الموضوع
:
المغارات المنظورة أثبت حقيقتها ومكان أهم وأكبر مغارة مقدونية...
عرض مشاركة واحدة
19-Apr-2008, 05:19 PM
رقم المشاركة : (
29
)
مشرف قسم فك رموز الدفائن بالاشارات والاجهزة
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة :
15095
تـاريخ التسجيـل :
Jun 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات :
2,222 [
+
]
آخــر تواجــــــــد :
()
عدد الـــنقــــــاط :
10
قوة التـرشيــــح :
مقدمـــة([1]):
تشكل المملكة العربية السعودية أكبر رقعة جغرافية في الجزيرة العربية، وتصل المساحة الإجمالية لها ما يقارب 2.150.000 كم2. وينحصر موقعها الفلكي تقريباً بين خطي طول 36 – 34 ْ و 256 ْ شرقاً ، وبين خطي عرض 16 ْ و 12 َ – 32 ْ شمالاً، أي أنها في النطاق المداري من جنوب غرب آسيا([2]) .
وقد أكسب المملكة موقعها الجغرافي هذا منذ فجر التاريخ موقعاً مهماً لتوسطه بين حضارات الصين والهند والحبشة وجنوب الجزيرة وساحل الخليج العربي والبحر الأحمر، والعراق والشام ومصر، ولذلك فإن أطول امتداد لطرق التجارة البرية والبحرية يمر ضمن النطاق الجغرافي للمملكة. وقد شهدت أرض المملكة بوادر الاستيطان البشرية منذ العصور الحجرية وتطورت وازدهرت المراكز الحضارية فيها على مر العصور.
وقد أثبتت الدراسات أن شرق الجزيرة العربية قد أسهم مساهمة فعالة في قيام الحضارات الأولى للإنسان، حيث عثر على مواقع عدة في المنطقة الشرقية من المملكة تدل على ذلك([3]) ، وفي شمال الجزيرة العربية نجد أن منطقة تيماء على سبيل المثال كانت تعد من أهم المراكز التجارية([4])، وقد أظهرت نتائج المسوحات والتنقيبات الأثرية في معظم مناطق المملكة دلائل مادية من الحضارات القديمة ، وذلك من خلال الأدوات والمصنوعات المختلفة من أوانٍ فخارية ، وحلى نسائية ، ونقوش ، وكتابات ، ورسوم صخرية ، ومواقع أثرية ، ومبانٍ ثابتة من قصور وقلاع وحصون وسدود وآبار وعيون وقنوات وغير ذلك من المخلفات الأثرية المكتشفة على طرق التجارة والحج مثل المسكوكات التي كانت متداولة في فترات تعود إلى ما قبل الإسلام وخلال العصور الإسلامية([5])، وتشير الدلائل أن المملكة العربية السعودية غنية بالآثار الغارقة في الخليج العربي والبحر الأحمر.
ويوضح البيان التالي التسلسل الزمني للحضارات القديمة وتوزيعها الجغرافي المعروفة لنا حتى الآن:
التسلسل الزمني للحضارات القديمة للمملكة العربية السعودية:
1 – العصور الحجرية:
أ – عصر الألدوان ـ ويعود تاريخه لأكثر من مليون سنة قبل الوقت الحاضر.
وتوجد أدواته في كل من الشويحطية قرب سكاكا بالجوف ، وفي منطقة نجران.
ب – العصر الحجري القديم: – العصر الحجري (الأشولي) ويؤرخ بحوالي مليون – 80.000 سنة قبل الوقت الحاضر وتوجد أدواته في كل من قرية صفاقة بالدوادمي، وفي وادي فاطمة بمحافظة جدة، ومنطقة نجران، ومنطقة العلا.
العصر الحجري القديم الأوسط (الموستيري) ويؤرخ في الفترة 800.000 – 40.000 سنة قبل الوقت الحاضر، وتوجد أدواته في معظم أنحاء المملكة خاصة منها وادي فاطمة بمحافظة جدة ، ونجران ، والعلا.
العصر الحجري القديم الأعلى: 40.000 سنة – 10.000 سنة قبل الوقت الحاضر، وتوجد أدواته في كل من تبوك ، وحائل ، ونجران . وغيرها.
ج – العصر الحجري الحديث: – 10.000 سنة– 6000سنة قبل الوقت الحاضر وتنتشر أدواته في كل أنحاء المملكة العربية السعودية وخاصة منطقة الرياض (الثمامة) ، وكلوة بمحافظة القريات.
2 – فترة حضارة العبيد: – 5000 سنة ق.م وتوجد هذه الحضارة في (المنطقة الشرقية) شرق المملكة العربية السعودية .
3 – فترة العصر الحديدي: – 1500 ق.م – 600 ق.م وتوجد هذه الحضارة في كل من تيماء ـ سهى ـ تاروت ـ قرية ـ مدافن الظهران.
4 – فترة الحضارة الهلنستية: – 300 ق.م – 23 ق.م وتوجد هذه الحضارة في شرق الجزيرة العربية (المنطقة الشرقية) ، ثاج ، الحناء في الأفلاج بالمنطقة الوسطى.
5 – فترة حضارة الممالك العربية : 200 ق.م – القرن الأول الميلادي، وتوجد هذه الحضارة في كل من قرية (الفاو) ، ونجران.
6 – فترة الحضارة النبطية: القرن الأول الميلادي – القرن الرابع الميلادي ، وتوجد هذه الحضارة في شمال غرب المملكة العربية السعودية (مدائن صالح) وشمال غرب تبوك ومنطقة الجوف.
7 – فترة الحضارة الساسانية: 200 م – حتى ظهور الإسلام، وتوجد هذه الحضارة في شرق المملكة العربية السعودية.
8 – الفترة الإسلامية:
أ– الفترة الأموية 41 – 132 هـ ، ونجد أمثلة لهذه الفترة في منطقة الحجاز وشمال المملكة العربية السعودية.
ب – الفترة العباسية 132 – 656 هـ ، ونجد أمثلة لهذه الفترة في مناطق عدة من المملكة خاصة على امتداد طرق الحج من العراق وفي منطقة الحجاز – العلا ـ عثّر ـ وعلى امتداد درب زبيدة ـ وموقع الرَّبذة بالقرب من المدينة المنورة.
