دار الكتب في قبضة لصوص المخطوطات
حادث اختفاء مخطوط الإمام الشافعي ليس الأول ولن يكون الأخير:
[align=right]تحقيق : مني نور ـ مجلة : ’’ أخبار الأدب‘‘.
ليست هذه المرة الأولي ولا الأخيرة التي يتم فيها تهريب مخطوطات ومقتنيات أثرية خارج مصر، فما نملكه من مخطوطات في حالة نقصان دائم، فالأطماع كبيرة، واهمالنا أكبر، وما لدينا من كنوز المخطوطات مهدد بالضياع سواء بالسرقة أو التهريب، وفي هذا التحقيق نحاول معالجة هذه المأساة، وسبل ايقاف هذا النزف المستمر لتراثنا الوطني.
بدأت سرقة المخطوطات تطفو علي السطح وتنالها أوساط المثقفين في فترة السبعينات وذلك مع بدء تنفيذ قرار وزارة الثقافة بنقل المخطوطات من دار الكتب بباب الخلق إلي المبني الجديد في رملة بولاق، فقد أجمع معظم محققي التراث علي أن عملية النقل تخللتها سرقة لمجموعة كبيرة من المخطوطات هذا فضلا عن سرقة حوالي 3 آلاف مخطوط كانت موجودة بجامع الشيخ ابراهيم بالاسكندرية حيث اختفت جميعها ولم تبق منها ورقة واحدة فقد تضاربت تصريحات القائمين علي دار الكتب حول عدد المخطوطات الموجودة بالدار ففي عام 1993 قام الدكتور السيد النشار في رسالة الدكتوراة التي تقدم بها لآداب الاسكندرية بعمل حصر ببلوغرافي لعدد المخطوطات الموجودة بدار الكتب وأثبت أن عددها 47 ألفا فقط من جملة 77 ألف مخطوط أي أن الفارق 30 ألف مخطوط ضاعت خلال خمسة وعشرين عاما.
وكان مخطوط (الرسالة) للامام الشافعي والذي تمت سرقته منذ عدة أيام حلقة جديدة من حلقات مسلسل السلب والنهب الذي تشهده دائما دار الكتب، ففي يوم 28 اكتوبر أقامت دار الكتب بالتعاون مع مركز المعلومات العربي بدمشق احتفالا بيوم الوثيقة العربية، وأقيم علي هامش الاحتفال معرض ضم عددا من المخطوطات، وقالت بعض المصادر أن هذا المعرض تم اقامته بشكل عاجل دون أي إعداد له حتي ان بعض الادارات لم تكن علي علم به، ومع ذلك فقد قيل أن الوزير سوف يفتتحه خلال هذه الاحتفالية (إلا أن الوزير اعتذر ولم يأت)، وكان من المفترض أن يكون العرض لخمس مخطوطات وقد تمت الموافقة علي ذلك، الا أن التصريح بالمخطوطات قد دون فيه بقلم مغاير اسم مخطوط الامام الشافعي.. مما يعني أن هذا المخطوط بشكل خاص كان مستهدفا وخلال نقله من مخزن المخطوطات الي مكان العرض تم تسريبه، ولم تسجله كاميرا التصوير التي سجلت ما تم عرضه في العرض، وبعد انتهاء الاحتفالية تم استرداد المخطوطات الخمسة التي عرضت الا أن أمين المخزن أصر علي أن المخطوطات كان عددها ستة وليست خمسة، وأراد بعض المسئولين في الدار التكتم علي فقد المخطوط إلا أن أمين المخزن هذا ثار وأصر علي حدوث السرقة وطالب باسترداد المخطوط مرة أخري، ولم يكن أمام ادارة الدار إلا ابلاغ النيابة ومازالت التحقيقات مستمرة، وقد انحسرت الشبهة في اثنين من الموظفين مازال التحقيق ساريا معهم للآن والسؤال الهام الذي يطرحه تكرار الوقائع: ما هو الخلل الموجود في دار الكتب والذي جعل السرقات تتكرر عبر كل الادارات التي تولتها؟
في البداية يقول الدكتور شعبان خليفة أستاذ المكتبات ورئيس لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلي للثقافة: ان نقل الدار من باب الخلق إلي الكورنيش شابه كثير من الخلل، فقد تم هذا النقل علي عربات (كارو) وقد عاصرت هذه العملية بنفسي، وطالبت باعادة دار الكتب إلي الوضع السابق عليه، فقد كانت منذ انشائها عام 1870 وحتي 1970 عزيزة محترمة، مزارا سياحيا يتردد عليه الزعماء الذين زاروا مصر خلال هذه الفترة وقد تولي ادارتها توفيق الحكيم ولكن تدهورت احوالها بعد ثورة 1952 بعد أن ضموا لها كلا من دار الوثائق القومية ودار النشر وخرج هذا المزيج الثلاثي عام 1971 تحت اسم الهيئة المصرية العامة للكتاب، وبهذا فقد تم زرع جسم غريب في قلب مبناها لدرجة أن قسم المخطوطات يوجد وراءه محل للبطاطين والمراوح، وكان من السهل أن تخرج المخطوطات بين طيات البطاطين، اذن أول نكسة تمثلت في نقل الدار وضم دار الكتب للوثائق والنشر، فكل هذا جاء علي حساب الدار
وأكد د. خليفة انه طالب باعادة الدار الي ما كانت عليه، وانه عندما تم فصلها فقد كان ذلك ادارايا فقط وليس في المبني فقد ظل يخص دار النشر ودار الكتب وظل تجار الكتب يترددون عليه كما أكد علي أن المخطوطات التي كانت موجودة بدار الخلق تم فهرستها وكان عددها 75 ألف مخطوط، أما عددها الآن فلايزيد علي 50 ألفا. هذا فضلا عن (الدشت) والذي تم فرمه بسبب سوء النقل وقد تمزقت أوراقه بالاضافة إلي سوء الحفظ لوجود الحشرات ودرجة الحرارة العالية.
