|
عضو مبدع
|
90- بعضُ النسيان خيرٌ :
هذا كلامٌ ينطبق على مصائب الدنيا وهمومها التي لولا نسياننا لها لعشنا حياتنا الدنيا وكأننا أمواتٌ . من رحمة الله بنا أننا ننسى أنه مات لنا عزيزٌ مثلُ أب أو أم أو أخ أو أخت أو زوج أو زوجة أو... وإلا , أي لو بقينا نتذكرُ موتَ العزيزِ الذي ماتَ لتوقفنا عن الأكل والشرب والنوم والدخول والخروج والبيع والشراء ومعاشرة النساء والدراسة والعمل وطلب العلم والترفيه و...وعندئذ يتوفانا اللهُ بعد أيام فقط من موتِ من مات لنا , ثم خلال أسابيع أو شهور تتوقف الحياة والعياذ بالله تعالى.
في صبيحة ( قبيل الساعة الثامنة ) يوم من الأيام الأخيرة من شهر جانفي 1989 م اتصل بي طبيبٌ من مستشفى مدينة سكيكدة ليخبرني بأن أمي ماتت منذ ساعتين داخل المستشفى. ماتت وحدها للأسف الشديد ( بسبب ضعف في الكلى ) , لأن المسؤولين عن المستشفى منعوا خالتي – قبل ذلك بيوم - من المبيت مع أمي في المستشفى لتعتني بها . اتصلتُ بأهلي في القل ثم التقينا أنا وإياهم في سكيكدة لنأخذ الأم لنغسلها ونكفنها ونصلي عليها في "بني زيد" , ثم ندفنها بعد ذلك بجانب أبي بـ" كاف الشفرة" على بعد 1.5 كلم من بني زيد .
وعندما أخذناها من المستشفى في السيارة نحو " بني زيد" كان أحد إخوتي في الجزء الأمامي من السيارة , وأنا كنتُ مع أمي في الخلف . وكنتُ طيلة الرحلة من سكيكدة إلى بني زيد , كنتُ وحدي مع أمي : أنزع الغطاء باستمرار عن رأسها وأقبلها وأبكي بالدموع الغزيرة [ والحمد لله , لقد كنتُ عزيزا على أمي , وماتت وهي راضية عني كما كان حالي مع أبي قبل وعند موته , قبل موت أمي بعامين ]. أُغطي وجهَها ثم أكشفُه لأُقبله وأبكي من جديد . بقي حالي كذلك حتى وصلتُ عند أهلي في بني زيد حيث كانوا بانتظاري أنا وأخي
" الطاهر". كنتُ أبكي وأقول لنفسي" ما قيمة الحياة الدنيا بعد أمي ؟!. يا عبد الحميد بطنُ الأرض أولى لك من ظهرها بعد وفاة أمك ؟!. يا عبد الحميد لا فائدة – بعد اليوم – من الأكل أو الشرب أو العمل أو النوم أو الرياضة أو الكتابة أو القراءة أو الترفيه أو معاشرة النساء أو ...يا عبد الحميد إن كنتَ تحبُّ أمك فمُت أنتَ بموتها ولا تعشْ بعد موتها يوما واحدا...!!!".كنتُ أخاطبُ نفسي هكذا , ولكنني بعد أيام قليلة نسيتُ , ويستحبُّ أن أنسى . يستحسنُ أن أنسى قليلا حتى أستطيع أن أُعمر الحياةَ الدنيا التي خلقني الله لأكون خليفة له عليها . لقد ماتَ والدا أمي , وعاشتْ أمي وأكلت وشربت ودخلت وخرجت وباعت واشترت ونامت واستيقظت وتزوجت وولدت و... وهكذا تموتُ أمي ولكنني أبقى أنا وأعيش وآكل وأشرب وأدخل وأخرج وأنام وأستيقظ وأعمل وأطلب العلم وأبيع وأشتري وأتزوج وأربي أولادا , ثم أموتُ أنا ويعيش أولادي بإذن الله , وهكذا... هي الحياة.