ج – الفترة المملوكية: 648 – 922 هـ ونجد أمثلة من آثار هذه الفترة على امتداد طرق الحج من مصر والشام ، وفي الساحل الغربي ومنطقة الحجاز وعلى وجه الخصوص في بقايا القلاع والحصون والوثائق الوقفية والسجلات الكتاتبية على المنشآت الــخيرية.
د – الفترة العثمانية 680 – 1318هـ وتوجد هذه الفترة في كل من الحجاز ، المنطقة الشرقية ، المنطقة الوسطى ، المنطقة الشمالية.
هـ – الآثار المعمارية والتاريخية السعودية:
وهذه الفترة غنية بالآثار المعمارية والتاريخية وتتمثل في بقيايا المدن والمنشآت الزراعية والأسوار والأبراج والحصون والمساجد والآبار والمخطوطات والصناعات التراثية المختلفة ، وتعود تواريخها إلى القرن العاشر الهجري ، وتنتشر هذه الآثار في مختلف مناطق المملكة.
2 – الآثار وأهميتها مصدراً من مصادر تاريخ البلاد:
مما تقدم يتبين أن المملكة العربية السعودية تحتفظ في مختلف أنحائها بممتلكات ثقافية وتاريخية عميقة الجذور يتضح فيها التنوع باختلاف البيئة الجغرافية وصلتها بالمراكز الحضارية المجاورة لها، كما أن الأمثلة المكتشفة حتى الآن توضح المستوى الثقافي والحضاري للأمم والشعوب التي عاشت على أرض المملكة، وتؤكد أيضاً على قوة تواصلها مع الحضارات الأخرى.
والآثار الثابتة والمنقولة والآثار الثقافية المكتوبة تؤكد أنها مصدر مهم من مصادر دراسة تاريخ البلاد، وقد أحست الدولة بأهمية هذا الموروث الثقافي منذ انطلاقة تأسيسها وتوحيدها على يد القائد المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله ، ويأتي اهتمام الدولة بالآثار والمحافظة عليها إيماناً منها بأن المملكة أرض الحضارات ومهد الرسالات، كان آخرها رسالة الإسلام التي بعث بها نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم والتي ستبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وهناك حضارات سادت ثم بادت ، وبقيت أسرارها قابعة في باطن الأرض وفي قمم الجبال والمغارات والكهوف وعلى ضفاف الأودية والسواحل وفي الجزر، تنتظر العلماء والدارسين والباحثين المختصين بعلم الآثار وفروعه للتفتيش والتنقيب عنها.
والآثار تدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى في تدبيره لشؤون الخلق والأمم والشعوب، والقرآن الكريم يحدثنا عن أمم وشعوب كثيرة وأحداث وعبر وحروب وأنبياء ورسل وأصحاب الأيكة وفرعون ذي الأوتاد وذي القرنين وقوم تبع وسبأ وأصحاب الرس وثمود، وغير ذلك من أخبار الأولين، وحدثنا القرآن الكريم عن أمور كثيرة مرتبطة بتاريخ أمتنا الإسلامية بدءاً بنزول الوحي على خاتم الأنبياء والمرسلين في غار حراء بمكة المكرمة، وما واجهه المسلمون من محن وشدائد. والشواهد القرآنية كثيرة في هذا الشأن، منها الهجرة النبوية الشريفة ومعارك المسلمين الحاسمة، كبدر وأحد والخندق وحنين وغير ذلك من الأمثلة القرآنية التي لا تزال آثارها ومعالمها الجغرافية والتاريخية والعمرانية باقية حتى اليوم على أرض المملكة العربية السعودية وما جاورها من البلدان.
قال تعالى: { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}[النحل – 52].
وقال تعالى: { كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ } [الدخان: 25 – 28].
وحثنا القرآن الكريم على التدبر والسير في الأرض. قال تعالى: { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [الروم: آية 9] ([6]) .
ولهذا ومن منطلق رؤية علمية بالآثار وأهميتها التاريخية والحضارية فقد أولت الدولة عناية خاصة بها حسب ما سنوضحه فيما بعد:
3 – رحلات الأوروبيين والعرب إلى المملكة العربية السعودية:
أ – الرحالة الأوروبيون :
شهدت الجزيرة العربية مجيء عدد من الرحالة الأوروبيين منذ القرن الخامس عشر الميلادي وذلك مع بدايات ظهور الإمبراطوريات الغربية والصراع فيما بينها بهدف الاحتلال والسيطرة على أجزاء من العالم الإسلامي في أفريقيا وآسيا ، والسيطرة على الممرات المائية الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي وجزر المحيط الهندي بغرض تأمين الحاميات البحرية وقوافل التجارة، ومن تلك القوى البرتغالييون والهولنديون والفرنسيون والبريطانيون.
وقد تنوعت أهداف الرحالة الغربيين، الذين وجدوا الدعم والتشجيع من دولهم، فمنهم من جاء لهدف تبشيري، ومنهم لأغراض سياسية واقتصادية ، ومنهم من جاء لأهداف علمية وحب المغامرة والاكتشاف، ويمكن ذكر بعض أهم الرحالة الأوربيين على النحو الآتي:
– لودوفيكو فارتيما (Ludovico Varthema)
وكان من أوائل الرحالة الذين زاروا الجزيرة العربية حيث تمكن عام 1502 م من مرافقة قافلة للحج كواحد من الجنود الأتراك، ودخل مكة وبعدها وصل إلى جدة التي غادرها إلى عدن مروراً بجازان وانتهت به الرحلة عودة إلى روما بين 1508 و 1509 م([7]).
– كارستين نيبور: (Carsten Niebuhr)
دانماركي الأصل، أرسله ملك الدانمارك عام 1761م ضمن بعثة علمية عدد أفرادها ستة، حددت لكل منهم مهمة محددة، كان نيبور بصفته مختصاً بالرياضيات والفلك هو رسام ومساح هذه البعثة العلمية، وبعد ثمانية عشر شهراً من مغادرتها كوبنهاجن وصلت البعثة إلى مصر ومكثوا فيها عاماً تجولوا خلالها في أنحاء من مصر وشبه جزيرة سيناء.
