روى مَالِك عَنْ حُمَيْد بْنِ قَيْسٍ المَكّيّ أَنّهُ قَالَ: دُخلَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبِ. فَقَالَ لِحَاضِنَتِهِمَا «مَالِي أَرَاهُمَا ضَارِعينِ» فَقَالَتْ حَاضِيَتُهُمَا: يَا رَسُولُ الله. إنّهُ تَسْرَعُ إلَيْهِمَا العَيْنُ. وَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا إلاّ أَنّا لاَ نَدْرِي مَا يُوَافِقُك مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اسْتَرْقُوا لَهُمَا. فَإنّهُ لَوْ سَبَقَ شَيءٌ القَدَرَ, لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ».وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنِي أَنْ أَسْتَرْقِيَ مِنَ الْعَيْنِ .متفق عليه
ومن المعلوم أن التداوي من الأمراض من الأمور التي أمرنا بها نبينا محمدصلى الله عليه وسلم أمر ندب لا أمر وجوب. روى ابو داود في مسنده عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ مَرِضْتُ مَرَضًا أَتَانِي رَسُولُ اللَّهصلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا عَلَى فُؤَادِي فَقَالَ إِنَّكَ رَجُلٌ مَفْئُودٌ ائْتِ الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ أَخَا ثَقِيفٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلْيَجَأْهُنَّ بِنَوَاهُنَّ ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنّ.
وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ قَالَتِ الأعرابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَتَدَاوَى قَالَ نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً أَوْ قَالَ دَوَاءً إلا دَاءً وَاحِدًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ قَالَ الْهَرَمُ . حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ رواه الترمذي
وعَنْ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا قَالَ هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ. حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ رواه الترمذي
وعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ . رواه أبو داود في مسنده
وعن عِمْرَانَ الْعَمِّيَّ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيْثُ خَلَقَ الدَّاءَ خَلَقَ الدَّوَاءَ فَتَدَاوَوْا.رواه أحمد في المسند
وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِجَارِيَةٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَأَى بِوَجْهِهَا سَفْعَةً فَقَالَ بِهَا نَظْرَةٌ فَاسْتَرْقُوا لَهَا يَعْنِي بِوَجْهِهَا صُفْرَةً .رواه مسلم
والحديث الذي رواه أحمد عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعَ صَوْتَ صَبِيٍّ يَبْكِي فَقَالَ مَا لِصَبِيِّكُمْ هَذَا يَبْكِي فَهَلا اسْتَرْقَيْتُمْ لَهُ مِنَ الْعَيْنِ. وفي رواية مالك في موطئه عن عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفِي الْبَيْتِ صَبِيٌّ يَبْكِي فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ بِهِ الْعَيْنَ قَالَ عُرْوَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَلا تَسْتَرْقُونَ لَهُ مِنَ الْعَيْنِ.
ويقول ابن حجر: والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعا لسنة رسوله فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم في الحرب بين درعين ، ولبس على رأسه المغفر ، وأقعد الرماة على فم الشعب ، وخندق حول المدينة ، وأذن في الهجرة الى الحبشة والى المدينة ، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب ، وادخر لأهله قوتهم ولم ينتظر ان ينزل عليه من السماء ، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك ، وقال للذي سأله يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ ؟ قَالَ اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ ، فأشار الى أن الاحتراز لا يدفع التوكل ، والله اعلم أ.هـ.( المرجع السابق ).
يقول ابن القيم رحمه الله في الطب النبوي :
وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي ، وأنه لا ينافي التوكل ، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها . بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل ، كما يقدح في الأمر والحكمة ، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل ، فإن تركها عجزا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ، ودفع ما يضره في دينه ودنياه ، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب والا كان معطلا للحكمة والشرع ، فلا يجعل العبد عجزه توكلا ولا توكله عجزا أ.هـ.
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز بأن الاسترقاء لمن احتاج له لا يخرج المسلم من اللحاق بالسبعين ألفا حيث أنه مـحتاج للرقية ، ويرى حفظه الله تعالى استحباب العلاج من المرض أ.هـ.