وأشار د. خليفة الي أن هناك جهات عدة مدت يد العون لأجل الحفاظ علي تلك الثروات التي بالدار إلا أن المسئولين عنها كان لهم رأي آخر.. فقد حدث أن تقدمت هيئة المكنز الإسلامي من خلال فرعها الموجود بحي المعادي بالقاهرة بمشروع للقيام بتحميل المخطوطات علي أقراص الليزر إلا أن ادارة الدار رفضت، وتقوم هذه الهيئة الآن بهذا العمل في جامعة الأزهر بمشروع تكلفته مليون جنيه، وأيضا مؤسسة الماجد في دبي تقدمت هي الأخري لعرض المساعدة لصيانة هذه الآثار، وتم رفض عرضها في فترة تولي سمير غريب.. لمصلحة من نرفض كل هذه المعونات؟!
وأضاف قائلا: لايوجد أي صدي لكتاباتنا، وقد أصدرت كتابا بعنوان 'دار الكتب القومية في رحلة النشوء والارتقاء والتدهور' عام 1991 طالبت فيه بإعادة دار الكتب إلي الوضع السابق عليه، هذا إلي جانب أن أي مخطوطة عربية تخرج من مصر يقيمون لها احتفالا كبيرا، ومخطوط الإمام الشافعي أقدم مخطوط في دار الكتب بل في العالم كله مهما قل عدد صفحاته، فإن قيمته الفعلية لاتقل عن 2 مليون جنيه، وتساءل: ما علاقة المخطوطات بالمعرض والاحتفالية خاصة وأن الاحتفالية كانت خاصة بالوثيقة؟!
*****
ويري الدكتور حسين نصار المشرف العلمي علي مركز تحقيق التراث بدار الكتب أن الخلل موجود في الثواب والعقاب بمعني أن العقاب في كثير من الأحيان إما لايوجد أو يكون عقابا تافها أو يتأخر كثيرا بحيث لايلتفت الناس إليه، وخصوصا اذا تم رفع دعوي والقضاء عندنا بطيء جدا في الوصول إلي الحكم. فضلا عن تحايل المحامين في العثور علي مسائل شكلية تبطل القضية، وعندما يحس الانسان المسئول بانه ليس هناك عقاب يتولد لديه الاستعداد للانحراف علي جانب أن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية جعلت من المال قيمة كبيرة لم نكن نحس بها علي الأقل في صبانا وهو ما يشجع كثيرين علي هذا الانحراف!
أما الدكتور أيمن فؤاد السيد أستاذ التاريخ الإسلامي وخبير المخطوطات فيؤكد أن إتاحة فرصة الاطلاع للباحثين تكاد تكون منعدمة علي مثل هذه المخطوطات إلا بتصريح، ومن خلال اجراءات مشددة فالاطلاع علي المخطوط لايكون الا من خلال الميكروفيلم وهو أمر صعب للغاية فهناك فرق بين أن أمسك بكتاب وأطالع كل ما فيه بعنوانه وهوامشه ومتنه وبين التعامل مع ميكروفيلم (أبيض وأسود) وظروف جودته أو رداءته، فضلا عن وجود مخطوطات ممنوع الاقتراب منها علي الاطلاق..