ومن السويس غادرت البعثة إلى جدة وبقوا فيها ستة أشهر ، وبعدها غادرت إلى ميناء اللحيَّة في 29 ديسمبر 1726 م، وتجول أفراد البعثة في أجزاء من اليمن شاهدوا فيها حياة الناس وأساليب معيشتهم، وتجولوا في بعض القرى والمدن اليمنية مثل بيت الفقيه وتعز وتريم وصنعاء.
غادرت البعثة ميناء المخا إلى الهند بعد أن توفي أثنان من أفرادها في اليمن ، وتوفي اثنان آخران قبل وصولهما للهند ، وتوفي طبيب البعثة في بومباي، وبقي نيبور علي قيد الحياة حيث واصل رحلته إلى فارس والعراق وفلسطين والشام وفي طريقه، عرج نيبور على سواحل الخليج ووصف بعض مدنها وجزرها والأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية فيها مثل مسقط والأحساء والقطيف والبحرين ، وفي البصرة سمع نيبور عن الدعوة الإصلاحية في نجد وكان تصوره عنها أنها تستهدف العودة إلى بساطة الإسلام الأولى ونبذ كل ما أدخل على العقيدة من مديح وشعائر وتخريف ، وكانت نظرة نيبور للحركة الإصلاحية هذه أنها محاولة لتوحيد نجد والقضاء على التمزق القبلي السائد فيها ، وتوقع لها أنها ستلعب دوراً مهماً في مستقبل شبه الجزيرة العربية.
عاد نيبور إلى كوبنهاجن في شهر نوفمبر 1767م وبقى فيها حتى توفي عام 1815 م عن عمر يناهز الثمانين.
حقاً لقد تركت لنا رحلة نيبور سجلاً حافلاً بالمعلومات عن الجزيرة العربية وعن أحوالها الاجتماعية والاقتصادية، وكان نيبور أول من اطلع على جوانب حضارية وثقافية وتراثية من أهمها ذكر لبعض الكتابات والنقوش القديمة، وترك لنا بعض الخرائط الجغرافية التي رسمها، منها خارطة بلاد اليمن التي بقيت مستخدمة حتى فترة من الزمن ، لقد أذكت رحلة نيبور حماس الرحالة والمستشرقين الأوربيين لإجراء المزيد من المغامرات والرحلات الاستكشافية لبلاد العرب([8]).
– دومنغوباديالبليش– علي بيك العباسي
Ali Bey el–Abbassi)
وهو عالم أسباني ادعى اعتناق الإسلام وسمى نفسه علي بيك العباسي، ويعد من أشهر الرحالة الأوروبيين الذين زاروا منطقة الحجاز. فقد وصل إلى جدة عام 1807م قادماً من طنجة مروراً بطرابلس وقبرص والقاهرة ، تمكن على بيك العباسي من الإقامة في مكة، وفي ذلك العام قام بأداء مناسك الحج وزار المدينة المنورة ، وحدد الموقع الجغرافي والاستراتيجي لمكة بكل دقة ، كما أنه وصف الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الحجاز وعلى وجه الخصوص مكة المكرمة([9]).
ومما يسترعي الانتباه هو الانطباعات التي سجلها عن جيش الإمام سعود بن عبدالعزيز بمكة المكرمة عام 1221هـ/1807م ويصف أخلاق جيش الإمام ، وأنهم يتحملون صامتين كل أنواع المشاق ، ويتمتعون بخصال حميدة ، ويؤدون أثمان كل مايشترونه وأجور الخدمات التي تقدم لهم بالعملة التي لديهم ، ويقول: أنه وجد جميع الوهابيين الذين تحدث إليهم على جانب من التعقل والاعتدال ، وأنهم طبقوا نصوص الشريعة كما وردت في القرآن الكريم ، وأن الناس التزموا بتعاليم الإسلام والمحافظة على الصلوات في أوقاتها([10]).
– أولريخ جاسبار سيتزن: (Ulrich Jasper Seetzen)
ألماني ال***** ورحالة مغامر قام بجولات في أنحاء الشام ووصل إلى حدود الجزيرة، وفي عام 1809هـ اعتنق الإسلام وسمى نفسه (الحاج موسى) ، وتظاهر بالتقوى حتى لا يتهم بالجاسوسية، وتمكن من مرافقة قافلة للحج غادرت القاهرة إلى مكة مروراً بينبع، ولم يتمكن من زيارة مدائن صالح، ولكنه وصف مكة والحج واستطاع أيضاً زيارة المدينة المنورة. وكان سيتزن يسجل مشاهداته وانطباعاته عن المناطق التي يزورها ، ويبعث بها في رسائل إلى أحد أصدقائه ويدعى (فون زاخ). ومن خلال رسائله تلك عرفت رحلة ستيزن.
وفي مارس من عام 1810م غادر سيتزن جدة بحراً إلى الحديدة ، وتجول في مناطق عدة من اليمن يسجل المواقع الأثرية ومواقع الكتابات والنقوش ، ولم يكتب لرحلته أن تكتمل فقد لقى حتفه في تعز، في ديسمبر من عام 1181م. ويعد ستيزن أول من عرَّف أوربا بالكتابة الأثرية الحميرية([11]).
– يوهن لودفيك بوركهارت: (Johann Ludwig Burckhardt)
قام الرحالة يوهن بوركهارت برحلات استكشافية إلى أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وعاش متنقلاً ومتجولاً ودارساً لحياة البدو الرحل حيث عاش معهم أياماً طوالاً وكتب عنهم وعن حياتهم، وهو سويسري ال***** وتسمى باسم الشيخ إبراهيم عبدالله الشامي.
