عرض مشاركة واحدة
قديم 20-Feb-2008, 06:26 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
عضو متألق


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 15151
تـاريخ التسجيـل : Jun 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  المغرب
الـــــدولـــــــــــة : المغرب
المشاركـــــــات : 440 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : يحي غوردو is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

يحي غوردو غير متواجد حالياً

[align=center]الفصل الأول: الجن بين الادعاء والإنكار.


منذ القديم والحرب سجال بين مدع ومنكر لوجود الجن، بين مدافع ومهاجم لتلبسهم بالإنس، وقلما اتفق الدين والعلم على رأي واحد. ليبقى الناس البسطاء حيارى بين المؤيد والمعارض، بين رأي الدين ورأي العلم... اللذَيْنِ وُضِعَا من البداية موضعا خطأ عندما وضعا موضع "تعارض" و"تضاد".
قديما وحديثا ما كان الناس ليتفقوا حول موضوع يشذ عن سنن الخلق والكون كمثل موضوع الجن، لذا انقسموا منذ البداية طوائف وشيع متباينة، فمنهم، أولا، من أنكر مطلقا وجود الجن والشياطين وتأثيرهم على النفس البشرية، كما هو الحال مع معظم المعتزلة، ومنهم، ثانيا، من أنكر وجود النفس الإنسانية المفارقة للبدن لكنه أقر بوجود الجن والشياطين، وهذا قول كثير من المتكلمين وغيرهم... وعلى العكس من ذلك نجد فريقا، ثالثا، أقر بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن، لكنه أنكر وجود الجن والشياطين وزعم أنها غير خارجة عن قوى النفس وصفاتها، وهؤلاء يقولون إن ما يوجد في العالم من التأثيرات الغريبة والحوادث الخارقة إنما هي من تأثيرات النفس، ويجعلون السحر والكهانة وما شاكلهما مجرد تأثير للنفس وحدها بغير واسطة شيطان منفصل، وهذا قول ابن سينا وأتباعه... ومنهم، رابعا، من قال بوجود الجن قديما لكنه نفى وجودهم حديثا... أما الفرقة الخامسة فقد أقرت بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن، كما أقرت بوجود الجن والشياطين، وهذه الفرقة أثبتت ما أثبته النصوص الإسلامية القطعية، من كتاب وسنة، حول الموضوع.
سننطلق، مبدئيا، في نقاشنا من سؤال محوري هام نؤسس به لموضوعنا: ما الذي يدل على وجود الجن والشياطين؟
يدل على وجودهم، من وجهة نظر إسلامية على الأقل، (على أننا سنتجاوز ذلك إلى ما هو عقلي لاحقا) آي كثير في القرآن تغني شهرتها عن ذكرها، ويدل أيضا على وجودهم ما روي عن النبي  في ذلك من الأخبار والسنن الدالة على إثباتهم. وليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وحق على اللبيب المعتصم بحبل الله أن يثبت ما قضى العقل بجوازه، ونص الشرع على ثبوته، قال تعالى: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍوَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (ص/37-38) وقال أيضا: ومن الشياطين من يغوصون له (الأنبياء/ 82) إلى غير ذلك من الآي، وسورة "الجن" تقضي بذلك. قال عليه السلام: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)(صحيح البخاري). وقد أنكر هذا الخبر كثير من الناس، وأحالوا روحين في جسد، والعقل لا يحيل سلوكهم في الإنس إذا كانت أجسامهم رقيقة بسيطة على ما يقوله بعض الناس بل أكثرهم، ولو كانوا كثافا لصح ذلك أيضا منهم، كما يصح دخول الطعام والشراب في الفراغ من الجسم، وكذلك الديدان قد تكون في بني آدم وهي أحياء.
