|
عضو مبدع
|
.
4-ثم قال لي أخ رابع " لقد قلتَ : لا خلافَ بين علماء الإسلام على أنه لا يجوزُ الاعتماد على الحساب من أجل تحديد مواعيد المواسم الدينية. ثم أنت هنا تقول : عندما يصبحُ الحساب في يوم من الأيام دقيقا , سيُطرح عندئذ السؤالُ على علمائنا وسيجيبون : هل يجوز الاعتماد عليه أم لا ؟. ألا ترى بأن هناك تناقضا في إجابتك ؟!.
فـقلتُ لهُ : قلتُ في موضوعي ما نصه " وإن أردتُ الدقةَ أكثرَ فإنني أقولُ بأن شبهَ إجماع منعقدٌ على أنه يحرمُ على الأمة الإسلامية الاعتمادُ على الحسابِ , وقلتُ " شبه إجماع " على اعتبار أن هناك قولا – ولكنه شاذٌّ في نظر العلماء والفقهاء – يبيحُ الاعتمادَ على الحسابِ ". إذن هو شبه إجماع وليس إجماعا تاما وكاملا , ومنه فإننا نتمسك به اليوم ونعتمد على الرؤية مادام الحسابُ غير دقيق ومادام الشرعُ يوصينا ويؤكد على الوصية
" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " .أما إن فرضنا بأن الحساب أصبح قطعيا ودقيقا في يوم من الأيام , فيمكن للفقهاء أن يطرحوا المسألة من جديد للنقاش وللإجتهاد لأن الإجماع على حرمة العمل بالحساب ليس منعقدا بالتمام والكمال . ومنه فأنا أظن بأنه ليس هناك أي تناقض في كلامي , والله أعلم .
5- وقال لي أخ خامس : " فأعلم يا أخي بأنه يوجد من لا يعمل برأيك هذا الذي قلتَ فيه [ وأما بالنسبة للوقوف بعرفة ولموعد عيد الأضحى فلأنهما شعيرتان مرتبطتان بالحج وبمكة والمدينة فإن اتباعَ السعودية في ذلك يصبح أمرا مطلوبا بداهة ] ولا يراه أمرا مطلوبا بداهة كما قلتَ أنتَ , فأنا أعلمُ شخصيا مسجدا لم يتبع السعوديةَ حتى في تحديد عيد الأضحى ويوم عرفة وناقشتُ مسؤولي هذا المسجد بدون تمكني من إقناعهم من أجلِ عدم التفريق بين المسلمين في مدينة واحدة ومن أجل أن يستمتعوا بعيد الأضحى مع إخوانهم. فتثبتهم بحرفية فهمِ النصوصِ حال دون ذلك".
فقلتُ لهُ بأنه ليس شرطا أن يوافقني فيما أقول كلُّ الناس في كل مكان . ثم هناك فرق بين أن يخالفني قليلون أو يخالفني كثيرون , وبين أن يخالفني عامة أو أخالفُ أنا علماءَ مجتهدين , وهكذا ...
6- ثم سألني سادسٌ :" ألا تعلم بأن مواقيت الصلاة مختلف فيها أيضا , فيوجد من لا يعمل بالحساب في تحديد وقت الفجر مثلا أو وقت المغرب وهم يطلبون من المسلمين أن يرجعوا إلى " السنة " في تحديد هذه الأوقات و عدم الإعتماد على الجداول الحسابية .هم يقولون بأنها ليست من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم - حسب زعمهم - , وربما هم يعملون ب ( نحن أمة لا نحسب ).
قال الله سبحانه و تعالى "....وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ...." و هنا يقول الرسول صلى الله عليه و سلم "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " و في كلا النصيين أمر.
لماذا في الآية الكريمة نستعمل الحساب لتحديد وقت الإمساك وفي الحديث لا نعتمد الحساب في تحديد رمضان الكريم . الأول أمر من الله سبحانه وتعالى والثاني أمر من الرسول صلى الله عليه و سلم . إذا كنتم حرفيين في فهم النص الأول إفعلوا نفس الشيء في النص الثاني والعكس صحيح.... حددوا مبدأ واحدا" .
