|
استخراج الذهب من المناجم
لن نردد كلمات المثل الشعبي الشهير: عندما يفلس التاجر.. يدور في دفاتره القديمة!! لن نقول ذلك رغم أننا علي وشك أن نصبح.. كذلك!! فلا أحد يعرف بالضبط كم ما سرقوه من ثروة مصر.. ولا حجم ما أضاعوه.. ولا حتي قيمة ما اقترضوه.. ومن هنا فإن علينا أن نركز جهودنا الآن نحو البحث عن مصادر جديدة للثروة.. تعوض علينا، بعض ما ضاع أو نهب أو سرق، أو انفق دون حساب.
** علينا أن نعود إلي العقل المصري، إلي علماء مصر.. نسألهم النصيحة.. ومن المؤكد أننا سنجد عندهم جوابا شافيا.. ولقد وجدت الاجابة عند واحد من علماء مصر الكبار. إذ رغم انه تمت إحالته للمعاش.. إلا أن عقله مازال يعمل.. وقلبه مازال نابضا بحب هذا الوطن، رغم الإحباط الرهيب الذي أصابه في سنواته الأخيرة.. بسبب بعض العقول المتحجرة..
لقد درس الرجل حكاية مناجم الذهب في صحرائنا الشرقية.. تلك المناجم التي أحسن الفراعنة استغلالها منذ آلاف السنين.. ووجد أن الأمل مازال يبشر بالخير.. إذ مع تطور العلوم يمكن استخلاص كميات أخري من هذه المناجم.. بل واستخلاص الذهب من مناطق أخري لم تكن تعطي ذهبا، بفضل نظرية علمية جديدة.
** والرجل- العالم الأستاذ الدكتور عاصم محمود حسين أستاذ علم الكائنات الدقيقة في كلية علوم بنها- يري ان الأمل مازال باقيا وهو بذلك يقفز فوق كل ما قيل من ان الفراعنة استخلصوا معظم، ان لم يكن كل، الذهب الذي »كان« موجودا هناك.. فعلي أي أساس تقوم نظرية العودة إلي ذهب البحر الأحمر والصحراء الشرقية؟!
في البداية يقول العالم الدكتور عاصم أن المصريين القدماء عرفوا معادن الرصاص والذهب والفضة والنحاس منذ عصور ما قبل الأسرات واعتبروا أن الذهب لنقاوته وللونه الأصفر اللامع رمز للخلود، وكانوا يصفونه بأنه »لحم الالهة« لأن الذهب غير قابل للفساد أو الصدأ.. واتخذوا الاله حتحور إلها للذهب ولهذا جاء المثل الشعبي القديم: حتحور أبوالذهب المنثور.. وجعلوه اسما لشهر من شهور السنة المصرية القديمة..
** ودون الدخول في تفاصيل تقديس الفراعنة للذهب ولا كيف كسوا به قمم المسلات والمعابد وتماثيل الفراعنة، ولا حتي في تغطية التوابيت وصناعة الحلي، نقول إن حاجة المصريين للذهب كانت كبيرة.. ولذلك نشطوا في البحث عنه في جبال الصحراء الشرقية والنوبة.. وترك لنا الفراعنة- حتي الآن- 150 منجما منها منجم في وادي العلاقي الممتد من قنا إلي القصير، ويصل عدد هذه المناجم في هذا الوادي وحده إلي 95 منجما. والمنجم عبارة عن نفق يمتد تحت تل صخري الي مسافات مختلفة للداخل. وكان المصريون يبحثون عن الذهب في »عروق الذهب« النقي المجتمع في عروق الكوارتز الذي يشبه الرخام. وعرق الذهب ليس صلبا ولكنه تجمع من حبيبات الذهب المسمي بالتبر. وكان لهم طريقة خاصة في التعرف علي أماكن تواجد هذه العروق. كانوا ينقبون أسطح انفاق المناجم، ليصلوا إلي عروق الذهب، ويجمعونه في »عب« الجلاليب تماما كما يفعل الفلاح المصري الآن في جمع القطن.. ثم يتم نقل الذهب إلي خارج المنجم حيث ينقي من الشوائب العالقة من رمال وتراب وخلافهما.. ثم يصهرونه ويشكلونه علي شكل سبائك.
** ويقول الدكتور عاصم: لا أحد يعرف للآن كيف كان المصري القديم يبقي داخل انفاق المناجم ولمسافات طويلة لأن ذلك »الآن« غير ممكن لأن هذه الأنفاق مملوءة بغازي ثاني الكربون والميثان الخانقين. فضلا عن أن هذه الأنفاق كانت مأوي للأفاعي والعقارب.
** والذهب يوجد داخل المناجم علي شكلين: الأول ذهب حر طليق يتجمع فوق عروق الكوارتز. والثاني في شكل حبيبات من الذهب محبوسة في غلاف من مادة كبريتيد الحديد التي تسمي »التبريت« وهو الذهب الموجود في مناجم مصر. ولا يمكن استخلاص هذا الذهب بالطرق الكيماوية المعروفة، لارتفاع التكاليف.
وهذا يجرنا إلي الطريقة التي يدلنا عليها الدكتور عاصم حسين.. فقد استرعي انتباهه ما ينشر من بحوث عن استخلاص الذهب المحبوس باستخدام أنواع معينة من البكتيريا التي يتركز نشاطها في تحليل وإذابة الغلاف البيتريتي المحيط بحبيبات الذهب واذابته. ويؤكد الدكتور عاصم أن هذه الطريقة نجحت إلي الحد الذي أقيمت علي أساسها مصانع لاستخلاص الذهب بالبكتيريا في استراليا وكندا والبرازيل وزائير وزيمبابوي..
