، هل يأكلون ويشربون، ويـموتون، ويتناكحون؟ فجاء الجواب، من وهب بن منبه، مفصلا : «الجن أصناف: فخالصهم ريح لا يأكلون ولا
يشربون ولا يتوالدون، وجنس منهم يقع منهم ذلك ومنهم السعالى والغول والقطرب...»، كما روى عبد الله بن أبـي الدنـيا فـي «كتاب مكايد الشيطان» من حديث أبـي الدرداء
أنّ النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «خـلق الله الـجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح فـي الهواء، وصنف علـيه الـحساب والعقاب...»
ويؤيد قوله ما روى ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجن على ثلاثة أصناف صنف لهم
أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وعقارب وصنف يحلون ويظعنون»...
يهمنا في هذا المستوى من التحليل، وانطلاقا من هذه الأحاديث وغيرها، أن الجن أصناف عدة: صنف يعيش في الأرض (التراب والماء)، وصنف موجود في السماء
والهواء، وصنف يحل ويرتحل، على أن ذلك لا ينبغي أن يجرفنا بعيدا، فيعيدنا إلى فتح باب الخرافة والأسطورة، من باب الغول والسعلاة وما شاكلهما، لذا وجب التنبيه إلى أن
هذه الأحاديث يجب أن تفهم في سياقها العام الذي وردت فيه، والذي طالما أكدنا عليه عند عرضنا لمفهوم الجن بالتفصيل، والذي بنينا عليه تحليلنا لاحقا، فنحن نعتقد، انطلاقا
من المعنى اللغوي لكلمة "جن" (انظر تعريف الجن في موضع آخر من هذا المنتدى)، وكذا من خلال مقارنتنا للجن والكائنات الدقيقة (التي ستأتي لاحقا)، أن هذه الكائنات
(المجهرية) ما هي إلا صنف من الجن، وهو ما يستدعي منا تفصيله وبناء جهاز حجاجي للتدليل عليه، بعد كل ما سبق - وهو ما سنعمل على تبسيطه في الصفحات الموالية -
لكن قبل ذلك سنحاول أن نضع تحت المجهر هذه الكائنات المجهرية التي وجدت قبل الإنسان بملايين السنين، والتي ظلت طوال حقبة سحيقة تنتمي إلى عالم الغيب، أي غائبة
عن أعيننا وعقولنا، ولم نعلم بوجودها إلا في القرون الثلاثة الأخيرة، بل لم تتوطد معرفتنا بها إلا في السنوات القليلة الماضية بعد اختراع المجهر الإلكتروني، فهي
إذن "جن" بالحتمية اللغوية، ثم سنحاول بعد ذلك أن نقارن بينها وبين الجن، من خلال ما ورد في القرآن الكريم وأحاديث سيد المرسلين، علنا نتلمس من خلال المقارنة
بعض جوانب الشبه بينها وبين ما يعرف بالجن بإطلاق.
(يتبع)
تحيتي لكل من يتابع الموضوع
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
|