|
عضو فخري
|
(1) كيف تكونين داعية ناجحة* إن الداعية الناجحة هي التي تجمع العلم السليم والنهج المستقيم , همها صواب عملها وموافقته للكتاب والسنة وإن خالف هواها وما قد يرجحه عقلها أو ما يراه الناس .
فهي ترى النجاح أن تفوز برضوان الله سواء استجاب لها المدعوون أم لم يستجيبوا, وإنها ناجحة لأنها تسير في رضوان الله , وفق ما يريد الله وهكذا حال الأنبياء .
إن مقياس النجاح آخروي قبل أن يكون دنيوي , يعتمد على مدى موافقة الدعوة لشريعة رب العزة , فإذا كانت كذلك وخرجت من قلب مخلص كان النجاح حليفها , ومن هنا نذكر بعضا من الأسس لتكوني داعية ناجحة في الدنيا والآخرة :
- ابدأي بنفسك :
هذا هو المنهج النبوي , فالتدرج بدعوة النفس وإصلاحها ثم دعوة الأهل و الأقربين ثم عامة الناس هو طريق الناجحين, بل هو سر نجاحهم والسبب وراء قوة تأثيرهم.
إن البدء بالنفس يكسبك الخبرة في سياستها والمهارة في التعامل معها والإدراك لأسرارها, ومواطن القوة والضعف فيها , كما أن نجاحك في التعامل معها هو الشهادة التي تنتقلين بها إلى مرحلة دعوة الأهل والأقربين . فالمرء أقدر على نفسه منه على الآخرين.
أما في المرحلة الثانية من التدرج في الدعوة فهي دعوة عامة الناس بإلقاء الدروس و المحاضرات وانتهاز فرص الاجتماعات في النصح والتوجيه ولو بتوزيع شيء من المطبوعات , وهذه أشد المراحل صعوبة وأحوجها إلى الصبر والعزيمة , هذا لمن تدرجت فمارست الدعوة قليلا قليلا فكيف بمن قفزت فبدأت بالعامة ؟؟!!
إن من مشكلات الدعوة اليوم القفز إلى دعوة العامة قبل النفس والأهل .
إن الدعوة هي توجيه أمة وإعداد جيل فأي خلل في ذلك يعد إفسادا لهذه الأمة , وأي خطأ هو تراجع بها عن سيرها , فهلا أدركنا خطورة الأمر وتورعنا .
إن إصلاح الخلل وإزالته يمكن بغير كونك داعية , فأين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟وأين من سن في الإسلام سنة حسنة ؟ وأين التعاون مع الجهات الدعوية الخيرية ؟ أفلا نحسن العمل إلا إذا كنا في الصدارة ؟؟!!
فالداعيات الموفقات كثر والمزيد لا ينكر نفعه احد لكن شريطة أن تكون الزيادة منهجية مبنية على أسس سليمة لا الكثرة الضارة المضرة .
- العلم العلم :
وأول ما تطلبين من العلم العلم بالله , علم يكسبك حبه , وحب يجعلك تتلذذين بطاعته, لا تفترين عن ذكره , علم يجعلك تخشينه , وأخشى ما تخشين غضبه وصده عنك, فمن عرف الله عرف سعة رحمته وشدة عقابه .
علم يجعلك تبحثين في كل ما يحب لتفعليه وما يكره فتتركيه , علم يجعلك تتمنين لو أن العالمين يذوقون لذة مناجاته والأنس بقربه .
علم يجعلك لا تيأسين من رحمته مهما كانت معصيتك , ولا تيئسين الناس منها , كما لا تأتمنين مكره ولا تؤمنين الناس ذلك .علم يجعلك في وجل إلى أن يأتي الأجل .
ثم تأتي العلوم الأخرى ومنها : علمك بسيرة وسنة أحب عباد الله إلى الله محمد صلى الله عليه وسلم , فاقتدي به واستني بسنته , لأن من أحب الله أحب رسوله , ومن أحب الرسول اقتدى به .
ثم تعلمي أمور دينك مبتدئة بالأهم فالمهم مستعينة بالعلماء ليرشدوك في ذلك .
إن العلم بحر بعيد ساحله والحكيم من تلمس منه حاجاته وما يقويه في سيره لآخرته , فالعلم هو النور الذي تواجهين به ظلمة الفتن والتي عمت في هذا الزمان ..