تحدث بوركهارت عن حياة الأنباط وعن تاريخهم ، وقام بزيارة إلى مكة المكرمة عام 1814م انطلاقاً من ميناء سواكن إلى مدينة جدة ثم أتجه إلى الطائف، وأدى فريضة الحج وقام بزيارة قصيرة للمدينة المنورة ، وتحدث عن رحلته إلى مكة قائلاً بأنها من أحلى أيام حياته التي لا ينساها ، حيث وصف سكان مدينة مكة المكرمة بالنباهة والذكاء والشجاعة وحسن الضيافة والإستقبال ، كما تحدث عن الجو الروحاني خلال فترة صيام شهر رمضان المبارك في الأماكن المقدسة ، وقدم وصفاً دقيقاً للمسجد الحرام وكيفية أداء نسك الحج ، وقد وافق وجود بوركهارت في الحجاز فترة الحملات العسكرية التي كان يقودها محمد علي باشا على المنطقة ، وبعد مغادرة بوركهارت الحجاز بسنتين وافته المنية في القاهرة في 15 أكتوبر 1815م، وترك لنا سجلاً حافلاً بالمعلومات التاريخية والاجتماعية والسياسية([12]).
– جورج أوغسط والن: (Georg August Wallin)
فنلندي المولد عام 1811م، قام بتكليف من محمد علي بزيارة إلى كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة مرتين وتجول في منطقة النفوذ وحائل وشاطئ المويلح ، وزار أيضاً أرض مدين وتبوك وتيماء ومدينة حائل والجوف ، وقدم معلومات تاريخية وأثرية عن الأوضاع السياسية والاجتماعية عن تلك المناطق التي قام بزيارتها، وتعتبر المعلومات التي جمعها من أهم المعلومات التاريخية والأثرية التي تحدثت عن تلك المواقع([13]).
– ريتشارد بيرتون: (Richard Francis Burton)
بريطاني ال*****، استطاع بعد رحلة شاقة أن يصل إلى المدينة المنورة في 25 يوليو عام 1853م. حيث غادر السويس بحراً إلى ينبع ، ومن المدينة غادر إلى مكة المكرمة مستخدماً طريق الحج الشرقي ، وتمكن من أداء نسك الحج ومشاهدة المشاعر المقدسة للتعرف على الأحوال الاجتماعية والاقتصادية، وبعدها غادر الحجاز متوجهاً إلى مصر. وبعد مغامرات ورحلات استشكافية متعددة في أفريقيا عاد بيرتون إلى الجزيرة العربية في 19 ديسمبر 1877م بعد ربع قرن من زيارته الأولى، وفي هذه المرة تجول في شمال غرب الحجاز بدعم وتمويل من الخديوي اسماعيل للبحث عن الذهب في المناجم القديمة في أرض مدين القديمة لتعزيز الخزائن المصرية، غير أن البعثة التي كان يرأسها لم تظفر بشيء وعادت خالية الوفاض اللهم إلا عينات من الصخور التي جمعوها من ثمانية عشر موقعاً بلغت خمسة وعشرين طناً من العينات ليس فيها كما يُذْكَر قطعة واحدة من الذهب ، لكن الرحلة الأخيرة هذه عرَّفْته على الجانب الأثري والحضاري للمنطقة ، وعلى أي حال فإن كتابات بيرتون عن مشاهداته في الحجاز وفي مدين تعد من المصادر التاريخية المهمة([14]).
– تشارلز داوتي : (Charles Montagu Doughty)
رحالة بريطاني ال*****، ومستكشف ماهر ، وعارف باللغات ، وصل إلى القاهرة ومنها غادر إلى صحراء سيناء عام 1875م حتى وصل البتراء؛ وهناك سمع عن مدائن صالح ، تنكر داوتي في زي رجل سوري واستطاع زيارة المنطقة الشمالية ، وقام بجمع مجموعة كبيرة من النقوش الشمالية المنتشرة على الجبال الواقعة في كل من تيماء ومدائن صالح والعلا.
وزار مدينة حائل واستقبل فيها استقبالاً حافلاً وأُكْرِمَ ، ووعده أميرها محمد بن رشيد بأنه سيصبح له شأن كبير إذا هو دخل في الدين الإسلامي، بعد ذلك ذهب إلى خيبر ، ومنها اتجه إلى عنيزة ، ثم قام بمرافقة قافلة متجهة إلى الحجاز ولم يتمكن من دخول مكة وكاد أن يُقْتَل في مكة بسبب عدم نطقه للشهادة، وقد أنقذ وغادر إلى الطائف بصحبة خادم شريف مكة ، وبعد حوالي عشر سنوات من مغادرته الجزيرة العربية ظهر كتابه المشهور (الصحراء العربية) الذي يعد أحد أبرز المراجع الأجنبية التي سجلت معلومات عن آثار المنطقة وجوانب من معالمها الجغرافية والاجتماعية([15]).
– كريستيان سنوك : (Cristian Snouck Huggrnje)
الرحالة كريستيان سنوك هورخرونيه هولندي ال*****، أعلن إسلامه وسمى نفسه عبد الغفار، وتحدثت كتاباته ومؤلفاته عن المشاهدات التاريخية في منطقة البحر الأحمر ومكة المكرمة، حيث زار مكة المكرمة ومكث فيها ستة أشهر ونصف، ودرس أحوالها ومسالكها وعادات وتقاليد المجتمع فيها ، وقد ألف كتاباً في مجلدين سماه (مكة في أواخر القرن التاسع عشر) تناول فيه الموقع الجغرافي لمكة المكرمة وتاريخها منذ فجر الإسلام وحتى فترة المؤلف، شاملاً مشاهداته وانطباعاته عن الحياة في مكة بمختلف أوجهها ، ومما زاد من أهمية الكتاب اشتماله علي صور فوتوغرافية نادرة لمكة المكرمة والحرم الشريف وعادات وتقاليد المجتمع المكي ، حيث تعد هذه الصور مصدراً تاريخياً مهماً للدارسين والباحثين ، توفي سنوك في 4 يوليو 1936م /1355هـ ([16]) .