والعلم أيضا يجيز وجودهم فقد أثبت العلماء وجود أشياء لم تكن تعرف من قبل تؤثر فينا ولا نراها كالإشعاعات والذبذبات والشحنات الكهربائية وغيرها... كما لا ينكر عاقل اليوم وجود كائنات أخرى مختلفة عنا تعيش معنا وتشاركنا الحياة وتؤثر فينا، دون أن نراها، والعلم قد أثبت هذا وفصل فيه، فوجب التصديق بكل هذه الحقائق: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا (النساء / 122). لقد أخبرنا الله عز وجل، في كتابه المبين، أن للجن قوة تتوصل بها إلى قذف ما توسوس به في النفوس وبرهان ذلك قوله تعالى: من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس، فالإنسان حينما يرى من له عنده ثأر يضطرب وتتبدل أعراضه وصورته وأخلاقه وتثور ثائرته وانتقامه... وحينما يرى من يحب تحدث له أحوال أخرى من البهجة والسعادة والانبساط... وحين يرى من يخاف منه تحدث له عوارض أخرى من صفرة ورعشة وقشعريرة وضعف نفس. وحين يشير إنسان إلى إنسان آخر بإشارات أو أوصاف تطبع بها، أو يسبه أو يقذفه، فإنه يحدث فيه العديد من التغيرات، فيغضبه مرة، ويخجله مرة أخرى، ويفزعه ثالثة، ويرضيه رابعة... وكذلك يحيله أيضا بالكلام المليح أو القبيح إلى جميع هذه الأحوال، فهذا يعلمنا أن الله عز وجل كما جعل للرؤية والكلام قوة تؤثر في نفس ابن آدم، جعل للجن قوى تصل بها إلى تغيير النفوس والقذف فيها بما تستدعيها إليه... فلا يسعنا إذن إلا أن نجزم متيقنين بوجود هذه الكائنات التي أخبرنا عنها رب العزة واستعاذ منها خاتم الأنبياء، والتي تعيش معنا وتؤثر فينا رغم عدم رؤيتنا لها.
جوهر الإشكال ـ في الواقع ـ في موضوع الجن، لا يرتبط بأدلة وجودها من عدمه، بل يتركز في كيفية أشكالها وأحجامها، وطريقة تمظهراتها وتداخلها معنا في حياة واحدة. كما أن النقاش الخفي ـ الذي يبدو لنا ـ يتعلق بالمصطلحات المستعملة للدلالة على هذه الكائنات الحية... فالكائن موجود بالنص القرآني، وقد ثبت وجوده كما يظهر من قوله تعالىوخلق الجان من مارج من نار (الرحمان / 15) فالجان كائن من مخلوقات الرحمان وهو واحد وإن تعددت الأسماء التي أعطيت له، فهناك من يطلق عليه اسم جن أو شيطان، وهناك من يقول بأنه النفس وطبائعها، وهناك من يلقبه بالسحر أو الأرواح أو الأشباح أو الخيالات أو رجال الغيب... وهناك من يسميه اسما مختلفا قد تكون الكائنات المجهرية كالجراثيم والفيروسات منها ويدعي أنه اسم علمي لكائن مادي مجهري، فيجرده بذلك من محتواه الغيبي ويقطع علاقته بالدين... لكن تظل هناك تقاطعات بين العديد من هذه الأسماء من الناحية الدلالية، ومن حيث الفحوى والمفهوم، سواء كانت تنتمي إلى الحقل الديني أو العلمي أو حتى حقل الشعوذة والسحر، فهي تدل على شيء واحد يتلخص في ظواهر غير عادية تحدث للناس، وكل واحد يفسرها حسب خلفيته الفكرية والمعرفية.
حينما يأتي مريض، يقوم بأفعال وأقوال غير معتادة، قد يراه الفقيه مصابا بالوسوسة، ويراه عالم النفس مصابا بالهلوسة، ويراه الطبيب مصابا بفيروس ما، وينظر إليه المشعوذ على أنه مسحور أو ممسوس... وحينما نترك طعاما بدون غطاء فيفسد، يقول البعض إنه يتحلل طبيعيا، ويقول البعض إن الميكروبات أو الجراثيم تفسده، والبعض الآخر يقول بأن الجن والشياطين قد حضرته...
حينما نسمي الأشياء بغير أسمائها، أو حينما نطلق عدة أسماء متضاربة على شيء واحد، أو حينما نفهمها بغير مدلولها الصحيح فإننا لا نزيد العلم، والعالم، إلا تعقيدا.
قلنا إن الجن موجود ويعيش معنا، ولا ينبغي لمؤمن أن ينكر ذلك، لأن إنكاره إنكار لمعطى قرآني صريح، فالله سبحانه وتعالى أفرد لهم سورة كاملة من ثمانية وعشرين آية، وقرن بينهم وبين الإنس في العديد من الآيات نذكر منها على سبيل العد لا الحصر:  وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي (الذاريات / 56) و يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (الرحمان /33).
فالجن والإنس مقترنان ومرتبطان ارتباطا مكينا بحيث لا تستقيم الحياة من دونهما، فهما كالليل والنهار لا يكون الواحد منهما دون الآخر، وكل ما في الكون سخر لهما، كما أنهما سيحشران معا ويتبادلان التهم: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (الأنعام/128) ،  وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ(فصلت /25) ...
[/align]
 
 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42