إن المتأمل لحال بعض الملقبات بالداعيات اليوم يجد خللا واضحا في فهم أي العلوم يتعلم وأي العلوم يعلم . فنجد من عرفت شيئا من التجويد غدت داعية , ومن حفظت بابا من الفقه أصبحت شيخه , وعلى هذا فكل معلمات الدين في مدارسنا أصبحن داعيات !!!
يجب أن نفرق بين المعلمة والداعية , ويجب أن ندرك ما تعنيه كلمة داعية من عظم الأدلة, فالقضية ليست في إتقان بعض أساليب الوعظ , أو التركيز على قضية الذنوب وآثارها .. بل إن الأمر أعظم من هذا بكثير .
لقد تساهلنا في التقليل من شأن الداعية ومكانتها , حتى تلقب بلقبها أناس ليسوا أهلا لذلك , ثم إذا أنكر عليهم أحد أو لامهم من لامهم وانتقد نقصهم , أو ظهرت معايبهم واستبان جهلهم وحاجتهم لتعلم أمر دينهم قبل أن يتصدوا مجالس الآخرين غضب أولئك الملقبات بالداعيات وصوروا الأمر على أنه حرب لأولياء الله ودعاته على أرضه !!
ولعلي أقول كلمة إلى من تفتح منزلها لحلق الذكر ومجالس الوعظ والنصح بان تتأكد من سمحت لها بالإلقاء في دارها أن تتحقق فيها شروط الداعية .
هل تملك العلم الكافي ؟ فكما أن الدال على الخير كفاعله فكذلك من غش الناس فجمعهم لمن لا يعرف دينه فيلبس عليهم أمرهم .
ولمن ظهر لها ضعف عملها نقول : إن الإخلاص يقتضي طلبها للعلم إن كانت تود الاستمرار في دعوتها , على أن تتوقف زمانا لتأخذ من العلم حظها ثم تعاود دعوتها , ومن كان رضوان الله همها فإن العلم أحب لها من الذهب والفضة , أما من مال قلبها لثناء الناس والمكانة في قلوبهم فما أشق طلب العلم عليها وما أصعبه .
- الخلق .. الخلق فالدين المعاملة :
إن أثقل أعمال العبد ميزانا وأعظمها شأنا هداية القلوب ( ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك )
هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حليما بأهل دعوته , فما أحوجنا نحن إلى حسن الخلق .
دعي التصنع فطعمه ظاهر إلى النفس مقزز , ثم إن حقيقتك لابد أن تظهر . أما إذا هذبت أخلاقك قبل أن تسيري في دعوتك فأنت الموفقة بإذن الله .
إن بعض الداعيات تجيد إظهار حسن الخلق ومحبة الخلق حتى إذا ما خالطتها وجدت شدة وقسوة وحب رئاسة وشهرة , فهي لينة الجانب مع محبيها والمثنيين عليها , شديدة على من يخالفها أو من يوجه نقدا لها ولو كان مخالفاً لما يجب أن تكون عليه الداعية , والعجيب أنه لو أكد لها سوء خلقها وصعوبة نقاشها ألقت اللائمة على صعوبة الدعوة وأنه يجب على الآخرين احتمالها حتى تكمل رسالتها الدعوية لا أن يقفن في مواجهتها منتقدات لها !!
من قال لها إن الناس بحاجة إليها؟ ومن كلفها بالدعوة؟ إن الواجب على هؤلاء النسوة أن ينصرفن تجاه أنفسهن فيبادرن بالإصلاح والتقويم قبل أن يفرضن أنفسهن على الناس .
ما هو منهجك ؟؟
اجعلي من الوسطية منهجا لك , بعيدا عن غلو المتشددين وتساهل المتساهلين .
مرجعيتك الكتاب والسنة وسيرة سلف خير الأمة , ميسرة لا معسرة , متفائلة بالخير , تخططين للأصلح بعد علم بقواعده وإدراك للواقع وفهم لسنن الله الكونية , همك المصلحة العامة ووحدة الصف واجتماع الكلمة , ولا يعني هذا تنازلك عن آرائك لكنه يعني أن لا نجبر الآخرين على الأخذ بها فننفر منهم لمخالفتهم لها , فالحب للمؤمن قائم مهما كان الاختلاف مادام لا يخالف صريحا لكتاب أو سنة .
(2) كلمات عظيمة عجيبة من زوجة الداعية* بعد أن نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلمورجففؤاده ودخل عليها فقال: زملوني زملوني ... ثم قال بعد أن أخبرها الخبر : لقدخشيت على نفسي ..
قالت خديجة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم : "كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسبالمعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ..