فقلتُ لهُ ما يلي :
* الآية " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " فيها وفي تأويلها من الظن ما فيها , وأما " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" ففيه من اليقين والوضوح والصراحة والقطع ما فيه .
** الآية لم تُـذكر فيها الشمسُ صراحة , وأما في الحديث فذُكر الهلالُ صراحة .
*** في الآية لم تُذكر الرؤيةُ صراحة وأما في الحديث فالرؤيةُ مذكورة صراحة ومكررة " لرؤيته ...لرؤيته".
**** مواقيت الصلاة المتعلقة بحركة الشمس مضبوطة إلى حد كبير جدا , وعلى سبيل المثال أنا عندي في الكمبيوتر 3 برامج لتحديد مواعيد أوقات الصلاة , في كل مرة أستعمل برنامجا ( المحدث , بلال , إلى صلاتي ) . أعطي البرنامج خط الطول والعرض لمدينة ميلة ( الجزائر ) أو أجد المدينة مدونة في البرنامج. وصدِّق أو لا تصدق أخي الكريم أنه كلما أذن المؤذنُ عندي في البيتِ من خلال الكمبيوتر , تفتحُ زوجتي أو ابنتي النافذةَ فتسمعُ صوتَ الأذانِ في مساجدِ ميلة المختلفة , والفرقُ دوما ( بين أذان الكمبيوتر والأذان الحقيقي في مدينة ميلة ) هو دقيقة أو أقل قليلا أو أكثر قليلا , أي أن حركة الشمس ومواقيت الصلاة التابعة لها مضبوطة جدا . وأما مواعيدُ المواسم الدينية المرتبطة بحركة القمر فإنها غير مضبوطة البتة , لأن حركة القمر غير مضبوطة نهائيا , ولأن الحساب الفلكي ليس علميا ولا يشبه العلمي لا من قريب ولا من بعيد .
إذن ما أبعد الفرقَ بين مواقيت الصلاة ومواعيد الشهور القمرية ! . الفرقُ بينهما كالفرق بين السماءِ والأرضِ .
7- وقال لي أخ سابعٌ : "يا أخي رميته هل أنت أتبعت بلدك في صيام يوم الجمعة 1428 هـ أم اتبعت البلدان الأخرى التي أعلنت بأن يوم الجمعة هو العيد ؟! ".
فقلتُ لهُ : وأنا أجيبكَ عن السؤالِ - مع أنه شخصي - بأنني أفطرتُ يوم الجمعة على خلاف أهل بلدي , ولكن بدون أن أُظهر فطري للناسِ حتى لا أكون سببا في فتنة الغير من المؤمنين الصادقين الذين يظنون أن من أفطر يوم الجمعة خلافا لأهل بلده – ولو بناء على رؤية أغلب مسلمي العالم - يعتبر آثما وأن عليه القضاء والكفارة , وحتى لا أكون سببا في فتنة الساقطين من الناس الذين يبحثون عن أي سبب من أجل أن يفطروا لا لأن الغير رأى هلال شوال ولكن استهتارا وانتهاكا لحرمة شهر رمضان . إذن أنا أفطرتُ يوم الجمعة لا حبا في السعودية أو في أية دولة رأت الهلالَ ليلة الجمعة وإنما التزاما بقول من قال من العلماء (وهو قول الجمهور ) بأنه إن رؤي الهلالُ في بلد ( أي بلد مهما كان إسمه ) وجب على جميع المسلمين ( في الأقطار التي تشترك مع بعضها البعض في جزء من الليل ) أن يصوموا أو يفطروا .
ثم سألتني " هل يمكنك يا أخي أن تذكر لنا مَن مِن العلماء يجيز للفرد المسلم أن لا يتبع بلده في إتمام 30 يوم من رمضان في حال تعذر رؤية الهلال ويتبع بلد أخر رغم أن بلده يعمل بتحري هلال رمضان بالمشاهدة. وبذلك يخالف أهله وقومه من المسلمين وعلماء بلده وأئمة مساجده الذين هم حوله ؟!".
وأنا أقول لك :
* الذي يبقى مُـمسكا وصائما وأغلبُ العرب والمسلمين مفطرون بناء على رؤية هلال شوال , هذا هو الذي يُطالب بالدليل على صحة ما يفعل وليس العكس .
** أنا أفطرتُ استجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " .
وأنا كذلك أفطرتُ اعتمادا على قول جمهور العلماء المسلمين قديما وحديثا . ولا داعي لآن آتيك بأسماء علماء في مسألة , أنا أخذتُ فيها بالأصل ومن أفطر يوم الجمعة هو الذي أخذ بالاستثناء , وأنا حين أفطرتُ أخذتُ بالعزيمة ومن صام يوم الجمعة أخذ بالرخصة . وبن باز رحمه الله ورضي الله عنه وعن سائر العلماء ( وغيره ممن يوافقه ) أفتوا بجواز أن يوافق المسلمُ بني قومه في صيامهم ولو أفطر الناسُ في سائر البلدان الأخرى . هو رحمه الله في فتواه كان يُخرجُ بعضَ الناس من الحرج وكان يُرخِّص لهم في موافقة ناس بلدهم رفعا للحرج عنهم . إذن لا تنسَ أن الذي صام يوم الجمعة إنما عمل برخصة , وهو الذي يمكنُ أن يطالبَ بالدليل , وأما من أفطرَ يوم الجمعة مثلي فإنهُ أخذَ بقول جمهور العلماء واستجابَ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
*** ثم لا تنسَ أن هذه الحواجز بين الجزائر وتونس والسعودية وقطر و... كلها اصطناعية , وهي من صنع الاستعمار ومن نتائج تخلف المسلمين , ومنه فلا معنى لأن تسألني " لمَ أفطرت يوم الجمعة وخالفتَ أهل بلدك - الجزائر - لأنني أقولُ لك بأن حديث " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " موجهٌ لكل المسلمين وأنا مسلمٌ , وهو ليس موجها لجزائري ولا لسعودي ولا لبحريني ولا لإماراتي ولا ...
**** إقرأ أخي في الكتب الفقهية على المذاهب الأربعة أو الخمسة ( مع مذهب بن حزم ) أو الستة ( مع مذهب جعفر الصادق ) أو على مذاهب الكثير من العلماء المعاصرين , وستجد أن جواز فطري يوم الجمعة مع أغلب المسلمين وإن خالفتُ أهل بلدي , هو أمرٌ طبيعي وبديهي وجائزٌ عند أغلب العلماء ولا أقول عند الكلِّ .
***** أنا لا أفرض قولي هذا على الغير , بدليل أنه حتى داخلَ أسرتي طلبتْ مني زوجتي أن آمرهم - هي والأولاد والبنات - بالفطرِ يوم الجمعة أو بالصيامِ , ولكنني رفضتُ - لأنني منذ كنتُ صغيرا أمقتُ التعصبَ في الدين أو في الدنيا - على اعتبارِ أن المسألةَ خلافيةٌ وأن من أفطر هو على إسلام ومن صام فهو على إسلام كذلك , ومنه فإنني أفطرتُ وتركتُ لبقية أفراد أسرتي الاختيارَ ( فأفطرت الأغلبيةُ وصامت الأقليةُ ) . أنا لا أتعصبُ ضدَّ الغير ,أي ضد من صام يوم الجمعة موافقة لأهل الجزائر , ولكنني لا أقبلُ أن يتعصبَ ضدي شخصٌ ويقولُ لي " ما دليلك على جواز فطرك يوم الجمعة ؟! " أو " أنت مفطرٌ إذن أنت آثمٌ , وعليك القضاء والكفارة " , وكذلك أنا لا أقبلُ قولَ من يقولُ كما قال قائلٌ عام 1982 م – وأنا في السجن - في مناسبة مشابهة ومماثلة لمناسبتنا اليوم , قالَ أمامي , وكان يعنيني " اللهم تَـقبَّـل من الصائمين واغفرْ للمفطرين "! , لأنني عندئذ أعتبرُ أن هذا الكلامَ جاهلٌ وأنه قمةُ التعصبِ في الدينِ .
والله وحده أعلمُ بالصواب .
يتبع :...
|