ان قضايا التلبس والسحر والمس وما يتولد عنها ويصاحبها من مشكلات وتأثيرات متفشية ولها حضور ورواج, والذهاب إلى نفيها ودحض القول بها لن يقتلعها أو يزيلها من عقول المؤمنين بها والمصدقين بوجودها.
لئن كان لمسألة دخول الجني في الإنسي, وتلبسه له أصل شرعي ، فالمشكلة الشائعة بيننا ان كل من انكر قولا تحت اسم ( باحث يزيل الغبار ) ! حتى وكأن التأصيلات الشرعية أصبحت الآن في نظر هؤلاء الباحثين ( بين الحقيقة والخيال )، وكأن هذا عنوان مغري للتشكيك في التأصيلات التي نؤمن بها ...كل هذا يدل على ( تراكم الغبار وضعف الرؤية في هذه العقول ).
وعلى الجانب الآخر.......
لا بد من ابراز حقيقة ان قدرا كبيرا من المبالغة والتهويل قد لابس المسألة, بحيث أضاف إليها الناس بفكرهم وسلوكهم صورا ووجوها ليست منها, حتى اختلط الواقعي بالوهمي, وتداخلت الحالات المرضية ذات المنشأ النفسي والاجتماعي بالحالات الموسومة بالتلبس والسحر والمس, وهذا يدل على مدى تجذر المشكلة في واقعنا, وتغلغلها في نسيجنا الفكري والاجتماعي,
لقد كان شائع في المجتمعات قديما الاعتقادُ بأن الجن إذا ما لمس أو تلبس الإنسان فإنه يسبب الأمراض خاصة الأمراض النفسية و العقلية أو العصبية ، و الحقيقة أن الأمراض كلها في قديم الزمان كانت تعزى لمثل هذه الأمور الغيبية لكن انتصارات الطب المتوالية و اكتشاف الجراثيم ثم المضادات الحيوية و التي كان اكتشافها مشتملا على طريقة عملها أدَّت إلى سهولة الفهم على الناس فلم نعد نسمع بمن يتردد على الشيخ لكي يعالجه من التهاب في شعب صدره الهوائية يسبب له السعال و لم نعد نسمع بمن يزور الشيخ ليعالجه من الشعور بالحموضة الزائدة بعد تناول الطعام أو من الإسهال أو الإمساك مثلاً إلى آخره.
فقد أصبحت أسباب هذه الأمراض و مثيلاتها معروفة مشهورة على الغالب لدى كل الناس و لديهم فكرة لا بأس بها عن أسبابها و طرق علاجها فلا تكاد اليوم تجد من يصدق إن التهاب الحلق مثلاً هو من فعل الجان !!! مع أن ذلك كان هو الحادث قبل فهم هذه الأمراض و معرفة أسبابها. ...
وترى الآن انه في منتهى البساطة وتحت عنوان ( بين الحقيقة والخيال ) ، وتحت عنوان ( بحث لكشف اللغز المحير ) عادت المفاهيم الشعبية العتيقة للظهور ، وان كان في أثواب جديدة
ان ما يحدث في العالم العربي العاجز الواهن الآن من تغييب للعقل يفوق ما حدث في سائر العصور، فالإنسان العربي الضعيف الآن، قليل الحيلة يبحث عن معجزة،ويرفض الصبر على البلاء والابتلاء، ويعجز عن أن يأخذ بالأسباب
|