إن هذهالكلمات الكبيرة لا يمكن أن تخرج إلا من قلب كبير .. قلب استوعب الدور المطلوب منالمرأة الصالحة .. من الزوجة الذكية .. من المرأة الداعية ..
امرأة تنطق بكلمات تثبيت؛ تربط بين الأعمال الصالحة التي كان يقوم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينالنتائج الإيجابية من الله تعالى .
كلمات تثبت صاحب أكبرأمانة في هذه الأمة وسيد ولد آدم . كلمات فائقة الوصف .. من امرأة عاشت في الجاهليةوكَمُلَتْ في الإسلام .. إنها الكلمات العاقلة في عصر الجاهلية العاصف ..
امرأة تثبت زوجها على الطريق وهي تعلم علم اليقين إنه طريقذي أشواك .. طريق فيه النصب والعداء والإخراج من البلاد .. ومع هذا تثبت وتثبِّتزوجها على الطريق .. إنها قدوة الداعيات المسلمات المؤمنات .. امرأة تصبر على تعبد زوجها في الغار وابتعاده عنها عصرالجاهلية .. وتصبر على ابتعاده عنها في عصر الإسلام الأول في سبيل الدعوة إلى اللهتعالى .. ومع هذا تكون له الحضن الأول حتى إذا ساءه شيء أو أخافه عاد إليها فوجدفيها السكن والراحة والأمان .. إنها المرأة الداعية .. ذات القلب الكبير ..
بُشرت ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب .. والجزاءمن جنس العمل..فإليك أختي الداعية وأخي الداعية نتعلم منسير العظماء ما يدلنا على الطريق .. أيتها المرأة الداعية كم من بيتٍ ينتظرك فيالجنة إن أحسنتِ العمل .. إنها مسئولية الزوجة الداعية وهديتهالا زوجة بيوت الأزياء والسفرات والأسواق والخوفوالإرجاف.
(3) دور زوجة الداعية مع زوجها* الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
تجهل كثير من الزوجات الطيبات أنها مشاركة لزوجها في الأجر والعمل الذي يجريه الله تعالى على يديه متى ما احتسبت وهيئت له الجو المناسب في منزله لاستجماع قوته وأفكاره ، وشجعته وصبرته وقوت من عزيمته على المضي في دعوته ونشاطاته الخيرية .
هذا الجهل أو قولي التجاهل أحيانا أثمر عن نتائج غير جيدة في علاقاته معها بل تسببت في زرع عوائق في طريق الداعية ومن ذلك :
1. كثرة التشكي منه أو عليه بسبب بعده عن المنزل أو تقصيره في طلباتها .
2. كثرة الطلبات وعدم مراعاة الأوقات المناسبة في طرحها أو طلبها.
3. .عمل مقارنة ظاهرية بعيدة عن الوعي مغفلة أسرار البيوت غير مدركة للسلبيات ، بين زوجها وأزواج أقاربها أو صديقتها ومعارفها . وليتها عملت مقارنة مع كثير من البيوت التعيسة التي تعيش حياة الصخب والتهديد والضرب والاعتداء من جراء المخدرات أو الفضائيات أو غيرها
4. ضعف الأداء التربوي لأبنائها بحجة أن المسؤولية تقع عليه أولا.
5. فقدان البسمات الجميلة من على وجهها بسبب تأخر زوجها أو كثرةمشاغله.
6. إجراء المواعيد مع الأقارب والأحباب دون النظر إلى إمكانات زوجها في تحقيق مطلوبها .
7. سرعة التأثر بأحاديث النساء وتصديقها لكل ما يقال .
8. التنكر لحسناته ومواقفه الطيبة منها .
9. الاهتمام المظاهر والزخارف الجوفاء .
10. عملية الإسقاط والإحباط لعزيمته بسبب دنو همتها : فهمته في الثريا بينما همتها في الثراء ، فعلى حين يحضر البيت وكله هم من منكر وقع أو واجب ترك إذا هي مشغول بالها بموضة جدت أو لباس أخطأ الحائك في خياطته .
- المطلوب من خلال التجربة لا غير :
· الدعاء له بالتثبيت أمامه وخلفه وهذا من أقوى الأسباب في شد أزره ولا يكلفك أختي الكريمة شيئا.
· القيام بشئون الأولاد وعدم التشكي منهم أو كثرة الاتصال عليه وأخباره بما جرى منهم ، فقد قالت خولة رضي الله عنها في بيانها : ولي منه أولاد إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا " دلالة على دور المرأة الرئيسي في التربية .
