[align=right]
الشيخ حسن البنا والشيخ طنطاوي جوهري والروحية: يقول الدكتور علي عبد الجليل راضي: (كان رحمه الله شيخًا واسع الأفق، لا يعرف التعصب، يؤمن بالروحية كل الإيمان، وله مع الوسطاء تجارب وتذوق وأبحاث، وترك لنا كتبًا خالدة، مثل (الأرواح) و(براءة العباسة أخت هارون الرشيد)..إلخ. في جولة من جولاتنا اصطحبني الأخ الفندي إلى دار بسيطة في سوق السلاح، وقال لي: (أن بها شخصًا متكلمًا يدعى حسن البنا. وكان يزوره في ذلك اليوم نفسه الشيخ (طنطاوي جوهري) إثر عودته من الحج. وكان يقال أن أفكاره هي أساس نشأة الإخوان المسلمين، لكن فضل هو بقاءه في الخلفية والناحية الفلسفية والروحية). ()
وإن كان ما ذكره الدكتور علي راضي من اهتمام الشيخ حسن البنا بالروحية، وأن أفكار الشيخ طنطاوي جوهري (صاحب المعتقدات الروحية) هي أساس نشأة الإخوان المسلمين، فإن كان هذا صحيحًا فإنه قد يثر حفيظة الكثيرين، لكن البحث العلمي المحايد والنزيه يلزمنا بذكر الوقائع مهما بلغت فداحتها، ثم ليتم تفنيدها بعد ذلك، وعلى من يرى خلاف ذلك أن يقدم الدليل على ما يقول. وإن تكتمنا على بعض الثغور قد يتيح الفرصة لأن يسيء البعض استغلالها، لذلك يجب على الأقل التعجيل بكشفها وبيانها حتى يتم توضيح ما قد يكتنفها من غموض وشبهات قد تبرأ ساحتهم من الاتصال بالجن، إن كان هناك شبهة قد تدرأ عن الرجل اهتمامه بالعلوم الروحية. فربما كان اهتمام الشيخ حسن البنا بها على غرار ما نحن بصدد من التعرف عليها، وبيانها وكشف حقيقتها، لكن القدر لم يسعفه لبيان ذلك، وليس من قبيل ممارسته استحضار الجن والقرائن، لكن لا بد من البحث عن مؤلفاته والتعرف على أراءه لنقف على حقيقة رأيه، والله أعلم.
ثم من هذا الشيخ طنطاوي جوهري؟ والذي يقال؛ أن أفكاره هي أساس نشأة الإخوان المسلمين! وعن مدى صلته بالعلوم الروحية يقول عنه دكتور السيد نصار: (مفكر وأديب ومفسر وفقيه مصري ولد سنة 1870 وتوفي سنة 1940 عمل بالتدريس وكان أستاذًا بدار العلوم ثم الجامعة المصرية الأهلية منذ إنشائها. وكان من أوائل المفكرين والباحثين الروحيين في الشرق وقد أخذ على عاتقه مهمة الجمع بين الآراء الدينية وبين حقائق العلم الروحي الحديث. وفيك كتابه (الأرواح) وهو يعتبر من أمهات الكتب العربية في هذا الموضوع، حاول التوفيق بين الأبحاث الروحية والديانة الإسلامية ودلل على خلود الروح في القرآن الكريم والسنة. وقد تناول في كتابه الظواهر الروحية والاتصال الروحي والتنويم المغناطيسي وأعلام هذا المذهب في الغرب وأشهر كتبهم كما أكد تأييده للظواهر الروحية الحديثة وانتصر لنتائجها. وكان الشيخ طنطاوي من أبرز أعضاء (دائرة القاهرة الروحية) وقارًا وعلمًا وتقوى. وقد ذكر الأستاذ أحمد فهمي أبو الخير في مجلة (عالم الروح) عدد مارس سنة 1956 أن صلة الشيخ طنطاوي جوهري بهم ولم تنقطع بعد انتقاله إلى العالم الآخر. فقد كان يحضر في جلساتهم الروحية ويجيب على أسئلتهم كما كان يراه وسطاء الجلاء البصري ويحيونه، ويشهد أنه رآه بنفسه في حجرة التحضير رؤية خاطفة فإذا الشيخ المفقود موجود وإذا العقل الفياض هو العقل الفياض وإذا بعواطفه الخيرة متغلبة عليه، كما كان له مؤلفات أخرى في نفس الموضوع منها (أصل العالم) و (أين الإنسان) و(التاج المرصع بجواهر القرآن والعلوم) و(ميزان الجواهر في عجائب هذا الكون الباهر) و(تفسير الجواهر) وقد ترجمت يعض هذه الكتب إلى الإنجليزية والأمهرية والهندوسية والإندونيسية وغيرها). ()
