|
عضو مبدع
|
148- ما أحسنَ أن نقابلَ السيئةَ بالحسنةِ ! :
يجوزُ للمسلمِ أن يقابلَ السيئةَ بمثلها , والأحسنُ من ذلكَ أن يُقابلَ السيئةَ بلاشيء ( أي أن لا يقابلَـها بسيئة مثلِـها ) , ولكن الأفضلَ من ذلك كلهِ هو أن نُقابلَ السيئةَ بحسنة . وأنا أقولُ , ومن أعماقِ قلبي : لقد تعودتُ من سنوات وسنوات ( من عشرات السنين ) على أن أقابلَ – غالبا , ولا أقول دوما - السيئةَ بالحسنةِ , وحتى أخواتي وإخوتي وبعض معارفي يقولون لي بين الحين والآخر " صحيح أن ذلك حسنٌ شرعا , ولكننا لا نقدرُ على ذلك غالبا ". أنا غالبا أقابلُ السيئَةَ بالحسنةِ , وأما في القليلِ من الأحيان : 1 -قد أقابلُ السيئةَ بسيئة مثلِـها , في لحظات قليلة تغلبُـني فيها نفسي فآخذ بما هو جائزٌ في الشرعِ , ولكنه خلافُ الأولى . 2-قد لا أقابلُ السيئةَ بشيء , أي قدْ أقابلُـها بلا شيء , عندما أكونُ متأكدا أو عندما يغلُبُ على ظني أن من أساءَ إلي يمكنُ أن يفهمَ من إحساني إليه أنني أطمعُ فيهِ ( لأنه من كبار الأغنياء مثلا ) أو أخافُ منه ( لأنه من كبارِ المسؤولين مثلا ) . عندئذ لا أقابلُ السيئةَ بسيئة ولكنني في المقابلِ لا أقابلُها بحسنة. هكذا تعودتُ من زمان , وأنا كذلك أشهدُ هنا – عن تجارب شخصية - أن اللذةَ التي يحصُلُ عليها المسلمُ وهو يقابلُ السيئةَ بحـسنة أعظمُ بكثير مما يمكنُ أن يحصلُ عليه هذا المسلمُ من لذة لو انتقمَ أو قابلَ السيئةَ بسيئة مثلِـها أو حتى لو قابلها بلا شيء . وبهذه المناسبة أذكرُ أنني ومنذ حوالي 10 سنوات , وقُبيل ظهور نتائج البكالوريا كان أحد المسؤولين بالثانوية التي أدرِّسُ بها قد سبني وشتمني وقال لي من كلمات الكفر ومن الكلام البذيء الفاحش الكثيرَ. قال ما قال للمرة ال 40 أو ال 50 خلال سنوات . قال ما قال أمام المسئول الأول عن المؤسسة الذي كان يخافُ من بطشِـه , لذلك لم يعاقـبْـه ولم يكتبْ بـه أيَّ تـقرير . قال لي ما قالَ لأسباب ثلاثة : لأنني أناقشُ أكثرَ من غيري في الاجتماعات , ولأنني متدينٌ , ولأن التلاميذ يحبونني كثيرا . قال لي ما قال , ولو فكرتُ في أن أشكوَه للمسئولين الكبارِ فإنني لن آخذ حقي منه لأنني متدينٌ , وهو لن يُعاقبَ بل قد يُـجازى بأن يُرقى في المسئولية كما وقع في دنيا الجزائر مرات ومرات خلال السنوات ال 30 الماضية . وبعد هذه الحادثة بأيام قليلة ظهرت نتائجُ البكالوريا وكنتُ من الأساتذة الذين حضروا المداولاتِ , ومنه فإنني حصلتُ على نتائج مازالت الثانويةُ وكذا مديريةُ التربيةِ لم تحصلْ عليها بعدُ . وكان من بين أسماء الناجحين المسجلين في قائمة عندي بنتُ ذلك المسئول الذي سبني منذ أيام . قضيتُ ساعات – وأنا أقومُ بهذا العمل من تلقاء نفسي وتطوعا فقط ولوجه الله ليس إلا - وأنا أتنقل هنا وهناك لأُبشِّرَ بعضَ التلاميذ والتلميذات (أو أوليائهم ) بخبر نجاح الواحدِ منهم ( قبل أن تُعلق الجهاتُ الرسمية القوائمَ الرسمية ) . بعد ذلك وصلَ الدورُ لبنتِ المسئولِ , فعزمتُ على الذهاب إلى بيتِهِ لأبشرَهُ بنجاحِ ابنته التي كانت تدرسُ عندي (خلال السنة الدراسية ) , وكنتُ أعتبرها وسائرَ التلميذاتِ وكأنهن بناتي أُحبُّ لهن الخيرَ الذي