[frame="1 90"]وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبه: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم فمن طعن في القرآن، بما ذكرنا أو غيره من أنواع المطاعن فهو مكذب لله - عز وجل - في وصفه لكتابه بأنه أحسن القصص وأحسن الحديث، ومكذب للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: إنه خير الحديث وقال سبحانه وتعالى في وصف القرآن الكريم: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وقال: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ وقال وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ وقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وقال: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ إلى أمثال هذه الآيات الكثيرة في كتاب الله، فمن زعم أنه متناقض أو مشتمل على بعض الخرافات التي أدخلها فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مما تلقاه من بادية الصحراء أو غيرهم فقد زعم أن بعضه غير منزل من عند الله وأنه غير محفوظ، كما أنه بذلك قد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه كذب على الله وأدخل في كتابه ما ليس منه، وهو - مع ذلك - يقول للناس: إن القرآن كلام الله، وهذا غاية في الطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم ووصفه بالكذب على الله وعلى عباده، وهذا من أقبح الكفر والضلال والظلم، كما قال الله سبحانه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ وقال عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ الآية، وقال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ الآية.
ذكر علماء التفسير - رحمهم الله - أن هذه الآية نزلت في جماعة كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال بعضهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. وقال بعضهم: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا، والله لنا بكم غدا مقرنين في الحبال، قال بعضهم: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها، هيهات، فأنزل الله قوله سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ الآية، فجاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يعتذرون ويقولون: إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، فلم يعذرهم، بل قال لهم عليه الصلاة والسلام: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ، فإذا كان هذا الكلام، الذي قاله هؤلاء يعتبر استهزاء بالله وآياته ورسوله، وكفرا بعد إيمان، فكيف بحال من قال في القرآن العظيم: إنه متناقض أو مشتمل على بعض الخرافات، أو قال في الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه إنسان بسيط لا يميز بين الحق والخرافة، لا شك أن من قال هذا هو أقبح استهزاء، وأعظم كفرا!.
(ذكر كلام العلماء فيمن طعن في القرآن الكريم أو الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم )
( أو استهزاء بهما، أو سب الله، أو الرسول صلى الله عليه وسلم)
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) عند تفسير هذه الآية ما نصه: (قال القاضي: أبو بكر بن العربي: لا يخلو أن يكون ما قالوه في ذلك جدا أو هزلا وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة) انتهى المقصود.
وقال القاضي عياض بن موسى - رحمه الله - في كتابه (الشفاء بتعريف حقوق المصطفى) ص 325 ما نصه: (واعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبهما أو جحده أو حرفا منه أو آية، أو كذب به أو بشيء مما صرح به فيه من حكم، أو خبر، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك - فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ انتهى المقصود.
وقال القاضي عياض في كتابه المذكور، في حكم سب النبي صلى الله عليه وسلم ص 233 ما نصه: (اعلم وفقنا الله وإياك، أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به، أو شبهه بشيء، على طريق السب له أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه والعيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب - يقتل كما نبينه، ولا نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحا أو تلويحا.
وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه، على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء أو المحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة، والمعهودة لديه، وهذا كله إجماع العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة - رضوان الله عليهم إلى هلم جرا.
قال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل، وممن قال ذلك: مالك بن أنس، والليث، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي). انتهى.
يتبع[/frame]
|