يوسف وهبي والروحية: وذات يوم أخذت معي صديقي الدكتور فؤاد ويصا وتوجهنا لزيارته في منزله بشارع الهرم، في الطريق قال لي الدكتور وهو وسيط ومؤمن بنظرية العودة للتجسد أن لديه إلهامًا (بأن يوسف وهبي كان في حياة سابقة للمثل الأمريكي المشهور (كين) الذي كان أعظم ممثل العالم في وقته. فلما ذهبنا إليه وأخبره الدكتور فؤاد برأيه وافق عليه في الحال وقال أنه أيضًا يشعر بذلك.. وقد أدى خدمة جليلة للروحية حينما ظهر في التلفزيون المصري (1964) وتكلم عن علاجه الروحي ونقلت عنه ذلك في وسائل الإعلام في الشرق والغرب. إنه رجل صريح وجريء في الحق اقتنع بالروحية وشهد لها. فلماذا يكذبه الجاهلون؟.. ونجد انعكاسًا لتضارب الأراء تجاه تجربته الروحية فيما جاء في الأهرام بتاريخ 13/9/1957. (يحضر الآن الأرواح ويستعطفها ويلبي نداءها. إنه يتحدث عن كرامات الشيخ سليم الذي رآه في صباه والذي يستطيع أن يكشف الغيب ويحضر أمامه وهو في سوهاج بعض حلويات (جروبي) بغير حاجة إلى سفر ولا قطار. إن يوسف يحفظ الآن أسماء عشرات كتب الروح والطالع ويتحدث حديث العالم المطلع المتخصص عن مؤلفيها وأحسن من ترجم بعضها. بل يؤمن بالعمليات الجراحية التي تجريها الروح دون أن يحس صاحبها ودون ألم ولا بنج. بل ويؤكد حديثه بما جاء في القرآن والإنجيل ورؤية البابا للمسيح منذ سنين وأنه شاهد الموائد التي تتحرك في الهواء وتهزها الأرواح). ()
وقد أعظم الشيطان الفرية عندما تخير لدعوته السرية أبواقًا صداحة يسمع لهم فلا يرد عليهم، فراجت الفرية على من يجهلون ما يتم في الخفاء، ففي أكثر الأحيان سنجد أن علماء السوء والضلالة يلهجون بلسان الدين والدعوة، وقد تسربت المعتقدات السرية إليهم فيحركهم الشيطان من خفاء، وهذا على مستوى جميع الملل، وليس حكرًا على ملة بعينها. وسنكتشف أن الأسطوريين دائمًا ما يكونوا مقترنين برجال العلم والسياسة والسلطة والمال والأعمال والشهرة، بل وفي وأحيانًا تجدهم متكئين على الأرائك الفارهة في الصالونات الفخمة بين أهل الفن والشهرة، وسيدات المجتمعات الأنيقات، فمثل هؤلاء يوفرون لهم ما يكفيهم ويزيد من بحبوحة العيش، ويتيحون لهم الحماية ضد من تسول له أنفسه فضحهم وكشف خباياهم من أهل البصر والبصيرة، وكذلك للتكتم على فضائحهم وأعمالهم المشينة التي تتم من وراء ستار العلم والفضيلة، من إتيان طقوس السحر وموالاة الشيطان.
وهاهو ستالين يختبر كفاءة ميسنغ، لمجرد أن يتأكد من قدراته الفائقة فقط، فلا يعنيه أن يجد تفسيرًا لسر هذه القدرة، فالغاية عنده تبرر الوسيلة، وبحسب ما سردت كل من شيلا ولين (أمر الدكتاتور كيسنغ بأن ينفذ اختبارًا مستحيلاً في الظاهر، إذ طلب إليه أن يقترف بقوة فكره وحدها سرقة في مصرف ويحصل على 100.000 روبل من شباك صندوق غوسبنك في موسكو، حيث ما كان أحد يعرفه. روى ميسنغ فيما بعد: (قدمت إلى الصندوق ورقة بيضاء أخذتها من دفتري). وفتح ميسنغ بعد ذلك حقيبته اليدوية ووضعها على المنضدة. ثم أمر أمين الصندوق ذهنيًا بأن يسلمه المبلغ الضخم. نظر أمين الصندوق في الورقة، وفتح الصندوق، وعد للحال 100.000 روبل لميسنغ الذي كدس رزم الأوراق المالية في حقيبته ثم انصرف. ولحق بالموظفين الذين كان قد سماهما ستالين ليراقبا التجربة. وبعد أن شهدا أن هذه التجربة تمت حسب الأصول المطلوبة، قفل ميسنغ راجعًا إلى صندوق المصرف. ولما بدأ يخرج