حكم سماع الأغاني والعكوف عليها
أيها القارئ الكريم إن الإذاعة في حد ذاتها أداة ذات حدين, إن أحسنت استعمالها؛ فهي لك, وإن أسأت استعمالها ؛فهي عليك.
ولا شك أن الواجب في نفس الأمر شرعا وعقلا أن تكون هذه الأداة أداة تعمير وتوجيه وإرشاد إلى ما ينفع الأمة في الدين والدنيا ولا يجوز بوجه من الوجوه أن تكون أداة تخريب وإفساد وإشغال للأمة بما يضرهم ولا ينفعهم ولا ريب أيضا عند ذوي العقول الصحيحة والفطر السليمة أن تزويد الإذاعة بالأغاني والمطربين والمطربات من سبل الفساد والتخريب لا من سبل الإصلاح والتعمير ويا ليت هؤلاء الذين دعوا إلى التأسي باليهود وأشباههم في الأغاني ارتفعت همتهم ويدعوا إلى التأسي بهم في إيجاد المصانع النافعة والأعمال المثمرة ولكن ويا للأسف انحطت أخلاق هؤلاء ونزلت همتهم حتى دعوا إلى التأسي بأعداء الله وأعداء رسوله وأعداء المسلمين عموما والعرب خصوصا في خصلة دنيئة من سفاسف الأخلاق وسيئ الأعمال بل من الأمراض المخدرة للشعوب والسالبة لحريتها وأفكارها والصارفة لها عن معالي الأمور ومكارم الأخلاق وعن النشاط في ميادين الإصلاح إلى ضد ذلك.
ومن أراد أن يعرف مثالا لسقوط الهمم وضعف التفكير وانحطاط الأخلاق فهذا مثاله دعوة من بلاد إسلامية إلى خلق من أحط الأخلاق يتأسى فيه بأمة من أحط الأمم وأشدها عداوة للإسلام والعرب، وقد غضب الله عليها ولعنها فالمتأسي بها له نصيب من ذلك, ولا شك أن هذا من آيات الله التي ميز بها بين عباده وجعلهم أصنافا متباينة، هذا همته فوق الثريا ينشد الإصلاح أينما كان ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ويدعو إلى الأعمال النافعة للأمة في دينها ودنياها في عصر العلم المادي والجموح الفكري والتيارات الجارفة المتنوعة، وشخص آخر قد انحطت همته إلى الثرى يدعو إلى سفاسف الأمور وخبيث الأخلاق يدعو إلى ما يضعف الأمة ويشغلها عن طرق الإصلاح وكسب القوة وعمارة البلاد بكل عمل جدي مثمر يدعو إلى التأسي بالأمة العاملة في الخسيس لا في الحسن وفي الفساد لا في الإصلاح وفي الشر لا في الخير وفي ما يضر لا ما ينفع، هذه والله العبر التي لا يزال الله سبحانه يوجدها بين عباده ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة فسبحان الله ما أعظم شأنه وسبحان الله ما أحكمه وأعلمه بأحوال عباده.
أيها القارئ الكريم إن تزويد الإذاعة بالأغاني والطرب وآلات الملاهي فساد وحرام بإجماع من يعتد به من أهل العلم، وإن لم يصحب الغناء آلة اللهو فهو حرام عند أكثر العلماء.
وقد علم بالأدلة المتكاثرة أن سماع الأغاني والعكوف عليها ولا سيما بآلات اللهو كالعود والموسيقى ونحوهما من أعظم مكايد الشيطان ومصائده التي صاد بها قلوب الجاهلين وصدهم بها عن سماع القرآن الكريم وحبب إليهم العكوف على الفسوق والعصيان، والغناء هو قرآن الشيطان ومزماره ورقية الزنا واللواط والجالب لأنواع الشر والفساد.
وقد حكى أبو بكر الطرطوشي وغير واحد من أهل العلم عن أئمة الإسلام ذم الغناء وآلات الملاهي والتحذير من ذلك, وحكى الحافظ العلامة أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن جميع العلماء تحريم الغناء المشتمل على شيء من آلات الملاهي كالعود ونحوه, وما ذاك إلا لما في الغناء وآلات الطرب من إمراض القلوب وإفساد الأخلاق والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
ولا شك أن الغناء من اللهو الذي ذمه الله وعابه وهو مما ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل ولا سيما إذا كان من مطربين ومطربات قد اشتهروا بذلك فإن ضرره يكون أعظم وتأثيره في إفساد القلوب أشد قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
قال الواحدي وغيره أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء انتهى وكان ابن مسعود رضي الله عنه وهو أحد كبار الصحابة وعلمائهم يحلف بالله الذي لا إله إلا هو على أن لهو الحديث هو الغناء وقال رضي الله عنه الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع
وقد ورد عن السلف من الصحابة والتابعين آثار كثيرة بذم الغناء وآلات الملاهي والتحذير من ذلك وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف رواه البخاري والحر هو الفرج الحرام والمراد بذلك الزنا, وأما المعازف فهي آلات الملاهي كلها كالموسيقى والطبل والعود والرباب والأوتار وغير ذلك.
المفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله واسكنه فسيح جناته
يارب نعمل فعلا بهذا الكلام ونسأل الله سبحانه وتعالى الهداية لطريق الصواب
|