بقي هذا الحجر الهام في تاريخ البلاد والحضارة الإنسانية في طي النسيان حتي نهاية القرن الثامن عشر الميلادي حينما اكتشفه الضابط الفرنسي فرانسوا بوشار في قلعة قديمة من قلاع مدينة رشيد يوم 19 يوليو 1799 وذلك ابان الحملة الفرنسية علي مصر (1798*1801) ومنذ ذلك التاريخ اشتهر منشور منف باسم المدينة التي اكتشف بها وعرف باسم حجر رشيد . الضابط الفرنسي استشعر اهمية الحجر فأوصي الحملة الفرنسية برشيد ان تهتم بتوصيل هذا الحجر الي نابليون الذي سلمة بدوره إلي علماء الحملة الفرنسية لدراسته واستخراج مافيه.
في سنة 1801 استسلم الجيش الفرنسي للقوات الانجليزية الغازية لمصر فاستولي الإنجليز علي مدينتي القاهرة والاسكندرية وتسلموا كل الآثار المصرية التي كانت مودعة لدي الفرنسيين وكان من بينها حجر رشيد الذي نقل إلي المتحف البريطاني ومازال مودعا به حتي الآن شاهدا علي عظمة مصر وحضارتها التي أضاءت حياة الإنسانية.
وكما ذكرنا سابقا فان الحجر نقل من رشيد الي القاهرة حيث خضع للدراسة المتخصصة من قبل علماء الحملة الفرنسية من اثريين وتاريخيين راحوا في دراسة نصوصه بكل عناية وتمحيص وامضوا وقتا طويلا دون جدوي يتساءلون عن معني النصوص الثلاثة التي يحويها هذا الأثر. النص الأول مكتوب بالهيروغليفية ومبتور من ثلثيه تقريبا، اما النص الثاني الذي اعتقدوا انه مكتوب بالسريانية فإنه في الواقع مكتوب باللغة الديموطيقية، أي الكتابة الشعبية في مصر القديمة وهي كتابة ظهرت قبل 650 قبل الميلاد وكانت تستخدم للمراسلات الجارية في المراسم الأدبية والدينية وآخر مراحل تطورها كانت اللغة القبطية التي كتبت منذ القرن الثامن الميلادي بحروف يونانية بالإضافة الي 7 حركات صوتية غير موجودة في اليونانية أخذت مباشرة من الديموطيقية. هذا كان مفتاح حل لغز الحجر، حيث ان اللغة القبطية هي لغة لاتزال تستخدم في اداء العبادات والطقوس داخل الكنيسة القبطية حتي الآن، اما النص الثالث فكان يحتوي علي 54 سطرا مكتوبة باللغة اليونانية القديمة ومن خلال هذا النص بدأ العلماء مقارنة اللغة اليونانية القديمة والتي كانت معروفة وقتها باللغة المصرية القديمة وقد كانت فرحة العلماء عارمة حينما فهموا النص لانها كانت المرة الأولي في التاريخ التي يوجد فيها نص مكتوب باللغة المصرية القديمة مترجما بلغة اخري معروفة العلماء يعثرون علي نص يفتح امامهم المجال لفك طلاسم هذه اللغة المصرية القديمة. إلا أن هذه الفرحة لم تكتمل لقد وجدوا النص الهيروغليفي يحتوي علي 32 سطرا فقط بينما النص اليوناني يحتوي علي 54 سطرا. حاولوا عد اسم الملك بطليموس في النصين فوجدوه متساويا متكررا 11 مرة في النصين ولم يستطيعوا بعد ذلك استكمال فك طلاسم الحجر.
عندما انتقل الحجر إلي المتحف البريطاني بلندن بدا الصراع بين اثنين من العلماء في محاولة لفك شفرة الحجر وهما الإنجليزي توماس يونج والفرنسي فرانسوا شامبليون. كان شامبليون اكثر ذكاء وحنكة وقد هاده ذكاؤه العلمي لدراسة النص الثاني (الديموطيقي) مازالت بقاياها تستخدم في اللغة القبطية، لذا فقد تعلم شامبليون هذه اللغة علي يد القس يوحنا ومن خلال هذه اللغة الوسيطة فك طلاسم اللغة الهيروغليفية وكتب تقريرا عن كشفه هذا قدمه الي اكاديمية النقوش والفنون الجميلة في باريس.
'إذا اللغة المصرية القديمة أي الهيروغليفية ذات حروف تشكيلية او رمزية وصوتية في آن واحد فهي لغة تحدث بها المصريون وكتبوها طيلة 3 آلاف سنة قبيل انقراضها في القرن الرابع الميلادي. والامبراطور البيزنطي ثيوذوسيوس الكبير منع وقتها ممارسة الشعائر والطقوس الدينية التي كانت سائدة في مصر القديمة وبالتالي فلم يعد أي شخص يتجرأ علي كتابة لغة هذه الطقوس علي الحجر. علي هذا النحو ماتت اللغة الهيروغليفية وبمرور القرون لم يعد البشر قادرين علي فك ألغازها ورموزها فالكهنة المصريون كانوا حريصين علي حفظ اسرار هذ اللغة لأنفسهم وبالتالي لم يتركوا كتبا في نحوها وصرفها ومعاجم لحصر كلماتها ومفرداتها وبدأت تفتقر حتي ظنها البعض رسوما ونقوشا بغرض السحر والشعوذة الي ان جاء شامبليون فأعاد اللغة الي التاريخ وفك طلاسمها ففك طلاسم الحضارة المصرية واعادها الي الأذهان وفتح للعالمة منهلا علميا كبيرا من هذه الحضارة واصبحت اللغة الهيروغليفية تدرس الآن في العديد من المعاهد وأقسام الاثار واللغات القديمة لتصبح أداة يستخدمها الباحثون في الكشف كل يوم عن كنوز الحضارة المصرية العريقة.
|