ألم تر أن الله قال لمــريم - - - - وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزها - - جنته ولكنْ كـل شيء لـه سبب
ومن المعلوم أن التداوي له أحكام خمسة واجب ، مستحب ، مباح ، مكروه ، ومحرم ، فإذا ما كان الإنسان مصابا بسحر تهيج ، أو سحر غواية ، أو سحر عقوق أو سحر مرض، أو كان مصابا بمس وكان الجان الصارع من الكفار وكان مسيطراً على الإنسان وكان الشيطان يأزه لفعل المعاصي بأنواعها ولا يستطيع دفعه عنه ، وقد يكون المرض أو السحر أو المس يسبب المشقة للمريض وأهله عندها قد يكون التداوي واجبا للضرروة الملحة [1] ؛ ومن القواعد الفقهية "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " .
فينبغي على من يعاني من أعراض المس أو السحر أو العين أن يستشفي بكلام الله وبما جاء من أدعية مأثورة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم . وإذا كان يعاني من سحر أو مس شديد فينبغي عليه أن يستعين بالله ثم بمن له علم ودراية في علاج هذه الأمراض ، لأنه يخشى عليه أن تتدهور حاله فيَتعب ويُتعب من يعيش معه من غير أن يشعر ، وفي الغالب أن من به مس أو سحر يتصرف تصرفات غير متزنة يشعر بها من يعايشه ، والتكبر عن الاستشفاء بكلام الله هو خلاف المنطق الصحيح وهروب من الواقع ، يقول مطرف: لأن أعافى فاشكر احب إلي من أن أبتلى فأصبر.
وقد تأتي الشياطين للمريض من باب الرأفة والرحمة ، وذلك أن يكون ولي أمر المريض مصابا بالضغط أو السكري أو القلب أو غيرها من الأمراض ، فيخشى أن يتطور به الحال إلى الصرع عند سماع القرآن فيراه ولي أمره فيزداد عنده الضغط أو السكري أو يحصل له هبوط في القلب فيموت ، وهذا من تلبيس الشياطين ، وأذكر أن أحد المرضى وكان به مس من شيطانة خبيثة وكان يَتَحفظ ويخشى أن يعلم به أحد ، حتى بلغ به الحال أن صرعه الشيطان بين مجموعة ممن كان يخشى أن يعلموا بمرضه . فكيف بك لو صرعك الشيطان وجعلك تتخبط بين والدك أو أمك التي تعاني من الضغط أو السكري أو القلب ، فينبغي عليك أن تخبر من تخشى عليه بالتدرج قبل أن يفاجأ بمثل هذا الموقف كأن تقول يا والدي إني أعاني في هذه الأيام من ضيق في صدري وأظن أني محسود وأصبت بعين وسوف أذهب لمن يرقيني وتبدأ تتدرج معه وبمرور الأيام والأسابيع يتقبل الواقع وإن كان مراً . ولا تدري لعلك تكون سببا في شفاء والدك مما يعانيه عندما تأخذه لمن يرقيه بكتاب الله فيأذن الله له بالشفاء . وكم من مريض يأتي للعلاج فيتبين أن عائلته كلها مصابة بسحر أو أن البعض منهم يكون مصابا بالعين ، فيكون الأول سببا من بعد إذن الله تعالى في شفاء غيره .
ومن طرق صرف الشياطين أن تصرف وتلبس على ولي أمر المريض أو المريضة بأنه مصاب بمرض عضوي أو نفسي وعلاجه عند الأطباء أو المصحات النفسية .
ومن تلبيس الشياطين أن يذهب المريض وولي أمره للراقي وبعد الرقية ، يصدر الحكم الجائر من الراقي المعزز بالقسم بالله بأن المريض ليس به مس والذي به حالة نفسية أو مرض عضوي اذهب به للطبيب !!! ، فيتهم المرض بالكذب ويقع بين مرارة البلاء ومنعه من الرقية . فالحذر الحذر من تشخيص الرقاة مهما كانت معرفة وعلم الراقي .
هذا والله أعلم
منقول من موقع
لعلاج العين والسحر والجان
________________________________________
[1] انظر فتح الباري ج11 صفحة 409 ، حديث رقم 6541 ، باب يدخل الجنة سبعون الفا بغير حساب وفي باب من لم يرق ج 10 صفحة 211 حديث رقم 5752 ، وانظر شرح النووي في باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب ، وانظر الطب النبوي لابن القيم وأنظر كتاب أحكام التداوي والحالات الميؤوس منها وقضية موت الرحمة للدكتور محمد على البار ، وانظر حاشية العدوي في باب التعالج ، وانظر نيل الأوطار باب إباحة التداوي وتركه، وانظر فتح القدير شرح الجامع الصغير ، وشريط الرقى المشروع منها والممنوع إصدار تسجيلات العصر الإسلامية في الرياض رقم 8063.