· جمع الطلبات وتنسيقها وتحري الفرصة المناسبة له في قضائها .
· تذكيره دائما بأبواب الخير وإعانته عليها .
· تصبيره وتذكيره بالأجر والثواب وحسن الصبر والمواصلة متى رأت منه مللا أو تشكيا وتعبا.
· تحمل جميع أعباء البيت وجميع ظروفه وأحواله وعدم إخباره بما لا يسر أثناء سفره حتى لا تشل حركته .
· مساعدته في جمع المعلومات أو كتابة الموضوعات أو الأفكار الجديدِ ، والقيام بالكتابة أو الطباعة له إن قدرت على ذلك .
· الاقتراب منه متى ما رأته منه ميلا وإقبالا عليها ، وتترك له الفرصة في الابتعاد والانفراد في البيت أو المبيت متى ما أحست رغبته في ذلك .
· عدم عرض أي طلبات أثناء تعبه أو شروده الفكري ، أو أثناء مداعبته وحضور شهوته والبعد عن الاستغلال المشين والقبيح لذلك .
· الاهتمام بالمظهر الجميل والهندام الأنيق عند قرب حضوره للبيت .
· تهيئة الجو المناسب لراحته ونومه بعيدا عن ضوضاء الأطفال وضجيجهم .
· كثرة التجديد والتغيير في مواقع الأثاث من البيت مما يعطي مناخا مناسبا للراحة النفسية.
· القيام بصلة رحمه والاطمئنان على أحوالهم فإن هذا يختصر كثيرا من وقته ويرضي عنه أقاربه.
· حسن الاستقبال بل الاستبشار بضيوفه واحتساب الأجر في إكرامهم .
· البعد التام عن الإسراف والتبذير في أي شئ من المستهلكات ( الطعام، الماء، الكهرباء، اللباس وغير ذلك )
· الصبر وعدم التشكي من كل عارض أو وعكة صحية مع الاهتمام الشديد بالرقية أولا، ومحاولة التخلص من الأدوية الكيماوية بقدر المستطاع.
(4) فقه الدعوة في المجتمعات النسائية* كوني داعية ..
من المخاطب بهذه الدعوة ؟
المخاطب تلك المرأة في بيتها، والمرأة في مدرستها، والمرأة في عملها وفي مجتمعها. فإن الناظر لتاريخ الدعوة يرى عمق نجاح الدعوات الفردية وما الأنبياء والعلماء والمجددون إلا أفراد ٌنجحت بهم الدعوة ونُشر بهم الخير . يقول الشيح السعدي رحمه الله : "وإذا كانت الدعوة إلى الله، وإلى شهادة أن لا إله إلا الله فرضاً على كل أحد، كان الواجب على كل أحد بحسب مقدوره، فعلى العالم من بيان ذلك والدعوة والإرشاد والهداية أعظم مما على غيره ممن ليس بعالم، وعلى القادر ببدنه ويده أو ماله أو جاهه وقوله أعظم مما على من ليست له تلك القدرة، قال تعالى : {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْْ} (التغابن: الآية16) ورحم الله من أعان على الدين ولو بشطر كلمة، وإنما الهلاك في ترك ما يقدر عليه العبد من الدعوة إلى هذا الدين". وبهذا الكلام ندفع وهماً قد يقع في الأذهان وهو أن العمل الفردي في الدعوة لا يمكن أن يؤتي ثماره العمل الجماعي الذي تتجمع فيه الطاقات .
بل من الممكن أن تكوني داعية أنت وحدك، ومن بيتك .
كوني داعية ..
يقول الله تعالى : {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} (يونس: من الآية25) قال صاحب اللسان "ودعاء الله خلقه إليها كما يدعو الرجل النساء إلى مدعاة أي إلى مأدبة يتخذها وطعام يدعو الناس إليه" . ودار السلام هي الجنة، يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره : "عمَّ تعالى عباده بالدعوة إلى دار السلام والحث على ذلك والترغيب" .
من هو الداعي ؟
قال صاحب اللسان : "والدعاة قومٌ يدعون الناس إلى بيعة هدى أو ضلالة، واحـدهم داعٍ، ورجل داعية: إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين" إذن قد ندعو ونُسمى: دعاة ولكن لماذا ندعو، وإلى ماذا، ومتى، وكيف، وأين، ومن ندعو؟
إجابات هذه الأسئلة ستحدد هل نحن دعاة للناس إلى بيعة هدى أو ضلالة؟ هل نحن دعاة إلى بدعة أو دين ؟
يقول ابن القيم رحمه الله : "الدعاة جمع داعٍ، كقاضٍ وقضاة، ورامٍ ورماة، وإضافتهم إلى الله للاختصاص، أي الدعاة المخصوصون به، الذين يدعون إلى دينه وعبادته ومعرفته ومحبته وهؤلاء هم خواص خلق الله، وأفضلهم عند الله منـزلة وأعلاهم قدراً" .