– تشارلز هوبر: (Charles Huber)
رحالة فرنسي، تجول في مناطق عدة من شمال المملكة، شملت منطقة حائل وأجزاء من منطقة نجد وسار على درب زبيدة قاطعاً النفوذ الكبير مروراً بجدة ، لقى مصرعه في ينبع سنة 1884م، ونشرت مذكراته بواسطة الجمعية الجغرافية الفرنسية في باريس باسم: (رحلة في الجزيرة العربية) وذلك في عام 1891م ، تتميز كتابات هوبر بأنها تشتمل على دراسات جرافية دقيقة ، وذِكْرٍ لمسارات الدروب والمعالم الباقية عليها، وتمكن أيضاً من جمع نقوش وكتابات كثيرة ، واشتهر هوبر كذلك بحصوله على حجر تيماء الشهير المعروض حالياً في متحف اللوفر بباريس([17]).
– جوسين وسافينياك
A. Jaussen and F. Savignaic)
باحثان فرنسيان كانا من آباء الدومينكان ومن أساتذة الكتاب المقدس بالقدس، قاما بزيارة المنطقة الشمالية من المملكة في عام 1907م وكذلك في عامي 1909، 1910م. وأبرز ما قاما به توثيق النقوش والآثار المعمارية في كل من مدائن صالح والعلا، وتعد دراساتهما تلك من أوفى وأشمل ما كتب عن هذه المنطقة لاشتمالها على خرائط ورسوم وصور فوتوغرافية، نشرت رحلتهما في سجل كبير في باريس عام 1914م([18]).
– عبد الله فيلبي : (St. John Philby)
سانت جون فيلبي، إنجليزي ال*****، عالم نبات ودارس للسياسة ورحالة مميز، قدر له أن يلتقي بالملك عبد العزيز إبَّان بداية توحيد المملكة وعمل لديه مستشاراً غير رسمي. أسلم وعرف فيما بعد باسم عبد الله فيلبي.
شارك فيلبي في مؤتمرات عدة ولجان ومعاهدات على النطاق السعودي والعربي والدولي، وقد كان محباً للملك عبد العزيز الذي قال فيه: " إن الملك عبدالعزيز كان عطوفاً على أهل العلم والفكر ، مكرماً لهم حتى ولو كانوا من جنسيات غير عربية ". وبدعم ومؤازرة من الملك عبد العزيز قام فيلبي برحلات استكشافية كثيرة للمواقع التاريخية والأثرية في مختلف أرجاء الجزيرة العربية، واستطاع اجتياز الربع الخالي إلى حضرموت ، له مؤلفات عديدة عن تاريخ المملكة العربية السعودية تعد من أهم ما كتب وعلى وجه الخصوص الفترة التي شاهدها وعاشها فيلبي بنفسه بحكم قربه من الملك عبد العزيز، كما أن مقالاته وكتاباته في الآثار تعد من المصادر المهمة في هذا الجانب لاشتمالها على معلومات دقيقة عن المواقع الأثرية والكتابات والنقوش، توفي فيلبي في شهر سبتمبر من عام 1960م ، وترك انتاجاً علمياً وافراً لا زال يحظى باهتمامات العلماء والدارسين على نطاق واسع([19]).
ب – رحلات العرب :
لم تكن للعرب في العصور التي واكبت ظهور الدولة السعودية جهود تذكر مقارنة بالرحلات التي قام بها المستشرقون ومحبي المغامرات الاستكشافية، ومع ذلك فإن هناك عدداً محدوداً جداً من العرب الذين تهيأت لهم فرصة زيارة الجزيرة العربية إما للحج أو للالتقاء بالملك عبد العزيز أو ممن قدر له أن يعمل معه. وكتابات هؤلاء قد لا يكون لها صلة مباشرة بالآثار والتراث ولكنها تضمنت معلومات عن أوضاع البلاد بصفة عامة، من الناحية الاجتماعية وأساليب المعيشة والأوضاع الاقتصادية والثقاقية والعلمية التي كانت عليها، ومنهم من أشار إلى بعض الشواهد الأثرية التي وقعت عينه عليها، ومنهم من تركزت كتاباته عن الحجاز والحرمين الشريفين ، ولعلنا نشير إلى بعض هؤلاء على النحو التالي:
– إبراهيم رفعت باشا:
رئيس حرس المحمل المصري عام 1318هـ/1901م وأميراً للحج سنة 1320هـ /1903م، وكان أيضاً أميراً للحج المصري سنة 1321هـ /1904م، وسنة 1325هـ /1908م . وخلال حجاته الأربع دَون إبراهيم رفعت مشاهداته وانطباعاته عن طرق الحج التي سلكتها قافلة الحج المصري وأوضاع مكة والمدينة وجدة وحالة الناس بمنطقة الحجاز، ووضع وصفاً دقيقاً للكعبة والمسجد الحرام والمشاعر المقدسة والمسجد النبوي الشريف، كما سجل معلومات مهمة عن الآثار الإسلامية الباقية في الحجاز وخاصة في المدينتين المقدستين والمعالم الجغرافية المأثورة فيهما، وجاءت رحلته مسجلة في كتاب كبير من جزئين ، وقد زود مؤلفه هذا بصور فوتوغرافية التقطها المؤلف نفسه بعد أن تعلم وأتقن حرفــــة التصوير ، فجاءت الصور خير معين على توثيــق الأوضاع السائـــدة في الحجاز في ذلك الوقت، كما تضمن الكتاب خرائط ورسومات شكلت في مجموعهــا سفراً مهماً عن منطقة الحجاز والمدينتين المقدستين، صدرت الطبعة الأولى من الكتاب سنة 1344هـ /1925م ([20]).