كل هذا أعطي فرصة في التعامل مع الأبواب الخلفية والحديث علي لسان الدكتور أيمن فؤاد من أجل الوصول إلي كل ما هو ممنوع بالإضافة إلي عدم وجود النظام الأمين المتكامل الذي يحفظ ويصون مثل هذه الذخائر.
وينبه د. أيمن في نقطة جديدة إلي نوعية من يتولوا أمر المخازن التي بها المخطوطات قائلا: 'في البلاد الأجنبية نجدهم باحثين أو علماء متخصصين أما عندنا فالأمرمختلف تماما فنجدهم موظفين مظلومين وظيفتهم(مخزنجية) يقومون بحفظ ما هو موجود فقط لاغير'!
الدكتور شعبان خليفة يعود للتأكيد علي أن الاسلوب الأمثل لتأمين المخطوطات وضعها في مخازن مؤمنة وفي درجات حرارة ورطوبة مثالية.
وعلق قائلا: تأمين المكان أمر ضروري للغاية فقد حدث أيام إدارة الدكتور محمود فهمي حجازي أن فوجئنا ب (زبال) يحمل سجلات مليئة بالوثائق وأتي بها إلي الدار!! فوجئنا بعد المعاينة الأولي أن الأوراق سليمة وفي سجلات وبعد أن فحصناها تبين أنها وثائق أملاك اليهود في مصر وقد كانت في طريقها إلي الخارج (!!) لايوجد انتماء لافي دار الكتب ولا في دار الوثائق، فخواء الذمم والجيوب وراء مثل هذه الكوارث التي نتعرض لها من آن لآخر، كل هذا فضلا عن ضبط 22 ميكروفيلم مخطوط نادر تم ضبطها قبل خروجها من مصر. ونبه الي اننا لو شئنا ان نحترم تراثنا فلابد أن نبدأ بعملية ترميم للمخطوطات حيث توجد مخطوطات في حالة يرثي لها والأغلب أنها فسدت بالفعل، ومخطوطات أخري يمكن أن تفسد في الخمس سنوات القادمة وطالب في نهاية هذه النقطة بأن يتم تحميل هذه المخطوطات علي أقراص ليزر أو إعادة تحميلها علي ميكروفيلم، كل ذلك فضلا عن تواجد العنصر البشري المناسب الذي يقوم علي أمر هذه المخطوطات، فلا يكون تواجده عن طريق وزارة القوي العاملة.
وحول النقطة السابقة يؤكد الدكتور حسين نصار أنه الي جانب وجود الكاميرات هناك نظام آخر يطبق في الدول الأجنبية، وهو لصق قطعة من المعدن في غلاف الكتاب، فاذا مر انسان من الباب ليخرج يضرب جرس ينذر بوجود كتاب ما مع هذا الشخص، ويكون من السهل الامساك به!
*****
وعن ملامح سوق المخطوطات وتجارها والمهتمين بها يقول الدكتور شعبان خليفة: 'ان تجار المخطوطات موجودون في أسوان في الجنوب حتي الإسكندرية في الشمال ومن العريش لمطروح، وفي قلب دار الكتب ذاتها هناك متعهدو توريد مخطوطات، وربما بعض مديري دار الكتب يتاجرون في المخطوطات، فهم حولنا في كل مكان، وهناك ايضا دور النشر القديمة التي تتاجر في أوائل المطبوعات والمخطوطات.. كل هذه البضاعة تذهب إلي أماكن محددة في دول الخليج، ويدفع فيها مبالغ كبيرة.
ونبه إلي أن المكتبات الخاصة مجال خصب للدول العربية، خاصة مكتبات العلماء والسياسيين فهي تقبل عليها كما يؤكد وتشتريها بأي ثمن لأنها عادة ما تضم في محتوياتها مخطوطات، ولو أن الحكومة المصرية جادة في هذا الأمر لكانت اشترت مثل هذه المكتبات وعوضت الورثة بأي مبلغ قبل أن يفرطوا فيها. والمشتري العربي لمثل هذه المكتبات يتحايل من أجل خروجها من مصر.
ويري الدكتور حسين نصار أن المستشرقين والعلماء 'أصحاب اللغات' هم تجار الكتب والمخطوطات ويضاف اليهم أصحاب المكتبات الخاصة، وعن سوق المخطوطات يقول: 'هو سوق متغير علي حسب العصور، قديما كان بعض الدبلوماسيين الأجانب يشترون هذه الكتب من مواقع مختلفة، ففي مدينة النجف بالعراق كانت تباع المخطوطات في (قفف) بعد صلاة يوم الجمعة، ويؤكد د. حسين علي أن مكتبات الجامعات العربية الجديدة كلها قائمة علي شراء المكتبات المصرية الخاصة .[/align]
عن : ’’ أخبار الأدب ‘‘ ، العدد : 489.
|