أحـبُّـه لبناتي . فجأة رأيتُه يمرُّ بسيارته على الطريقِ أمام الثانوية , ومعه زوجته . ومع أن العادةَ جرتْ على أن الواحدَ منا لا يُوقفُ صاحبَ سيارة إذا كانت معه امرأةٌ ( أدبا وحياء و...) , ومع ذلك أوقفتُه في ذلك اليوم وخالفتُ العادةَ من أجلِ أن أُبَشرَه بالخبر السارِّ , ألا وهو خبر نجاحِ ابنته , الذي ينتظرهُ الجميعُ بفارغِ الصبرِ . توقفَ بسيارتِـه وهو لا يدري لماذا أوقفتُـهُ , ثم نظرَ إلي منـتظرا , فقلتُ له ولزوجته " السلام عليكم . مبروكٌ نجاحُ ابنتكم فلانة !". وصدِّقوا أو لا تُصدقوا إخواني القراء أن زوجتَـه تهلَّـلَ وجهُـها فرحا واستبشارا وسرورا و...وقالت لي" بشَّركَ اللهُ بالخير وبالجنة يا أستاذ كما بشَّرتَـنا أنتَ اليوم بهذا الخبر العزيز جدا !" , وأما هو فطأطأََ رأسَهُ - خجلا من نفسه وكأنه تمنى لو يُقَـبِّلُ رأسي أو لو تنشقُّ الأرضُ وتبتلعهُ – وقال لي بدون أن يرفعَ رأسَهُ " بارك الله فيكَ يا أستاذ . بشرك الله بالخير ". قابلتُ سيئتَهُ بحسنة , وأنا لا اطمعُ فيه أبدا ولا أخاف منه أبدا , وإنما أنا أفعلُ ذلك في الله ولله , وأنا أؤكدُ على ما أكدتُ عليه قبل قليل , بأن لذةَ الإحسانِ أعظمُ بكثير من لذة الانتقام , والحمد لله رب العالمين.
149-إن لم تغير الفتاةُ لباسَها فلن تدخلَ العروسُ بيتَ زوجِـها إلى يوم القيامة !:
أنا مقتنعٌ هنا – وأنا مع وقفة من الوقفات المتعلقة بالأعراس - بجملة أمور مهمة وبسيطة وبديهية , أذكرُ منها : 1- إن أردتَ أن تعرفَ مستوى مجتمع من المجتمعاتِ الإسلاميةِ الصغيرة أو الكبيرة ( قُـربا من الإسلامِ أو بعدا عنه ) فانظرْ إلى حالِ الأعراسِ فيها . إنْ وجدتَ بأن الولائمَ والأعراسَ نظيفةٌ وطيبةٌ وتكادُ تكونُ خالية من أيِّ بدعة أو محرم , فاعلمْ أن المجتمعَ بخير بإذنِ اللهِ . وأما إن وجدتَ غير ذلكَ , أي إن وجدتَ بأن العرسَ سيءٌ وخبيثٌ وأن أغلـبَـهُ بدعٌ ومحرماتٌ تُرضي الشيطانَ وتُغضبُ الرحمانَ , فاعلمْ أن المجتمعَ بِشَرّ والعياذُ بالله وأنه يحتاجُ إلى الكثيرِ من الجهدِ والوقتِ والمالِ من أجل إصلاحهِ. 2- إن أغلبَ مفاسدِ أعراسِ المسلمينَ اليومَ آت من النساءِ ضعيفاتِ الإيمانِ , ومن الرجالِ الذين يُسَـلِّمون غالبا زمامَ توجيهِ الأمورِ في الولائمِ والأعراسِ لهؤلاء النسوةِ البعيداتِ عن الإيمانِ الحقيقي بالله واليوم الآخرِ , سواء كنَّ زوجات أو أخوات أو بنات أو أمهات , أو ... الخ... 3-المرأةُ في العرسِ – مهما كانت ضعيفةَ الإيمان أو بعيدة عنِ الإسلامِ - , إن وجدتْ رجلا مسئولا عن إدارةِ أمورِ العرسِ , إن وجدتهُ مسلما مؤمنا قويَّ الشخصيةِ حازما جادا يُـحسِنُ إلى النساءِ ولكنهُ يقيمُ حدودَ اللهِ في العرسِ ولا يسمحُ بحرام أو بدعة ولا يخافُ في اللهِ لومةَ لائم , فإنها قد تستاءُ منه في البدايةِ ولكنها بإذنِ اللهِ غالبا ستهابهُ بعد ذلك ثم ستحترمهُ في النهايةِ . وأما إن وجدت رجلا ضعيفَ الشخصيةِ لا يُـهِـمُّـه في العرسِ إلا أن يفرحَ الناسُ بالحلال أو بالحرام , ولا يُـهِـمُّـه إلا إرضاءُ النساءِ والناسِ ولو بسخطِ الله تعالى , فإنها قد تفرحُ بهِ في البداية , ولكنها بإذن الله وغالبا ستحتقِرُهُ بعد ذلك ولن تحترمَهُ في النهايةِ أبدا . في يوم من الأيام ومنذ حوالي 20 سنة , تزوجَ بنُ عم لي بإحدى قريباته , وكان العريسُ قد كلفني أنا وأخي الأكبرَ بالمسؤوليةِ عن العرسِ : أنا في المسائلِ الشرعيةِ حتى لا أسمحَ بحرام أو بدعة في العرسِ , وأخي الأكـبـرُ في المسائل التقنية المتعلقة بالأكل والشرب والمواعيد والسيارات وشراء مستلزمات العرس وغير ذلك ... وعندما ذهبنا يوم الجمعةِ صباحا إلى القريةِ التي تسكنُ فيها العروسُ لنأتي بها إلى بيتِ زوجها , لاحظنا أن إحدى المرأتين اللتين خرجـتا معها من بيتها إلى السيارةِ ( جرت العادةُ على أن امرأتين تقودان العروسَ من بيتِ أهلها إلى دارِ زوجِـها ) كانت خارجة مع العروسِ وهي متبرجة ( لابسة لـثياب قصيرة , والفتاةُ عارية الصدر والشعر والعنق و.. ) , مع أنني أنا وأخي اتـفقنا مسبقا مع أهل العروس من أجل أن لا يخرجَ مع العروس إلا امرأتان متحجـبـتان . أكدنا – قبل ذلك وبعد ذلك - لأهلِ العروس على أن المرأةَ وإن لم نستطعْ أن نفرضَ عليها الحجابَ بعيدا عن العرسِ , ولكنـنا نريدُ لها إذا تحركت معَ العروسِ فيما بـيـن بيتِ العروسِ ودار زوجها , نريد لها أن تتحرك بحجابها الكاملِ , وذلك حتى تصلَ إلى بيتِ العريسِ , ثم عندما ترجعُ إلى أهلها فـلـتـلبسْ ما تشاء بعد ذلك : إن أحسنتْ أحسنتْ لنفسِـها وإن أساءت فعلـيـها. أشرنا إلى أهلِ العروس بأن يُـرجعوا تلك الفتاة إلى بيتِ العروسِ إما من أجلِ أن تُـغـيِّـر لباسَـها وإما من أجلِ أن تُـستبدلَ بامرأة أخرى مُـتحجبة كما يحبُّ اللهُ ورسولهُ . رجعت الفتاةُ ورجعتْ معها العروسُ والمرأةُ الأخرى , ووقع لغطٌ داخلَ بيتِ العروسِ بين من يريدُ أن يعملَ بنصيحتنا وبين من يريدُ العنادَ . استشارني أخي الأكبرُ " ما رأيكَ يا عبد الحميد ؟! " , فقلتُ لهُ " لا نقبلُ منهم أبدا إلا أحدَ أمرين : إما نفس الفتاة بلباس مقبول شرعا , وإما امرأة أخرى متحجبة مكانها . وأما أن تُـصِرَّ هذه الفتاةُ على أن تذهبَ هي مع العروسِ وبهذا اللباسِِ الفاجرِ بالذاتِ فإننا لن نقبلَ منهم هذا أبدا ". قال لي أخي " وليكن الأمرُ كما رأيتَ " . اتصل أخي بأهلِ العروسِ وأكَّدَ لهم ما نحن عازمون عليه , فقال له أبُ العروسِ ( الذي كان معـنـا بقلبه , ولكنه كان في واقعه مع أهله من النساء ) " أنا معكم يا ... ولكنني مغلوبٌ على أمري . النساءُ رفضن إلا أن تـخرجَ نفسُ الفتاةِ مع العروسِ وباللباسِ الذي تريدُ هي لا الذي طلبتم أنتمْ منها " . قلتُ عندئذ أنا وأخي لأب العروس ولمجموعة كبيرة من رجال أهله , قلنا لهم وبصوت عال " إننا نعطيكم ربع ساعة فقط , ووالله إن لم تخرجْ العروسُ بحجابها ومعها امرأتان كل واحدة منهما بحجابها , والله لن تدخلَ العروسُ إلى بيتِ زوجِـها إلى يوم القيامة "!. أنا أعرف الآن – 2007 م - أن هذه الكلمةَ قاسيةٌ جدا , وأن هذا الموقفَ متشددٌ جدا , ومع ذلك فإنني أرى أن الذي دعا إليه سببان أساسيان : الأولُ أنني كنتُ صغيرا في ذلك الوقتِ , ومن خصائصِ الشبابِ الحيويةُ والنشاطُ والاندفاعُ الزائدُ سواء في الخير أو في الشر . ومنه لو وقعتْ هذه الحادثةُ اليوم وعمري 52 سنة ( وليس 32 سنة ) , فلربما تصرفتُ حيالها بطريقة أقل تشددا . وأما الثاني فهو أن الواحدَ منا يجدُ نفسَـه ميالا للتشددِ الزائدِ كلما رأى الطرفَ الآخرَ متساهلا التساهل الزائدِ , ولذلك فإنني عندما رأيتُ من الطرفِ الآخرِ نوعا من الاستهتار بالدينِ وبالحجابِ فإنني تشددتُ أنا عندئذ . أعطينا أهلَ العروسِ مهلة ل 15 دقيقة , وسمعنا بعد ذلك لغطا أكبر من سابقة , سمعناه يأتي من داخل بيتِ العروس , وكنتُ أنا وأخي مصممين على تنفيذ ما هددنا به , خاصة ونحن قد تلقينا الضوءَ الأخضرَ من العريسِ حين أعطانا المسئولية الكاملة , وكان يثق فينا الثقةَ الكافية والحمدُ لله . هذا كله مع ملاحظة أن السيارات كلها كانت تنـتـظرُ خلالَ كلِّ تلك الفترة الماضية الإشارةَ من أخي لـتـتحرك راجعة إلى دار العريس , وكنا في المقابلِ أنا وأخي ننتظرُ خروجَ العروسِ والمرأتين كما اشترطنا نحنُ على أهل العروسِ . وصدِّقْ أيها القارئ أو لا تصدقْ , فإنه وبعدَ حوالي 10 دقائق ( أي قبل انـتهاء المهلة بحوالي 5 دقائق ) خرجت العروسُ ومعها المرأةُ المحجبةُ التي خرجت معها في المرة الأولى , وكذلك خرجت معها فـتاةٌ ( غيرُ الأولى ) بحجابها وكذا بنقابـها , والحمد لله رب العالمين . ولكن كان الأمرُ واضحا بأن بعضَ أهلِ العروسِ كانوا غاضبين منا ومن تشددنا – أنا وأخي - , ومن علاماتِ غضبهم أن أمَّ العروسِ لم تخرجْ مع ابنتها لتذهبَ معها إلى بيت أو دار العريس ( جرت العادة على أن أمَّ العروس تذهبُ مع ابنتها العروس إلى بيتِ الزوج لترجعَ إلى بيتها هيَ بعد بضع ساعات أو بعد بضعة أيام أو بعد أسبوع كامل . أعطينا عندئذ الإشارةَ للسيارةِ الأولى لتنطلقَ ولتنطلقَ معا بقيةُ السياراتِ وكذا نحن ( أنا وأخي ) وجميعُ الموكبِ , لنأخذَ العروسَ إلى دارِ زوجها . لم تخرج أمُّ العروس مع ابنتها في ذلك اليوم تعبيرا منها عن غضبها علينا - أنا وأخي - وعن زوج ابنتها الذي أعطانا الضوءَ الأخضر لنُسَـيِّـرَ العرسَ كما نرى نحن ذلك مناسبا . قلتُ : لم تخرجْ أمُّ العروسِ ( وهي قريـبة من قريباتي أنا ) مع ابنتها في ذلك اليوم , ولكنها لحقت بابنـتها في الغد بعد أن هدأ غضبُها . والذي أفرحني أكثر في هذه القصة , ومازال يُـفرحني حتى اليوم , أن العريسَ قالَ لعمـتـه ( أم زوجته ) عندما ذهبت عنده في اليوم الموالي من العرسِ , قال لها بلهجة حازمة وجادة وقوية وشجاعة وبصوت مرتفع " والله يا عمتي : لو أن عبد الحميد وأخاه تركا زوجتي ولم يأتيا بها إلي بالأمس , والله ما كانت عندئذ لتدخلَ بيتي إلى يوم القيامةِ "!. غضبت أمُّ العروس في ذلك الوقت علي وعلى أخي وعلى زوج ابنتها ولكنها وبعد أيام قليلة فقط سكن غضبُها , وتحول غضبُـها علي إلى محبة لي , ما دمتُ فعلتُ ما فعلـتُهُ إرضاء لله . ومن ذلك اليوم وهذه المرأة تحبني وتحبني كثيرا , وأذكرُ أنني التقيتُ بها في آخر مرة ( وبعد 20 عاما من تلك الحادثة ) , التقيتُ بها في نهاية صيف 2007 م ( شهر أوت ) في بيتها حيث فرحت بي أيما فرح , وصدق الله العظيم " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " , أي كافيه . والله ورسوله أعلم , وهو وحده الموفق والهادي لما فيه الخير .
يتبع :
|