وسنحاول الإجابة على هذه الأسئلة سريعاً علَّ الأمر يتضح .
أولاً : لماذا ندعو ؟
1ـ لعظم أجر الداعي إلى الله :
وهذا الأجر المترتب مذكور بنصوص كثيرة :
v فالداعية من أحسن الناس قولاً، قال تعالى : {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(فصلت، 33) .
v وللداعي مثل أجور من تبعه، عن أبي مسعود t قال: قال رسول الله r : (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) .
v ولاستمرار ثواب الداعي بعد موته. عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقةٍ جارية أو علمٍ ينتفع به أو ولدٍ صالح يدعو له) رواه مسلم .
انظري .. وقارني !! إننا نترحم على الأموات من علمائنا ودعاتنا كلما ذكرنا أسماءهم أو قرأنا كتبهم ونهلنا من علمهم، في مقابل أننا في أيام كثيرة ننسى خواص أقربائنا من الأموات. وعُدِّي كم من طلبة علم يقولون: ابن تيمية رحمه الله، وابن القيم غفر الله له، وخواص أمواتنا لا يترحم عليهم غيرنا .
كوني داعية :
2ـ استجابة لأمر النبي r : (بلغوا عني ولو آية) .
فالدعوة سبيل اتباع الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، قال تعالى : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف:108) . يقول الشيخ السعدي رحمه الله : "يقول الله تعالى لنبيه محمد r {قل} للناس {هذه سبيلي} أي طريقي التي أدعو إليها، وهي السبيل الموصلة إلى الله، وإلى دار كرامته، المتضمنة للعلم بالحق، والعمل به، وإيثاره وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له" .
كوني داعية ..
3ـ لكي تُعذري أمام الله يوم القيامة ..
قال الله تعالى : {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأعراف:164)، يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} أي لنُعذر فيهم {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون} أي يتركون ما هم فيه من المعصية فلا نيأس من هدايتهم، فربما نجع فيهم الوعظ وأثَّر فيهم اللوم، وهذا هو المقصود الأعظم من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور والمنهي، ولعلَّ الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي" .
ويقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره : " {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} أي فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون} يقولون ولعلَّ لهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ويرجعون إلى الله تائبين" .
كوني داعية :
4ـ طلباً للنجاة في الدنيا والآخرة ..
قال الله تعالى : {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الأنفال:25) . يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيرها: "{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} بل تصيب فاعل الظلم وغيره، إذا ظهر الظلم وغيره، إذا ظهر الظلم فلم يغير فإن عقوبته تعمَّ الفاعل وغيره. وتقوى هذه الفتنة بالنهي عن المنكر وقمع أهل الشر والفساد، وأن لا يُمكنوا من المعاصي والظلم مهما أمكن" .
كوني داعية ..
5ـ لتصلحي ويصلح بك المجتمع :
تبذل الأم الجهود في البيت لتُصلح نشأة ولدها، فإذا خرج وجد ما يُضاد هذه التربية علماً وعملاً وسلوكاً واعتقاداً .
فلو وقعت الدعوة موقعها وعَلم الناس ما يجهلون، لاجتمعت العقول على مقياس الصواب. والقلوب إذا لم تجتمع على عقيدة سلفية سليمة كان أصحابها في شقاق لن تجمعهم الأنساب ولا الألقاب، فاجتماع الأبدان لن يكون إلا مؤقتاً إذا كان عِقدُ القلوب مشتتاً .
كوني داعية ..
6ـ فأهل الباطل يبذلون جهودهم وأهدافهم دنيه، وأهل الحق أولى بالبذل:
والواقع يشهد بذلك، فجهود أهل الكفر لا تتوقف، بل جهود أهل البدعة لا تكلُّ ولا تملُّ، فأين جهود أهل السنة ؟
يقول الله تعالى : {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء:104) .
فإذا تساوت الآلام واختلفت الآمال، فمن كان رجاؤه بالله صحّ له الاندفاع والثبات بخلاف غيره.
