|
عضو مبدع
|
79 – أنام عريانا ووسط الماء البارد (!) :
لا يعرفُ قيمةَ النعمةِ إلا من فقدها . هذه حقيقةٌ يعرفُها أغلبُ الناسِ من الناحية النظرية , ولكن القليلَ من الناس من يعرفُـها حقيقة وواقعا , ومن يعلمُـها علمَ اليقين وعينَ اليقين .
ومما وقعَ لي منذ سنوات وسنوات , مما لهُ صلة بهذه المسألة بعضُ الحرمانِ أو الكثيرُ من الحرمانِ عِشْـتُـه في السجنِ أيام زمان :
1- في المرة الأولى : لمدة 18 شهرا , أي بين نوفمبر 1982 م , وماي 1984 م .
2- وفي المرة الثانية : لمدة 3 أشهر ونصف , أي بين 30 سبتمبر 85 م , و15 جانفي 86 م .
ومن أمثلة ذلك : 3 أيام قضيتُها في زنزانة عُريانا كيومِ ولدتني أمي . آكلُ عريانا وأشربُ عُريانا ويُحقَّقُ معي وأنا عريانٌ وأُعَذَّبُ وأنا عُريان و...وأنامُ وأنا عُريانٌ . ولا أنامُ وأنا عريانٌ بفراش أو غطاء , بل أنامُ وأنا عريانٌ ومحرومٌ من أي فراش أو غطاء في ليالي نوفمبر الباردة وفي مدينة ...المعرفة ببرودتها الزائدة في فصل الشتاء . ويا ليتَ الأمر كان كذلك فقط , إذن لهان الأمرُ عليَّ , ولكن المصيبةَ الأكبرَ هي أنني قضيتُ تلكَ الأيام الثلاثة وأنا أنامُ في زنزانة فيها ماءٌ بارد يصلُ إلى ارتفاع حوالي نصف متر . أنامُ في هذه الزنزانة ووسط الماء البارد وأنا عريان وبلا فراش أو غطاء ؟!. نَعم , أنامُ فيها نوما حقيقيا وأنا منكمشٌ على نفسي داخل الزنزانة , وعريانٌ وفي وسطِ الماءِ البارد , ولكنه نومٌ متقطع إلى ( ربما ) أكثر من 100 قطعة , أي أنني أنامُ حوالي 3 دقائق ثم أستيقظُ – بسبب برودة الماء وبرودة العري وبرودة الزنزانة وبرودة الجو السائد في الخارج و... برودة ( أو سخونة ) التعذيبِ في كل وقت من الليل أو من النهار- ثم بعدها بدقيقة أو دقيقتين أنامُ لحوالي 3 دقائق أخرى ثم أستيقظ , وهكذا ...
وفي ذلكَ الوقتِ , وفي تلك الأيامِ علمتُ علمَ اليقينِ وعينَ اليقين :
1- أنَّ نعمَ الله علينا بالفعل لا تُعد ولا تُحصى.
2- أن النومَ – مجردَ النوم - نعمةٌ من أعظمِ نعمِ الله علينا .
3- أن الثيابَ - مهما كان نوعُها , المُـهم أنها تسترُ العورةَ - نعمةٌ أخرى عظيمةٌ من نعم الله علينا.
4- أن الفراشَ والغطاء نعمتان كبيرتان من نعم الله على كل عبد حتى ولو كان كافرا .
5-أن الله يدافعُ عن الذين آمنوا , ومنهُ فمع كلِّ هذا البلاءِ المُسلطِ علي كانت معنوياتي مرتفعة جدا , وكنتُ -نفسيا- قويا جدا , وكان إيماني زائدا والحمد لله , وكنتُ باختصار أسعدَ مليون مرة من جلادي , لأنني على الحقِّ وهوَ على الباطلِ , ولأنني مظلومٌ وهو ظالمٌ .
نسأل الله الثباتَ وأن يعصمَنا من الظلمِ وأن يجعلًنا صالحين مُصلحين آمين .