– محمد لبيب البتنوني:
كاتب وأديب مصري اشتغل بالأدب والتاريخ، له كتاب "الرحلة الحجازية" ألفه عندما حج بمعية الخديوي عباس باشا حلمي سنة 1327هـ، فقد وصل الخديوي توفيق إلى ميناء جدة في غرة ذي الحجة 1327هـ /15 ديسمبر 1909م، وعاد إلى مصر من المدينة المنورة بالقطار إلى تبوك في 15 يناير 1910م / شهر محرم 1328هـ ومنها إلى حيفاء ومن ثم إلى الإسكندرية بحراً والتي وصلها في 24 يناير 1910م. ويتميز هذا الكتاب بأن مؤلفه البتنوني وثَّق لفترة مهمة عندما كان تأسيس المملكة وتوحيد أجزائها في مراحلها الأولى، وتركزت مادة الكتاب على الحرمين الشريفين وشعائر الحج وأحكامه والطرق التي سلكتها قافلة الحج المصري برًا وبحرًا، ووصف المدن التي شاهدها مثل جدة ومكة والمدينة المنورة والمنازل على الطرق ووصف الحرم المكي والكعبة الشريفة والمسجد النبوي والأماكن المأثورة والتاريخية والمرافق والخدمات المتوفرة في المدينتين المقدستين من مدارس وأربطة وتكايا وأسواق وغيرها...
كما تضمنت رحتله هذه خلفية تاريخية وجغرافية عن الجزيرة العربية قبل الإسلام وعلى وجه الخصوص مكة المكرمة. وقد وثق البتنوني ما سجله في الرحلة الحجازية بالصور والرسوم والخرائط، فجاءت مادة الكتاب شاملة لمعلومات قيمة عن هذه الفترة التاريخية([21]).
– الأمير شكيب أرسلان: (1286هـ – 1366هـ / 1869م – 1946م )
أديب ومؤرخ سياسي مشهور، وله إسهامات جليلة معروفة، حج عام 1348هـ وتجول في الطائف والمعالم الجغرافية والتاريخية حولها، واجتمع مع الملك عبد العزيز في زيارته تلك في جدة ورافق جلالته في عربته الخاصة إلى مكة المكرمة – كما اجتمع مع الملك فيصل بن عبد العزيز نائب جلالة الملك في الحجاز.
كتب الأمير شكيب أرسلان عن رحلته تلك كتاباً يعد تحفة أدبية وجغرافية وتاريخية، مزج مشاهداته في الحجاز– خاصة في مكة والطائف– بمعلومات تاريخية عن ماضي الحجاز في العهود الإسلامية الأولى. وتضمن كتابه الذي طبع بعد عامين من رحلته بعنوان: " الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف " معلومات جغرافية عن أنحاء متفرقة من الجزيرة العربية خاصة المناطق التابعة لسيادة الدولة السعودية، ووصف طرق الحج وجهود المسلمين في عمارتها، وكتب عن المعالم التاريخية والأثرية التي شاهدها وأبدى ملاحظات وأفكار هادفة عن المشاعر المقدسة والحجاز بصفة عامة .
ومما قاله الأمير شكيب أرسلان عندما وطئت قدمه رصيف جدة: " إني عربي حر في بلاد عربية حرة – شعرت أني حر في بلادي وبين أبناء جلدتي – شعرت أن رئيسي هنا هو ابن جلدتي الذي يغار عليّ كما أغار على نفسي..." ثم شاهدت جلالة ملك هذه الديار وخادم الحرمين الشريفين عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود وكان في جدة ذلك اليوم، فوجدت فيه الملك الأشم الأصيد، الذي تلوح سيماء البطولة على وجهه والعاهل الصنديد الأنجد الذي كأنما قد ثوب استقلال العرب الحقيقي على قده فحمدت الله علي أن عين رأسي فوق ما أذني سمعت وتفاءلت خيراً في مستقبل هذه الأمة"([22]).
حقاً إن كتاب الأمير شكيب أرسلان يعد مصدراً مهماً من المصادر التاريخية والحضارية عن حقبة مهمة من مسيرة بناء المملكة العربية السعودية والتي وضع أسسها وثبت أركانها الملك عبد العزيز رحمه الله.
انتقل شكيب أرسلان إلى رحمة الله في بيروت في 9 ديسمبر 1946م /1366هـ عن عمر يناهز السابعة والسبعين .
– محمد حسين هيكل : (1305 – 1376هـ / 1888 – 1956م)
كاتب ومؤرخ وأديب مشهور ، زار الحجاز للحج منطلقاً بالباخرة من السويس في 25 فبراير 1936م /1355هـ وأدى مناسك الحج في ذلك العام ، وقابل الملك عبدالعزيز وتحدث إليه في أكثر من مناسبة ، وتجول محمد حسين هيكل في مكة وشاهد معالمها التاريخية والجغرافية المأثورة في التاريخ الإسلامي، وانتقل إلى الطائف وتقصى بعض المعالم المشهورة فيها والآثار الإسلامية المبكرة، كما زار المدينة المنورة وتجول فيها وفي المناطق المحيطة بها وشاهد كثيراً من آثارها ومعالمها الجغرافية المشهورة.
وفي 11 محرم 1356هـ/ 13 أبريل 1936م غادر هيكل المدينة المنورة إلى ينبع (مروراً ببدر) ، ومنها على ظهر الباخرة (زمزم) إلى السويس التي وصلها في 12 أبريل بعد توقف لمدة ثلاثة أيام في الطور لزوم الحجر الصحي.
أثمرت رحلة محمد حسين هيكل هذه في تأليف كتاب بعنوان "في منزل الوحي" سجل فيه المؤلف بأسلوب أدبي راق مشاهداته وانطباعاته عن الحرمين الشريفين ، ولمس بدايات إرساء دعائم الدولة على يد الملك عبد العزيز رحمه الله.
كما قابل في هذه الرحلة عدداً من المسؤولين في الدولة والوجهاء والأعيان والأدباء والمفكرين وجلس مع عبد الله فيلبي وعبد القدوس الأنصاري وغيرهما وأستأنس بآرائهم عن تاريخ وتراث المملكة العربية السعودية.
ويعد كتاب "في منزل الوحي" بحق تحفة أدبية وتاريخية رائعة في أدب الرحلات، وكان هيكل قبل رحلته هذه قد اطلع على كتابات بعض الرحالة الغربيين والمؤلفات التاريخية والأدبية القديمة عن الحرمين الشريفين والجزيرة العربية.
ولهذا جاء كتابه ثرياً بالمعلومات عن ماضي البلاد وحاضرها وتطلعاتها للمستقبل، والأمن الوارف الذي مد ظلاله في ربوع رقعتها الجغرافية الكبيرة ، والذي لم تشهده أرض العرب منذ قرون([23]).