إذن بعضُ النسيانِ للموتِ خيرٌ , ولكن ليس كلُّ النسيان خيرا . إن النسيانَ المحمودَ هو الذي يساعدنا على العمل لدنيانا وكأننا نعيش أبدا , ولكن لا يجوز أن ننسى الموتَ تماما , حتى نبقى دوما نعمل لآخرتنا وكأننا نموتُ غدا.
اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة آمين .
91 – علاجُ نفسه هو الواجبُ :
قبل البدء بمعالجة الناس يجب على من أراد ذلك أن يعرض نفسه على أحد الرقاة من أهل الثقة كي يرقيه للتأكد من خلوه من الأمراض التي تعالج بالرقية الشرعية,فإذا بدا بأنه سليم فليرق غيره بدون حرج وإلا فعلاج نفسه هو الواجب والمطلوب.وهذا الشخص إن أصرَّ على علاج الغير وهو مريض فإنه يكون قد فتح بابا لا يُسد غالبا إلا بعد فوات الأوان.وإذا جاز للطبيب العضوي أن يعالج غيره حتى ولو كان هو مريضا,فلا يجوز في مجال الرقية أن يرقي مريض ٌ(كالمُصاب بجن مثلا) مريضا مثله مصابا بسحر أو عين أو جن.نقول هذا لأن بعض الناس الذين كانوا مرضى نلاحظ أن منهم من يتحول فجأة إلى أن يصبحوا معالجين لغيرهم.وعندما تتطور بهم الأحوال ويبدءون بعلاج غيرهم يتضح أنهم مرضى وأن فيهم جن(مثلا) هم الذين أمروهم بأن يعالجوا الناس.ولا يمكن للجن أن يأمر شخصا إنسيا بعلاج الغير حبا فيه ولا حبا في الإسلام والمسلمين ,ولن يأمره بالعلاج إلا بالطريقة غير الشرعية حتى ولو كان فيها شيء من القرآن والحديث الصحيح. والتجربة تؤكد على أن الذين يأمرهم الجن بعلاج الغير هم غالبا سذج وضعاف إيمان وجاهلون بالإسلام.وعلى سبيل المثال أتت إلى امرأة من ضواحي ميلة تعاني من جملة أعراض بدا لي بأنها يمكن أن تكون أعراض مس من الجن وقالت لي بأنها ترى امرأة (كأنها جنية) تطلب منها أن تبدأ في معالجة الناس بالقرآن على اعتبار "أنك امرأة مباركة ويدك فيها الخير و.." فرقيتها وحذرتها من ممارسة الرقية لغيرها (أما لنفسها فلا بأس) لأنها جاهلة من جهة ومريضة من جهة ثانية ولأن الجن يريدون من خلالها أن ينشروا الدجل والشعوذة من جهة ثالثة. استمعت إلي المرأة وقبلت مني وأخبرتني بعد مدة بأنها شفيت والحمد لله رب العالمين مما كانت تعاني منه .
92-كلمة فاحشة في الحمام :
تعودتُ من سنوات على أن أذهب مع أساتذة وعمال ومراقبين و...في رحلة جماعية من خلال حافلة صغيرة تحملنا – حوالي 25 شخصا- في الصباح ( بعد الصبح ) وترجع بنا في المساء ( قبيل المغرب ) . تتم هذه الرحلة بمبادرة من البعض منا , وتكاليفُها المادية نتحملها نحنُ من جيوبنا , وتتكرر كل حوالي 3 أشهر تقريبا . تعودنا على الذهاب إلى الحمام في مدينة من المدن...ونقضي الرحلة على أحسن حال بين الحمام والصلاة جماعة في أحد المساجد والغذاء الجماعي وسط الطبيعة وسماع الأناشيد الدينية وحكاية النكت الهادفة ومناقشة القضايا الدينية المختلفة وتبادل المعلومات العامة والإسلامية في الفقه والآداب والأخلاق والسيرة والتفسير و...وجرت العادة على أن أكون أنا الموجه لأغلب النقاش من أول رحلتنا إلى نهايتها – وأما الأمور التقنية فلها أهلها المناسبون-, خاصة وكل الإخوة الذين أقضي معهم الرحلة يحترمونني كل الاحترام , والحمد لله رب العالمين .