80- جهلُ طبيب :
أتاني طبيب عام في يوم من الأيام من أجل أن أرقيه . قلت له : "ما بك ؟ " , قال : "أريد رقية لأنني أعاني من آلام شديدة جدا في جهة الكليتين منذ مدة معينة . والأطباء أخبروني بأن السبب هو أحجار في إحدى الكليتين وأكدوا لي وجوب القيام بعملية جراحية ولقد حددوا لي موعدا من أجل ذلك". قلت له : "وما دوري أنا إذن ؟! " فقال لي:" لقد قال لي أهلي بأنه يمكن أن تكون عين قد أصابتني , ومنه فأنا أريد رقية للتخلص من العين" " ثم أضاف :"وقد أستغني بالرقية عن العملية الجراحية !". وناقشتُ الطبيب طويلا وقدمت له الأدلة والبراهين القوية على أن الأمرَ لا يحتاج إلى رقية ,ومع ذلك فإنه أصرَّ على أن أرقيه فاستجبتُ له تلبية لرغبته فقط . وفيما بعد ,أي في الأيام التي جاءت بعد ذلك اتضح أن العمليةَ لا بد منها . وتمت العملية بنجاح وشُفي الشخص (بالعملية الجراحية ) بعد الله لا بالرقية الشرعية , والحمد لله رب العالمين أولا وأخيرا .
81- خطأٌ في العنوان :
في العام الأول من بداية عملي في مجال التدريس ( 1978 – 1979 م ) كأستاذ علوم فيزيائية في ثانوية ديدوش مراد بميلة , جاءتني رسالة باسم "عبد الحميد رميته , ثانوية ديدوش مراد , ميلة , ولاية ميلة , الجزائر ". وظنا مني بأن الرسالة موجهة إلي , فتحتـُها وبدأتُ في قراءتها . ومع منـتصفِ قراءتي للرسالة توقفتُ عن القراءة لأنني عرفتُ من خلال مضمونِ الرسالة بأنها موجهة إلى غيري . اتصلتُ بالإدارةِ وببعض الأساتذةِ وسألتهم عن الأمرِ , فعلمتُ بعد طولِ بحث وسؤال أن الرسالةَ كانت في الحقيقة موجهة لشخص يُـشبهني في الإسم أو في اللقب أو فيهما معا ( لا أريدُ أن أذكرَ هنا فيمَ التشابهُ , حتى يبقى كلامي عاما , وحتى لا أحرجَ أحدا بما أكتبُه في هذه الوقفات ).
سلمتُ عندئذ الرسالةَ إلى صاحبها بعد أن أغلقتُها واعتذرتُ إليه بلطف على قراءتي لجزء منهـا .
والرسالةُ كانت مرسلة من الغرب الجزائري من طرف شخص يحكي – بافتخار- عن طيشِه وطيش زملائه من الشباب وتسكعهم على شواطئ البحر , وكذا عن مغامراته مع البنات وقدرته الكبيرة في اصطيادهن و... لا أدري ما الذي كان يحتوي عليه الجزء الأخير من الرسالة .
ثم النهاية أنبه إلى ما يلي :
1- ما أبعد الفرق بين كتابة عن مباح أو عن طاعة وبين كتابة عن لغو أو عن معصية , من حيث النتيجة المترتبة : أجر وثواب أو إثم وعقاب .
2- ما أبعد الفرق بين الراحة والسعادة التي يحس بها الشخصُ وهو يكتبُ نظيفا وطيبا ومباركا أو وهو يكتبُ لغوا وكلاما فارغا وبذيئا وفاحشا .
3- ما أبعد الفرق بين صاحبين التقيا على طاعة الله وتحابا في الله , وآخرين التقيا على معصية الله وتحابا في الشيطان والعياذ بالله .
4- القراءة السابقة لرسالة الغير جائزةٌ ما دام القارئ لا يعرفُ أن الرسالةَ موجهةٌ لغيره , لكن عندما يعرفُ ذلك وجب عليه التوقفُ عن القراءة وإلا كان متجسسا على الغير تجسسا حراما . هذا يعتبر تجسسا حراما , إلا في حالات استثنائية معينة تحدَّثَ عنها العلماءُ في موضعها .
5- لكن حتى وإن كنتُ لم أكملْ قراءةَ الرسالةِ , فإنني اعتذرتُ للمرسلة إليه , واغتنمتها فرصة من أجل أن أقدمَ له بعضَ النصائح المتعلقة بالصحبة وبالمراسلة وأحكامهما في الإسلام . والشخص قبِلَ مني النصيحةَ والحمد لله . وحتى إن لم يعمل بالنصيحة في الحين , فإن الأملَ في الله كان كبيرا من أجلِ أن يعملَ المنصوحُ بالنصيحةِ ولو بعد حين ما دامت النصيحةُ صوابا وخالصة لوجه الله بإذن الله .
يتبع :...
|