4 – الرحالة والمؤرخون السعوديون وإسهاماتهم في التعريف بآثار المملكة وحضارتها
شهدت المملكة العربية السعودية مع البدايات الأولى لتأسيسها إسهامات عدد من الرحالة والمؤرخين السعوديين ممن عايشوا حركة تأسيس الدولة الحديثة على يد مؤسسها الملك عبد العزيز رحمه الله ومن أبرز هؤلاء الشيخ محمد بن بليهد، عبد القدوس الأنصاري، حمد الجاسر، عبد الله بن خميس، محمد بن أحمد العقيلي، عاتق بن غيث البلادي، والعبودي وسعد بن جنيدل وغيرهم.
وجاءت إسهامات هؤلاء في مجال تحقيق المعالم والمواضع الجغرافية والتاريخية ومنازل القبائل الواردة في الشعر العربي القديم والمصادر التاريخية والجغرافية المبكرة وما له علاقة بأيام العرب والأحداث التي جرت في المناطق المختلفة من أرض المملكة.
ونجد فيما كتبوه معلومات وإشارات مفيدة تتعلق بالمواقع الأثرية البارزة أو المطمورة، ومواقع لوجود الرسوم الصخرية والكتابات والنقوش وغير ذلك مما له صلة بعلم الآثار ، ومن هذا المنطلق جاءت مؤلفاتهم خير معين للاستئناس بها في المسوحات الأثرية، وفيما يلي إشارة عاجلة عن بعضهم:
– الشيخ: محمد بن عبد الله بن بليهد (1310– 1377هـ / 1892 – 1957م)
عالم في الأدب والشعر، عمل في التجارة على ظهور الجمال ، وعرف جغرافية الجزيرة العربية ومعالمها الجغرافية والتاريخية ، ومنازل القبائل ، ومواقع القرى والهجر والمدن ، والطرق البرية ومسافاتها والمعالم الواقعة عليها، له ديوان شعري مطبوع أسماه "ابتسامات الأيام في انتصارات الإمام" وحقق كتاب "صفة جزيرة العرب للهمداني" ، ويعد كتابه "صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار" من أهم المؤلفات في التراث الجغرافي، ويتكون من جزئين تناول فيه الأماكن الواردة في الشعر العربي القديم وخاصة المعلقات العشر وما جاء في أشعار أصحاب تلك المعلقات وغيرهم من شعراء الجاهلية والإسلام([24]) .
وقبل وفاته رحمه الله أملى على ابنه (عبد الله بن بليهد) كتاباً أسماه: "ما تقارب سماعه وتباينت أمكنته وبقاعه"([25]).
ويعد انتاج ابن بليهد مادة مهمة وأنموذجاً مميزاً في الجغرافية الأدبية.
– عبد القدوس الأنصاري: ( 1324 – 1403هـ / 1905 – 1983م)
كاتب وأديب ومؤرخ وعاشق للتراث، تنبَّه منذ سن مبكرة لأهمية الآثار والتراث فكتب عنه مقالات نشرت في عدد من الصحف والمجلات، وألف عدداً من الكتب في نفس الموضوع. ويعد كتاب "آثار المدينة المنورة" الذي صدر عام 1353هـ / 1935م([26]) من أهم الكتب التي تسجل بشكل مباشر بعض المعالم التاريخية والأثرية بالمدينة المنورة، ومن مؤلفاته كتاب "تاريخ مدينة جدة" 1383هـ / 1963م ، وتاريخ العين العزيزية 1389هـ / 1969م، و"بين التاريخ والآثار 1389هـ / 1969 و"بنو سليم" 1391هـ / 1971م، و"طريق الهجرة النبوية" 1398هـ / 1978م .
ومن أهم إنجازاته رحمه الله إصداره مجلة "المنهل" عام 1357هـ / 1937م التي يجد الباحثون فيها عدداً وافراً من المقالات والتحقيقات والمشاهدات والانطباعات عن المواقع والمعالم التاريخية والأثرية والحضارية مما كان يكتبه عبد القدوس الأنصاري أو بأقلام غيره من الكتاب([27]) .
– حمد بن محمد الجاسر: (1328هـ / 1910م)
يعد الشيخ حمد بن محمد الجاسر أبرز العلماء والباحثين في اللغة والأدب والتحقيق والتأليف في عالمنا العربي، وله سمعة عالمية لدى العلماء المتخصصين في الدراسات العربية في مختلف جامعات العالم، ويعد العلامة حمد الجاسر أيضاً أنه أقرب العلماء إلى كل دارس وباحث في حقل التاريخ والتراث والأدب في الجزيرة العربية بسبب عمله الطويل في هذا الميدان، وكان لرحلات حمد الجاسر في مختلف أرجاء الجزيرة العربية خير معين لشحذ همم الدارسين في مجال الآثار ، كما أن اطلاع الشيخ الجاسر على مؤلفات المستشرقين والرحالة الأوربيين وكتاباتهم ما يجعله يمعن النظر في إنتاجهم ويتتبع ما كتبوه عن جزيرة العرب مؤيداً ما صح منها ومصححاً مغالطاتهم وموضحاً ما غفلوا عنه. ومن أهم إسهامات الشيخ حمد الجاسر هو تحقيقه للتراث الجغرافي ورحلات الحج، فجاءت تعليقاته على تلك المصادر مصدراً من مصادر البحث العلمي لا تقل أهميته عن المصادر الأصلية.
وجاء إصداره لمجلة العرب في شهر رجب 1386هـ/أكتوبر 1966م مناسبة عظيمة لفتح أفق جديد في التواصل العلمي وإمداد الباحثين والدارسين بالأخبار والتحقيقات والدراسات الجديدة في مجال الأدب والتراث الجغرافي([28])، ومن أهم المؤلفات والتحقيقات التي أفاد منها طلاب العلم والباحثين في الآثار والتاريخ نورد منها الآتي:
– مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ، 1386هـ / 1966م .
– البرق اليماني في الفتح العثماني، لقطب الدين محمد بن أحمد النهر والي المكي، 1387هـ / 1967م .
