2 - النذر :
• معناه :
هو إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى شيئاً غير لازم بأصل الشرع بكل قول يدل عليه.
والنذر نوع من العبادة، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى؛ لأنه يتضمن تعظيم المنذور له، والتقرب إليه بذلك .
قال الله تعالى في صفة الأبرار: " يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً " ( 24 ) وقوله : " وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ " ( 25 )
وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه )). ( 26 )
فإن قيل : كيف يكون النذر عباده ويكون مكروهاً ؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال: ((إنه لا يرد شيئاً ولكنه يستخرج به من البخيل )). ( 27 )
الجواب :
أن النذر قسمان :
الأول : مطلق . وهو : أن يلزم الإنسان نفسه بعبادة ليس في مقابل شيء يحصل له ، كان يقول : نذرت أن أصلي لله ركعتين ، فهذا ليس بمكروه .
الثاني : مقيد . وهو الذي يلزم نفسه بطاعة في مقابل أمر يحصل له ، كأن يقول : إن شفي مريضي فلله عليّ نذر أن أتصدق بكذا ..
فهذا هو المكروه ، وهو مكروه من جهة الاعتقاد ، دلّ على ذلك التعليل : " إنما يستخرج من البخيل " إذ صاحبه يظن أنه لا تحصل له حاجته إلا بالنذر ، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن من ظن هذا الظن فإنه في اعتقاد محرم لأنه ظن أن الله لا يعطي إلاّ بمقابل ، وهذا من سوء الظن بالله .
• حكم النذر:
النذر مشروع في حق من يعلم من نفسه القدرة على الوفاء به، ومكروه في حق من يعلم من نفسه عدم القدرة على الوفاء به .
• شروط انعقاد النذر .
o الإسلام .
o البلوغ .
o الاختيار .
o العقل .
• أقسام النذر .
النذر على أقسام :
الأول : نذر الطاعة وله حالان :
1 - مطلق . فعلاً أو تركاً .
2 - مقيّد .
o نذر الطاعة يجب الوفاء به .
o من نذر فعل طاعة ثم عجز عن الوفاء بما نذر فعليه كفارة يمين.
o من نذر فعل طاعة ومات قبل فعلها فعلها عنه وليه. لحديث : أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال : نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيتة؟. اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء." ( 28 )
o من نذر أن لايفعل شيئا ثم فعله فعليه كفارة يمين .
o من نذر أن يفعل مباحاً فهو مخير بين الوفاء أو الكفارة .
الثاني : النذر المكروه .
هو النذر المقيد بحصول شيء ما .
ومنه :
o نذر الطلاق ونحوه فيسن أن يكفر عن يمينه ولا يفعله.
o النذر في كل ما يشق على العبد من الأعمال والطاعات.
الثالث : نذر المعصية .
o كمن نذر أن يشرب خمراً أو يقطع رحماً ..
هذا النذر لا يصح، ويحرم الوفاء به، وعليه كفارة يمين، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين )). ( 29 )
o من خلط في نذره طاعة بمعصية لزمه فعل الطاعة، وترك المعصية.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مُرْهُ فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه )). ( 30 )
o حكم من نذر أن يصوم أياماً فوافق النحر أو الفطر:
عن زياد بن جبير قال: كنت مع ابن عُمر، فسأله رجل فقال: نذرت أن أصوم كل يوم ثلاثاء أو أربعاء ما عشت، فوافقت هذا اليوم يوم النحر، فقال: أمر الله بوفاء النذر، ونهينا أن نصوم يوم النحر، فأعاد عليه، فقال مثله، لا يزيد عليه. ( 31 )
• مصرف النذر:
مصرف نذر الطاعة على ما نواه به صاحبه في حدود الشريعة المطهرة، فإن نوى بالمنذور من لحم أو غيره الفقراء فلا يجوز أن يأكل منه.
وإن نوى بنذره أهل بيته، أو رفقته، أو أصحابه جاز له أن يأكل كواحد منهم.
وبعد : فإن من تعظيم الله تعالى يورث طهارة القلب والتقوى ، كما قال الله تعالى : " ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ " ( 32 )
وإن من تعظيم الله تعالى حق التعظيم أن يصرف له كل أمر لا ينبغي إلا له كالدعاء والحلف والنذر ، وأن يُغظّم الله تعالى في كل عبادة لا أن تتخذ على سبيل من الاستهانة وعدم التوقير .
جملة من الفوائد والأحكام ، جمعتها في هذا المبحث اللطيف أسأل الله القبول
وصلى الله على بي الله محمد بن عبد الله وعلى آله وأزواجه وذريته وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ..
والحمد لله رب العالمين .
==================
( 1 ) القول المفيد على كتاب التوحيد 2 / 214
( 2 ) المرجع السابق .
( 3 ) البخاري رقم 7510 ومسلم رقم 193
( 4 ) أخرجه البخاري برقم (2679)، مسلم برقم (1646)، واللفظ له.
( 5 ) أخرجه أبو داود برقم (3251)، وهذا لفظه، صحيح سنن أبي داود رقم (2787). وأخرجه البخاري برقم (1535)، صحيح سنن الترمذي برقم (1241).
( 6 ) الفتاوى 1 / 204
( 7 ) انظر القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين رحمه الله 2 / 215
( 8 ) وما قبله : فتح الباري . كتاب المناقب : باب علامات النبوة .
( 9 ) الفتاوى 1 / 204
( 10 ) أخرجه البخاري برقم (4860)، واللفظ له، ومسلم برقم (1647).
( 11 ) أخرجه أحمد برقم (1622)، وهذا لفظه، وقال الأرنؤوط: سنده صحيح. وأخرجه ابن ماجه برقم (2097).
( 12 ) البخاري رقم 6697 ومسلم رقم 1656
( 13 ) سورة المائدة آية ( 89 ) .
( 14 ) أخرجه مسلم برقم (1650).
( 15 ) سورة التحريم الآيات ( 1 ، 2 ) .
( 16 ) سورة البقرة آية ( 224 ) .
( 17 ) البخاري 4 / 214 ومسلم 3 / 1274
( 18 ) ابن ماجه 1 / 679 وحسنه الحافظ في الفتح 11 / 536
( 19 ) الحديث بهذا اللفظ فيه ضعف : ضعيف الجامع : 4215
( 20 ) صحيح أبي داود برقم 2795 وصحيح النسائي 3551
صحيح الجامع / 6206
( 21 ) البخاري 2 / 269 ومسلم 3 / 1302
( 22 ) أخرجه مسلم 4 / 2024
( 23 ) أخرجه مسلم 4 / 2023
( 24 ) سورة الإنسان آية رقم ( 7 ) .
( 25 ) سورة القرة آية رقم ( 270 ) .
( 26 ) أخرجه البخاري برقم (6696).
( 27 ) أخرجه البخاري برقم (6693)، واللفظ له، ومسلم برقم (1639).
( 28) البخاري برقم 1852
( 29) أخرجه أبو داود برقم (3290)، صحيح سنن أبي داود رقم (2816). وأخرجه الترمذي برقم (1524)، صحيح سنن الترمذي رقم (1231).
( 30) أخرجه البخاري برقم (6704).
( 31 ) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6706) واللفظ له، ومسلم برقم (1139).
( 32 ) سورة الحج آية رقم ( 32 ) .
|