كوني داعية ..
7ـ لكي يسمع الناس الحق، فلا ينقلب الحقُّ باطلاً، والباطل حقاً لسكوتنا .
تذكري : عندما يسكت أهل الحق يقبَل الناس الباطل، فسبب انتشار الباطل ترك تعليم الحق وبيانه. ولا يصدك عن ذلك عدم قبول المنتصحين، بل يكفي إسماعهم صوت الحق والنصوص في ذلك كثيرة. يقول الله تعالى : {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَاحُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} (النور:54) .
كوني داعية ..
8ـ ليحصل الأمن العقلي والحصانة الفكرية :
يقول الله تعالى : {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود:117)، والشرط أن يكونوا مصلحين ولا يكفي أن يكونوا صالحين. لذلك أهل الدعوة من أهل السنة والجماعة يُقعدِّون القواعد ويدفعون الشبه على طريقة السلف لا ينتظرون أن تقع المشكلة ثم يكونوا أهل ردود أفعال فقط، بل يعلِّمون ويؤسسون أصول هذا الدين فإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف، علموا إلى من يردّوه وتحت أي قانون عام يضعوه .
كوني داعية ..
9ـ لا تكوني منهزمة نفيساً تخجلين من الدعوة إلى الدين :
أحياناً تدور في الذهن كلمات مخذِّلة (الحرية الشخصية – ذاتية القرارات..) فننهزم أمامها، في مقابل أنه لا يسمح لأحد في أي بقعة في العالم أن يعبر والإشارة حمراء، ولا يخجل أي أحد أن يلومه أو يوبخه! لا تتوقفي لأنك تخجلين بل الشريعة هي الحضارة، وكل ما سواها رجعية وانتكاسة. يقول النبيr : "لا يمنعن رجلاً منكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه وعلمه" الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد .
كوني داعية :
10ـ لأن الإنسان بطبعه داعٍ لما يؤمن به :
انظري إلى ما يقع في المجالس، فنحن دعاة إما إلى مَلْبسِ أو مأكل أو مشرب أو تسوق، نُقنِع ونجادل وندافع وكأننا شركاء لأصحاب هذه الأماكن، وانظري إذا تعلّمت إحدانا طريقة جديدة لطهي الطعام، ثم مهرت فيها فإنها تتحول إلى داعية لتلك الطريقة، نُعلّم الجاهلين خاصةً من نحب لهم الخير، فالدعوة إذاً دلالة المحبة لكن إلى أي شيء ندعو؟
ثانياً : إلى ماذا ندعو ؟
جاء في صحيح البخاري في كتاب التوحيد (باب ما جاء في دعاء النبي r أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى) : عن ابن عباس t قال : لما بعث النبي r معاذاً إلى أهل اليمن، قال له: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى". وفي رواية أخرى "إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات..." قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسائل كتاب التوحيد: وفيه البداءة بالأهم فالمهم، ومن هنا يُعلم أهمية ترتيب الأولويات في الدعوة، وذلك لأن أعظم ما يكون في البيت أساسه، وفي الشجرة جذورها .
والرسول المصطفى r أمضى ثلاثة عشرة سنة وهو يدعو إلى التوحيد قبل دعوتهم إلى الصلاة والزكاة وبقية الشرائع، وما ذاك إلا لأن التوحيد هو الحصن الحصين والركن الشديد، يثبت العقول، وعليه تجتمع القلوب. فيجب أن يُعلم: أن الصلاة مهمة في الإسلام لكن التوحيد أهم، وأن ترك المعاصي والكبائر مهم، لكن ترك الشرك أهم :
كيف يُعرف الأهم فالمهم ؟
رعاية الأهم ومعرفة المهم مصدرها الشرع، وليست العقول والأقيسة، فدعوة الرسل قررت الأهم فالمهم ونحن أتباعهم .
وهي تدور حول ثلاثة أمور :
ـ معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته .
ـ معرفة شريعته الموصلة إلى دار كرامته .
ـ معرفة الثواب للطائعين والعقاب للعاصين .
* كاتب المقال: الشيخ سلطان بن عبد الله العمري, المصدر:موقع (ديننا) بتصرف.
* المصدر: موقع ( المفكرة الدعوية )
* للشيخ/يحيى اليحيى , (نقلا عن موقع "مجلة الملتقى")
* من كتيب (فقه الدعوة في المجتمعات النسائية) تأليف:أناهيد السميري/نشر دار الخير للنشر والتوزيع بجدة
|