**الصوم جهاد لهوى النفس:
الصيام - يارعاكم الله - عبادة مفادها أن يزم المرء نفسه وأن يحكم هواه لأجل أن يترك ما يشتهي ويقدم على ما يكره ومن ثم يكون تابعا لأوامر الله لا لرغائب النفس فيتعلم كيف يترك ولو كان قادرا على أن يدرك وهنا مكمن السر في التباين الظاهر بين الإنسان والحيوان.
ولذا فان الصوم لم ينظر إليه على انه حرمان مؤقت فحسب، بل يعد خطوة جلى الى حرمان النفس دائما من شهواتها المسعورة ونزواتها المنكورة وتأكيد لهذا المعنى يقوم صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه البخاري.
ومن هنا يعلم أن الصيام امتناع عن أشياء مخصوصة والامتناع في حقيقته عنصر سلبي لا يراه الناس عادة لكنه لا يشفي على علام الغيوب وهذا في الواقع تفسير لقول الجبار جل وعلا في الحديث القدسي: « الصوم لي وأنا أجزي به» رواه البخاري في صحيحة
وقال سبحانه (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) التوبة 211. والسائحون- يحفظكم الله - هم الصائمون كما قال مجاهد وغيره.
**الصوم ترويض للنفس على الصبر:
الصوم.. عبادة لابد منها لترويض النفس على الصبر وتحمل المشاق وهي في هذه الصورة ليست تعذيبا جسمانيا ولا معركة مبهمة ضد الجسم كلا إنما هي التعويد على المكابد وتحمل العنت بإحلال الجد محل الهزل والعمل محل البطالة والحق محل الباطل والجهاد محل القعود والصبر محل الضجر، قال تعالى (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ) البقرة 45
والصبر هنا هو الصوم وفي الحديث الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم نصف الصبر» رواه الترمذي.
إن رمضان بهذه الصورة فرصة كبرى ومنحة عظمى للمرء المسلم في أن يطهر نفسه بالنهار كي يعدها لتلقي هدايات القرآن في قيام الليل ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ) المزمل: 4-6 وناشئة الليل هي أوقاته وساعاته والمقصود: أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة من قيام النهار لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش فكان الصيام في النهار تخلية والقيام في الليل تحلية ومن ثم تزكوا النفس وتسمو، وتكون مهيأة لأن تكون مجابة الدعوة، ولربما دل على ذلك قوله جل علا بعد آيتى الصيام (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة 186
**وقفة:
إن الشياطين تصفد في رمضان ولكن من لنا بشياطين الإنس الذين تفلتوا من كل قيد وتحللوا من كل رباط .
لقد ظهر شياطين مردة وأبالسة فجرة يستحي إبليس من فعالهم ويتعلم الشيطان وجنوده منهم، ظهروا على المسلمين عبر الشاشات الصغيرة والكبيرة يبشرونهم ببرامج خلابة ومشاهد جذابة يعدونهم ويمنونهم بما سيقدمون لهم من أغنيات ماجنة ورقصات آثمة وأفلام ساقطة ولا يستحيون حينما يتبجحون فيقولون للناس: إن ذلك بمناسبة رمضان المبارك وأي بركة وقد برك إبليس على قلوبهم وجثم الباطل على صدورهم وعشعش في ثنايا نفوسهم واعماق حياتهم؟! (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ) النساء: 72
واننا ندعو كل مسلم أن يتقي الله في هذا الشهر الكريم فوالله لا ينفع إمساك عن الطعام والشراب مع إطلاق للجوارح في هذه المآثم وتلك المخازي، قال صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة ، فاذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب» رواه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم : «ليس الصيام عن الأكل والشرب وإنما الصيام من اللغو والرفث» صحيح ابن خزيمة
وقال جابر صلى الله عليه وسلم : «اذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم»
فلنحذر أيها الأحبة كي لا نكون ممن قيل فيهم (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ) الفرقان23
وإننا ندعو وسائل الإعلام في بلادنا أن تحارب هذه الرذائل وأن لا تجعل منها قدوة وأن تعمر أوقاتها بما يتناسب مع هذا البلد الطيب والمجتمع المسلم وأن يكونوا قدوة حسنة وأنموذجا فريدا ليديم الله علينا أمننا وأماننا وأنسنا ورخاءنا نسأل الله أن يحفظهم من كل سوء وأن يقيهم من كل مكروه ولنعلم أن الذي يمكث في الارض هو ما ينفع الناس وأما الزبد فيذهب جفاء، قال سبحانه ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) النور63
ألا فاتقوا الله إخواني الكرام وأروا الله من أنفسكم في هذا الشهر المبارك فإن لله نفحات من حرمها حرام خيرا كثيرا وأبشروا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «يقول الله جل وعلا: كل عمل ابن آدم له كفارة والصوم لي وأنا أجزي به» رواه البخاري.
***اللهم اجعل مواسم الخيرات لنا مربحا ومنغما وأوقات البركات والنفحات لنا الى رحمتك طريقا وسلما واغفرلنا ولوالدينا ولجميع المسلمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين***
*** منقول و دمتم في حفظ الرحمن ***
|