وفي رحلة من الرحلات رمى أحد الإخوة – وهو في مسبح الحمام - ماء في وجه آخر وهو يمازحه , ولكن الآخرَ دخل له ماءٌ في فمه فبلعه , ونتيجة لذلك قال كلمة فاحشة للآخر . ونظرا لأنها هي الكلمة الفاحشة الأولى التي يقولها واحدٌ أمامي في رحلاتنا المختلفة ( تعودَ كلُّ الإخوة على أن لا يقولوا أبدا كلمة فاحشة أمامي , لما بيني وبينهم من الاحترام والتقدير ) , فإن كلَّ الإخوة نظروا إلى القائل منكرين , ونظروا إلي منتظرين ومتوجسين من رد فعلي . سكتُّ وأعرضتُ عن القائل وأخذتُ ثيابي وخرجتُ من الحمام وما قلتُ شيئا . بقي البعضُ من الإخوة في الحمام وخرج الآخرون بعد خروجي أنا مباشرة . وعلى خلاف العادة قضيتُ بقيةَ اليومِ
( من العاشرة والنصف صباحا وحتى قبيل المغرب ) ساكتا . وبسكوتي سكت الجميعُ : سكتوا بدون أن أقول لهم " أسكتوا" . سكتوا قبل وبعد وأثناء الغذاء , وسكتوا قبل وبعد صلاتي الظهر والعصر , وسكتوا أثناء تنقلنا من خنشلة إلى أم البواقي وإلى قسنطينة وإلى ميلة ( حوالي 180 كلم ) . سكتوا , فلا نكت ولا حديث عن الدين ولا عن الدنيا , وحتى الأكل والشرب اكتفى الجميعُ بالأكل القليل والشرب اليسير. سكتوا ليعبروا لي – بطريقة غير مباشرة – عن تضامنهم معي وعن استنكارهم للكلمة البذيئة التي قيلت وعن استيائهم ممن قالها وممن دفعه لقولها . وكانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي سمعنا فيها في رحلة من رحلاتنا كلمة لا يحبها الله ورسوله , ومن تلك المرة مُنِع من قال ما قال من الذهاب معنا في رحلة أخرى , وعزم الإخوةُ كلهم على أن يكون هذا هو الخطأ الأول والأخير بإذن الله تعالى . ومنذ ذلك الحين لم أنسَ تلك الرحلةَ التي سمعتُ فيها ما لا أحبُّ ولكنني تعلمتُ منها الكثير مما أحبُّ , ومنه :
1- إن كنتَ مستقيما على أمر الله , فإن الناس سيحترمونك وإن لم يلتزموا بكل ما التزمتَ به أنتَ .
2- نزِّه سمعكَ عن سماع الحرام يُسخر اللهُ لك أولادَ الحلال ليعملوا باستمرار من أجل أن يُبعدوك عن سماع أي قبيح .
3- فرقٌ كبير بين الراحة المزيفة التي يحس بها من يقولُ أو يسمعُ الكلامَ البذيء الفاحش , والراحة والسكينة والطمأنينة التي يعيشُها من لا يسمعُ في حياته إلا طيبا .
4- إذا أردتَ أن يحبكَ الناسُ فأحببْ أنتَ اللهَ أولا وقبلَ ذلك .
5- مطلوبٌ منا باستمرار أن نرفع الناس إلى المستويات النظيفة , لا أن ننزل عندهم إلى المستويات الهابطة والساقطة من منطلق أن " الجمهور عايز كده".
والله أعلم بالصواب , وهو وحده الموفق والهادي لما فيه الخير.
يتبع :...
|