بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
قَوْله تَعَالَى - { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } - كَافٍ وَشَافٍ...
فَذِكْرُ الْمَوْتِ يَطْرُدُ طُولَ الْأَمَلِ وَيَكُفُّ التَّمَنِّيَ وَيُهَوِّنُ الْمَصَائِبَ .
وَقَالَ الْحُكَمَاءُ : ذِكْرُ الْمَنِيَّةِ يُنْسِي الْأُمْنِيَةَ...
وَقَالَ الْحَافِظُ وُجِدَ مَكْتُوبًا عَلَى حَجَرٍ :
لَوْ رَأَيْت يَسِيرًا مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِك
لَزَهِدْت فِي طُولِ مَا تَرْجُو مِنْ أَمَلِك
وَلَرَغِبْت فِي الزِّيَادَةِ مِنْ عَمَلِك
وَاقْتَصَرْتَ مِنْ حِرْصِك وَجَدَلِك
وَإِنَّمَا يَلْقَاك غَدًا نَدَمُك ،
لَوْ قَدْ زَلَّتْ بِك قَدَمُك
وَأَسْلَمَك أَهْلُك وَحَشَمُك
وَتَبَرَّأَ مِنْك الْقَرِيبُ وَانْصَرَفَ عَنْك الْحَبِيبُ
وَقَالَ التَّيْمِيُّ شَيْئَانِ قَطَعَا عَنِّي لَذَّةَ النَّوْمِ : ذِكْرُ الْمَوْتِ وَالْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَجْمَعُ الْفُقَهَاءَ فَيَتَذَاكَرُونَ الْمَوْتَ وَالْقِيَامَةَ فَيَبْكُونَ كَأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ جِنَازَةً .
وَقَالَ اللَّفَّافُ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ أُكْرِمَ بِثَلَاثٍ : تَعْجِيلِ التَّوْبَةِ وَقَنَاعَةِ الْقَلْبِ وَنَشَاطِ الْعِبَادَةِ ، وَمَنْ نَسِيَهُ عُوقِبَ بِثَلَاثٍ : تَسْوِيفِ التَّوْبَةِ وَتَرْكِ الرِّضَا بِالْكَفَافِ وَالتَّكَاسُلِ فِي الْعِبَادَةِ ،
فَتَفَكَّرْ يَا مَغْرُورُ فِي الْمَوْتِ وَسَكْرَتِهِ وَصُعُوبَةِ كَأْسِهِ وَمَرَارَتِهِ فَيَا لِلْمَوْتِ مِنْ وَعْدٍ مَا أَصْدَقَهُ وَمِنْ حُكْمٍ مَا أَعْدَلَهُ فَكَفَى بِالْمَوْتِ مُفْزِعًا لِلْقُلُوبِ وَمُبْكِيًا لِلْعُيُونِ وَمُفَرِّقًا لِلْجَمَاعَاتِ وَهَاذِمًا لِلَّذَّاتِ وَقَاطِعًا لِلْأُمْنِيَاتِ ( فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ ) أَيْ الْمَوْتَ ( أَحَدٌ فِي ضِيقٍ ) كَفَقْرٍ وَمَرَضٍ وَحَبْسٍ وَمَصَائِبِ الْأَنْفُسِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَقَارِبِ ( إلَّا وَسَّعَهُ ) صَيَّرَهُ وَاسِعًا ، إمَّا لِأَنَّهُ مُذَكِّرٌ عَدَمَ كَوْنِ النِّعَمِ مِلْكًا لَهُ بَلْ فَانِيَةً لَيْسَ لَهَا دَوَامٌ ، وَإِمَّا لِلْأَجْرِ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِالصَّبْرِ ، وَإِمَّا لِأَنَّ عُمُرِي أَنْفَاسٌ مَعْدُودَةٌ زَالَتْ سَرِعَةً فَلَا تَفَاوُتَ فِي سَعَتِهِ وَضِيقِهِ ( وَلَا ذَكَرَهُ فِي سَعَةٍ إلَّا ضَيَّقَهَا ) أَيْ السَّعَةَ ( عَلَيْهِ ) لِعِلْمِهِ بِمُفَارَقَتِهَا وَمُحَاسَبَتِهِ أَوْ مُنَاقَشَتِهِ بَلْ مَعْذَبِيَّتُهُ عَلَيْهَا وَلِإِخْطَارِهِ كَوْنَ مَا فِي يَدِهِ مُسْتَعَارًا لَهُ وَالْمِلْكُ لِغَيْرِهِ وَنَفْسُهُ عَبْدٌ خَادِمٌ لَهُ قَالَ الْغَزَالِيُّ الْمَوْتُ خَطَرٌ هَائِلٌ وَخَطْبٌ عَظِيمٌ وَغَفْلَةُ النَّاسِ عَنْهُ أَعْظَمُ لِقِلَّةِ فِكْرِهِمْ فِيهِ وَمَنْ ذَكَرَهُ لَا يَذْكُرُهُ عَلَى حُرِّيَّةٍ بِقَلْبٍ فَارِغٍ بَلْ بِشَغْلِ الشَّهَوَاتِ . هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ ضَعَّفَهُ بَعْضٌ كَالذَّهَبِيِّ ؛ لِأَنَّ فِي أَسَانِيدِهِ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُسْلِمٍ لَكِنْ قَوَّاهُ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ أَنَسٍ حَسَنٌ . ( دُنْيَا ) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ( طص ) طَبَرَانِيٌّ فِي الصَّغِيرِ ( عَنْ ) عَبْدِ اللَّهِ ( بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ { أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ) حَالَ كَوْنِي ( { عَاشِرَ عَشَرَةِ } ) رِجَالٍ { ( فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ ) } أَكْثَرُهُمْ عَقْلًا أَيْ الْفَطِنُ سَرِيعُ الْفَهْمِ ( { وَأَحْزَمُ النَّاسِ } ) أَيْ جَوْدَةُ رَأْيِهِمْ ( { قَالَ أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ } ) لَا بِقَلْبٍ لَاهٍ وَصَدْرٍ سَاهٍ بَلْ بِفِكْرٍ حَرِيٍّ ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ وَأَبْشَعُ الرَّزَايَا وَأَشْنَعُ الْبَلَايَا ، فَتَفَكَّرْ يَا ابْنَ آدَمَ ، فِي مَصْرَعِك وَانْتِقَالِك مِنْ مَوْضِعِك إذَا نُقِلْت مِنْ السَّعَةِ إلَى الضِّيقِ وَخَانَك الصَّاحِبُ وَالرَّفِيقُ وَهَجَرَك الْأَخُ وَالصَّدِيقُ وَأُخِذْتَ مِنْ فِرَاشِك وَنُقِلْتَ مِنْ مِهَادِك فَيَا جَامِعَ الْمَالِ وَالْمُجْتَهِدَ فِي الْبُنْيَانِ ، لَيْسَ لَك مِنْ مَالِك إلَّا الْأَكْفَانُ ، بَلْ هُوَ لِلْخَرَابِ وَجِسْمُك لِلتُّرَابِ فَاعْتَبِرْ يَا مِسْكِينُ بِمَنْ صَارَ تَحْتَ التُّرَابِ وَانْقَطَعَ عَنْ الْأَهْلِ وَالْأَحْبَابِ بَعْدَ أَنْ قَادَ الْجُيُوشَ وَالْعَسَاكِرَ وَنَافَسَ الْأَصْحَابَ وَالْعَشَائِرَ وَجَمَعَ الْأَمْوَالَ وَالذَّخَائِرَ فَجَاءَهُ الْمَوْتُ فِي وَقْتٍ لَمْ يَحْتَسِبْهُ وَهَوْلٍ لَمْ يَرْتَقِبْهُ ، وَلْيَتَأَمَّلْ حَالَ مَنْ مَضَى مِنْ إخْوَانِهِ وَدَرَجَ مِنْ أَقَارِبِهِ وَخُلَّانِهِ الَّذِينَ بَلَغُوا الْآمَالَ كَيْفَ انْقَطَعَتْ آمَالُهُمْ وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَمَحَا التُّرَابُ مَحَاسِنَ وُجُوهِهِمْ وَتَفَرَّقَتْ فِي الْقُبُورِ أَجْزَاؤُهُمْ وَتَرَمَّلَتْ بَعْدَهُمْ نِسَاؤُهُمْ وَشَمِلَ ذُلُّ الْيُتْمِ أَوْلَادَهُمْ وَقَسَمَ غَيْرُهُمْ طَرِيفَهُمْ وَتِلَادَهُمْ قِيلَ : الْكَنْزُ الَّذِي لِلْغُلَامَيْنِ فِيهِ لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ ، فِيهِ عَجِبْت لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ ، وَلِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ ( { وَأَكْثَرُهُمْ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ } ) بِإِيفَاءِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ مِنْ الْخَلْقِ ، وَالْحَقُّ اسْتِبْرَاءُ الذِّمَمِ مِنْهُمْ فِي كُلِّ مَا ظَلَمَهُمْ وَتَحْسِينُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ عَلَى وَفْقِ مَا يَرْضَى عَنْهُ اللَّهُ - تَعَالَى - ( { أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ } ) لِتَهَيُّئِهِمْ لِلْمَوْتِ لَا يَعْبَئُونَ بِقُدُومِ الْمَوْتِ وَلَا يَحْزَنُونَ بَلْ يُسَرُّونَ لِلْوُصُولِ إلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَلِلْخَلَاصِ مِنْ سِجْنِ السَّجِينِ وَأَمَّا الْحَمْقَى الَّذِينَ لَمْ يَسْتَعِدُّوا فَيَتَحَسَّرُونَ وَيَنْدَمُونَ بَلْ يَهْلِكُونَ .