** ولأن الرجل أستاذ في علم الكائنات الدقيقة، أي هذا من صميم علمه وخبرته، فإنه شعر أن من واجبه تجاه بلده يمكنه من دراسة هذه البحوث.. وبالتالي إقامة هذه الصناعة.. أي بالحصول علي سلالات البكتيريا التي تقوم بتحرير الذهب.
وعرض الأستاذ المصري فكرته هذه علي عدد من علماء مصر الكبار في مجال الجيولوجيا والبيئة من أمثال الدكتور محمد لطفي عبدالخالق أستاذ الجيولوجيا بعلوم القاهرة والدكتور محمد القصاص أستاذ البيئة العالمي بعلوم القاهرة.. فشجعاه علي المضي في أبحاثه.
واتصل الدكتور عاصم بالدكتور محمد عاطف دردير عندما كان رئيسا لهيئة المساحة الجيولوجية فرحب بالفكرة.. وتم عرضها علي مجلس إدارة الهيئة، الذي رحب بدوره بالفكرة. وأبدي استعداده لوضع كافة امكانيات الهيئة في خدمة هذا العمل.. بل وقال الدكتور عبدالعزيز عبدالقادر النائب الأول للهيئة بأنه زار بالفعل مصانع الاستخلاص البكتيري للذهب في البرازيل وأكد انها تعمل بكفاءة.
** وأخذت الفكرة تتقدم أكثر. إذ تم إعداد مقترح بحثي مشترك من كلية علوم بنها مع هيئة المساحة الجيولوجية ووافق علي ذلك مجلس قسم البنات ومجلس كلية علوم بنها. وكذلك مجلس هيئة المساحة.. ووافقت أكاديمية البحث العلمي.. التي أعلنت عن وضعه ضمن مشروعات الخطة الخمسية للأكاديمية. وتم تقديم كراسة لهذا المشروع للأكاديمية وحاز قبول المحكمين ووفق علي تمويله بمبلغ 50 ألف جنيه لتنفيذ مرحلة أولية استكشافية لمدة عامين لبدء العمل المعملي للمشروع. وحررت الأكاديمية عقدا بذلك سلم للدكتور عاصم الباحث الأساسي للمشروع.
ولكن تعرضت الفكرة للكثير من المشاكل، بل والمعوقات.. وربما بسبب الغيرة العلمية.. وتعثرت الفكرة.. ولكن أخبار التوسع العالمي في استخدام هذه الطريقة للحصول علي الذهب زادت من اصرار الدكتور عاصم وعاد يسعي.. ويسعي لتحقيق هذا المشروع الهام لاقتصاد مصر، ولارتفاع سعر الذهب حاليا.
** وقدم الرجل مشروعه للدكتور مصطفي كمال طلبة رئيس مجلس بحوث البيئة والتنمية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا. وعرض الرجل المشروع علي المجلس الذي رد بأن هذا المشروع جاد وهام ويلزم إجراء بحوث معملية استكشافية ثم إعادة عرض المشروع علي المجلس لإيجاد مستثمر له.
وجددت هيئة المساحة الجيولوجية استعدادها لوضع امكانياتها في جلب ونقل عينات الصخور الحاوية للذهب وتقدير محتواها واعداد هذه العينات للعمل البكتريولوجي. ما هي المشكلة إذن؟.
المشكلة أن هذه المرحلة البحثية المعملية تتكلف تمويلا لا يقل عن 100 ألف جنيه لمدة عامين. ولما كانت كلية علوم بنها حيث يعمل الدكتور عاصم حسين لاتستطيع تدبير هذا المبلغ فإن الرجل يتوجه بكل علمه وخبرته إلي: مصر. بكل رجالها ونسائها وبكل علمائها ومستثمريها.. وبالحكومة لكي تمد يدها.. بل ويناشد الدكتور عمرو عزت سلامة وزير التعليم العالي والدولة للبحث العلمي الذي يتحمل مسئولية البحث العلمي من أجل تنمية مصر. ليضع بين يديه هذه الفكرة وهذا المشروع، الذي لن يتكلف كثيرا.. وإن كان سيعطي كثيرا.. بل ويتجه أيضا إلي رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا الدكتور فوزي وللدكتور عبدالحميد بهجت رئيس جامعة الزقازيق لدعم الفكرة وحماية هذا المشروع، ممن سولت لهم أنفسهم الحيلولة دون تنفيذه.
** ولكن الكرة الآن- بجانب كل هؤلاء الأفاضل- دخلت ملعب المهندس سامح فهمي وزير البترول »والثروة المعدنية« بعد أن صدر أخيرا قرار جمهوري بتبعية هيئة المساحة الجيولوجية لقطاع البترول.. وتلك لها حكاية أخري ذلك أن هذه الهيئة لم تستقر أبدا في مكان واحد ولا مسئولية واحدة منذ أنشئت.. فهي تارة تابعة لوزارة الصناعة.. وأخري بعد فترة قصيرة تتم تبعيتها لوزارة البترول.. ونعتقد أن الوضع الجديد أي تبعيتها لوزارة البترول والثروة المعدنية هو الأفضل. ومازلت أتذكر الجهود الجبارة التي بذلها الكيميائي عبدالهادي قنديل عندما كان وزيرا للبترول، وكانت هذه الهيئة من بين مسئولياته. واستطاع أن يدفع نشاطها إلي آفاق عديدة.. بل وقدم العديد من القوانين ومنها المحاجر والملاحات وغيرها والمناجم إلي مجلس الشعب.. ولكن.. وآه من كلمة »لكن«..
** المهم أصبح المهندس سامح فهمي مسئولا عن كل أنواع الذهب في مصر. من البترول الذي هو الذهب الأسود.. إلي الذهب الأصفر البراق بعد أن عادت الهيئة إلي بيتها الطبيعي.
|