الأوراق المالية ويضعها على المنضدة، نظر إليه أمين الصندوق، ثم نظر في قطعة الورق البيضاء على مكتبه، وانهار على الأرض مصابًا بنوبة قلبية. (من حسن الحظ لم تكن مميتة)، كما قال ميسنغ.. سرد علينا علماء سوفيتيون يعرفون المتخاطر الشهير تفاصيل اختبار آخر قصره عليه ستالين. فقد أوجب على ميسنغ أن يدخل بلا إذن ولا جواز مرور إلى عزبة رئيس الدولة في كونتسيفو. وكان هذا الطلب يعدل اليوم أن تطلب من أحدهم أن يحاول التسلل خفية إلى أقبية (فورت نوكس) لسرقة ذهب الولايات المتحدة. كان عدد كبير من الحرس يطوقون دارة ستالين الريفية. وكان فريق من الحراس الشخصيين يتولى حماية الدكتاتور. أما القائمون على خدمة البيت فكانوا جميعًا من رجال الشرطة المتنكرين. وبعد بضعة أيام، وفيما كان ستالين يعمل في عزبته جالسًا أمام طاولة عريضة مكتظة بوثائق رسمية، دلف رجل صغير القامة، أسود الشعر، إلى البيت من دون أن يسترعي انتباهًا خاصًا. فقد انحنى له حراس ستالين الشخصيون باحترام، بينما بادر الخدم إلى فتح الأبواب أمامه. اجتاز الرجل صفًا من الغرف، وكلها مفروشة على نحو متماثل من أريكة وسجادة وطاولة. وتوقف أمام الغرفة التي كان الذي ينظر إليه من نطاق الباب وولف ميسنغ.
كيف أمكنه النجاح؟ يشرح ميسنغ فيقول: (أوحيت ذهنيًا للحراس وللخدم؛ إنني بريا، إنني بريا). كان لوريان بيريا، رئيس الشرطة السرية السوفياتية، من المترددين المألوفين على عزبة ستالين. وما كان ميسنغ، بشعره الأجعد، يشبهه من قريب أو بعيد. ومع ذلك، لم يكلف نفسه حتى عناء وضع نظارة أنفية فولاذية شبيهة بتلك التي يضعها بيريا. سرعان ما ذاع نبأ تجارب ستالين مع ميسنغ في أوساط الدوائر العليا للسياسية السوفيتية في موسكو. وقدر بعضهم أن ميسنغ أصبح رجلاً خطرًا، لكن ستالين بطبيعة الحال يحميه. وكانت النتيجة النهائية لتلك الاستبارات أن تلقى ميسنغ من أعلى السلطات إذنًا بالقيام بجولات حرة عبر أرجاء الاتحاد السوفيتي قاطبة).()
فحل مشكلة السحرة والدجالين ليست في خرق حصونهم، ودك معاقلهم، فهناك من أصحاب المنافع والسلطة والنفوذ من يسخرونهم ويروجون لهم لدى علية القوم، حيث يتبادلون معهم المنافع المشتركة، فيحيطونهم بسياج حمايتهم ورعايتهم، ويتسترون على أباطيلهم، ليتم تخليق كائن خرافي جديد في أثر اختفاء آخر قديم، فإن لم يكن أصحاب المصالح من السحرة، فإنهم لا يعتمدون على رجل أسطوري واحد فقط، بل يعتمدون على تكوين فريق من السحرة من شتى بقاع الأرض، طائفة منهم منجمين، يسترقون السمع ويتنبئون بمجريات الأحداث لاتخاذ القرار الصائب، وأخرى في فرع التجسس والتصنت، يتتبعون أخبار أعداءهم ويقتفون أثرهم، وآخرون في فرع السحر والسيطرة على المسؤولين، فيتسلطون عليهم بالسحر لتسهيل مصالحهم الشخصية، وتمرير مخالفاتهم بدون رقابة، والبقاء للأقوى سحرًا، والأشد كفرًا.
هذا في مقابل التنكيل بالمعالج الشرعي، وتضييق الخناق عليه، ووصفه بالجهل والخبل، والتشكيك فيه، ورميه باعتناق الخرافات والخزعبلات، رغم امتلاكه لأسانيد شرعية تدعم مصداقيته. ولكنه تسلط الشيطان، والحرب الخفية لكبت الحق، وقمع حقيقة كل ما يتصل بأسرار عالم الجن والسحر، فدائمًا ما يتم إخفاءها، وفي أحسن الظروف يتم الإعلان عنها بصورة مشوهة تبعث على الازدراء والسخرية والاستخفاف بها، بما يسمح بمرورها دون الالتفات إلى خطورتها، ومضمون جوهرها المدمر.[/align]
تابع الجزء الثامن والأخير
|