كنت صغيرا غرا عديم التجربة و الدراية عندما أقام أحد جيراننا وليمة بمناسبة دخول أبنه الأول الى الحياة الدنيا
و كان قد استدعى ليلا جماعة "الحضرة" طقس من الطقوس السنية يحضر فيه أناس لهم علاقة كبيرة بعالم "الجن" هذا العالم المجهول للأكثرية .و فيه من الغرابة و الحالات المثيرة للتعجب الكثير الكثير (الحضرة العلوية هي منسوبة للشيخ الجليل أبو علي بن الحسن بن عمران بن..بن..بن..الى أن يصل نسله للشيخ الجليل عبد القادر الجيلاني البغدادي هم جماعة يبدؤون احتفالهم بمدائح و أذكار تمدح الرسول صلى الله عليه و سلم و الدين الأسلامي و شيوخ الحضرة ثم يقوم شيخهم الأكبر بمناداة "الشواش" جمع شاوش و هم أناس يتكلمون بلغة عجيبة و غريبة يقولون بأنها لغة "عجمية" و تركية قديمة و "سريانية" لما قام شيخهم ينادي أحسست و كأن شيئا ألم بي ثم دخل في و ثقلت كتفاي و أحسست برأسي يتجمد و شعري يتنمل و أعصابي تشد و أطرافي تتعصر
و تتمطط و أريد أن أتكلم فلا أستطيع " يضيق الصدر و لا ينطلق اللسان" فأجهشت بالبكاء و بقيت أبكي ذاك ما
هون عليا ليلتي شيئا ما .
ثم أنهم بعد أن ينتهون من المناداة و الكلام و السلام بلغتهم الخاصة يطفؤون الأنوار لذكر الله وحده بينما يستعد
فريقا منهم للبندير (آلة كالدف لكنها أكبر ) يبدأ ضرب البند ير و الطنقور (آلة هي الأخرى كالجرة بدون فم و بها جلد عليها و تقرع بعصي رقيقة) و تشتعل الأنوار لترى من كان يذكر الله في الحلقة يرقص رقصا عجيبا و بيده
(كسكاس) آنية من الفخار أو المعدن تملأ جمرا . هناك من يوجهها للسماء و آخر يمسحها على الجدار و آخر يملأ يده من التراب و يرميها في هذا الجمر فيمتلأ الجو بالدخان دخان طيب الرائحة و هكذا لمدة ساعتان أو أكثر أنغام و رقص و ادعية و أذكار و مديح و تباخير من لاشيء حتى تنتهي السهرة . وكان يتخلل السهرة من حين لآخر الأتيان بعض المرضى أو المجذوبين أو المرضى النفسانيين لتتم معالجتهم من طرف الخبير فيهم فيكثرون عليه بالثناء لشفاء البعض و تحسن حال الآخرين و الدعاء لله بشفاء من لم يستطيعوا لهم حلا . وكنت من بينهم مدهوشا بما أرى و أسمع من ذالك الحين أصبحت أشعر بأشياء غريبة تحصل معي و أشم روائح طيبة من حين لآخر تحيط بي حتى أني لما أشعل السيجارة لأدخنها يطلع منها راحة البخور "الجاوي" و يشمها من يجاورني و يتساءل عن مصدرها .....حتى جاءت "حضرة أخرى" نادى الشيخ بكلامه الغريب فتكلم معه من تكلم و ألح في المناداة لأبناء شيخ الطريقة "أولاد أبا علي السني الشريف" فانتابني ما انتابني في المرة السابقة و صرخت بأعلى صوتي "كذا وكذا لا أفقه ما أقول " و كنت أتساءل حينما كان يسأل هل أستطيع الرد . وأرد عليه بمثل كلامه و لو سألتني ما المعنى فلن أرد عليك بما يثلج صدرك أو يقنعني شخصيا ثم بدأ ضرب البند ير و غيره فوجدتني أحمل الكسكاس و الجمر أنا الآخر و البخور يتصاعد لا أدري من أين ذاك أو من رماه في الجمر و يسقط الجمر من الآنية فأرده اليها دون أن أشعر بحرارته بل رأيتني أحمل الجمر لفترات متباعدة و لايحرقني و أرقص دون ارادة لكن في كل ذاك شعور باللذة غريب و نخوة لا تشبهها نخوة و حضور بدني ليس مثله حضور حتى أنك تشعر بأنك قادر على حمل الجبال و لو انك أردت الطيران لفعلت و ليس لك في ذالك لا ناقة و لا جمل حركات لا شعورية و تصرف لا أرادي ........يتبع
|