– المغانم المطابة في معالم طابه للفيروزآبادي، 1389خـ / 1969م .
– رسائل في تاريخ المدينة المنورة، 1392هـ / 1972م .
– في سراة غامد وزهران، 1397هـ / 1977م .
– المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية، 1397هـ / 1977م .
– في شمال غرب المملكة، 1401هـ / 1981م .
– أبو علي الهجري وأبحاثه في تحديد المواضع، 1413هـ / 1992م .
– كتاب "المناسك" وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة للحربي، 1389هـ / 1969م .
– ابن عربي موطد الحكم الأموي في نجد، 1414هـ / 1993م .
وهناك عشرات من المؤلفات والتحقيقات الأدبية والتاريخية والمقالات والتعقيبات التي كتبها الشيخ الجاسر لا يتسع المجال لذكرها([29]) .
– محمد بن أحمد العقيلي: 1336هـ / 1917م
الشيخ محمد بن أحمد العقيلي باحث ومحقق وأديب، ويعد من أبرز من أرَّخ لمنطقة جازان، وقدم للمكتبة العربية سلسلة من البحوث والدراسات ساعدت في إثراء البحث العلمي.
ومن أهم مؤلفاته في مجال التاريخ والجغرافيا كتاب المخلاف السليماني، صدر في ثلاثة أجزاء 1378 – 1381هـ / 1958م – 1961م . والمعجم الجغرافي لمنطقة جازان 1389هـ / 1969م، الآثار التاريخية في منطقة جازان 1400هـ / 1980م وغير ذلك من المؤلفات والكتب المحققة في الأدب والشعر وجميعها غنية بالتعليقات والإشارات للمواقع التاريخية والمعالم الحضارية في منطقة جازان([30]) .
– عبد الله بن خميس : (1339هـ / 1920م)
مغرم منذ صباه بالشعر العربي القديم والشعر العامي، والأدب، ومهتم بالتاريخ العربي والإسلامي وعلى وجه الخصوص التاريخ المحلي لمنطقة نجد، له إسهامات ومشاركات كثيرة في الكتابة والنشر وحضور الندوات والمؤثرات العلمية.
ومن أهم مؤلفات ابن خميس :
معجم اليمامة ـ جزءان، 1398هـ / 1978م ، وكتاب (المجاز بين اليمامة والحجاز 1402هـ / 1981م) والدرعية العاصمة الأولى 1402هـ / 1982م ومعجم جبال الجزيرة، وغير ذلك من الإنتاج الأدبي.
ويأتي انتاج ابن خميس أحد أبرز المصادر التي يعتمد عليها في الدراسات التاريخية والحضارية لمنطقة نجد وعلى وجه الخصوص منطقة الرياض ووادي حنيفة وما له صلة بتاريخ الدولة السعودية منذ تأسيسها(30).
– عاتق بن غيث البلادي: (1352هـ / 1933م)
يعد عاتق بن غيث البلادي أحد الباحثين والرحالة السعوديين الذين خصوا منطقة الحجاز بأعمال مميزة في تحقيق المعالم الجغرافية والمواضيع التاريخية المتصلة بالسيرة النبوية، وله انتاج أدبي وتاريخي وجغرافي غزير، ومن أهم أعماله: معجم معالم الحجاز، صدر في عشرة أجزاء عام 1398هـ / 1978م وفيه معلومات مهمة في الأدب الجغرافي والتاريخي وإشارات لعدد من المعالم والمواقع التاريخية. وكتاب بين مكة وحضرموت 1402هـ / 1982م، ومعالم مكة التاريخية والأثرية 1403هـ / 1983م) بين مكة واليمن 1404هـ / 1984م، أودية مكة 1405هـ / 1985م، وهناك مؤلفات أخرى ومشاركات أدبية منشورة في الصحف والمجلات.
وفي مجمل كتابات عاتق البلادي نجدها مزيجاً من التحقيقات الجغرافية الميدانية والانطباعات الشخصية، وربطها بالمصادر الأدبية والتاريخية، وجاءت خبرته بالقبائل وانتشارها في المناطق التي تجول فيها منسجمة في إطار أدبي جميل([31]).
هذه إلمامة عن أبرز الكتاب والرحالة السعوديين الذين ألفوا في جغرافية المملكة العربية السعودية وتراثها الثقافي، ولا يتسع المجال لذكر آخرين لهم إسهامات جليلة في هذا الباب مثل الشيخ محمد بن ناصر العبودي([32])، والشيخ سعد بن جنيدل([33])، وعلي ابن صالح السلوك الزهراني([34])، وعبد الله بن محمد الشايع([35]).
حقاً لقد أمدتنا كتابات الرعيل الأول من المؤرخين والرحالة السعوديين بمعلومات وفيرة وقيمة عن مواقع أثرية ومعالم تاريخية وحضارية ومناطق جغرافية لها صلة بتاريخنا العربي والإسلامي، وأصبح لدينا منهج تقليدي متبع في إعداد التقارير الأثرية وأعمال المسوحات الأثرية وهو أن يكون لدى الباحثين والدارسين إلمام بما كتبه هؤلاء.
5 – البدايات الأولى للبعثات الأجنبية :
مع بداية الخمسينات من هذا القرن شهدت أرض المملكة نشاطاً علمياً وأثرياً أجنبياً كان نواة لأعمال أخرى فيما بعد؛ وقد كان لشركة أرامكو في ذلك الوقت النصيب الأوفر في رصد المواقع الأثرية والمعالم الحضارية، أثناء القيام بالبحوث الجيولوجية للكشف عن حقول البترول ومد الأنابيب من منابع استخراج البترول من المنطقة الشرقية إلى موانئ التصدير على ساحل الخليج العربي أو عبر البلاد العربية إلى البحر المتوسط وفيما بعد الى البحر الأحمر، وكان للمسح الطبوغرافي والجيولوجي أثره في الكشف والاهتداء إلى مواقع أثرية عديدة ، مما دفع بعض العاملين في الشركة من المهتمين بالآثار بتسجيل وتوثيق بعض المعالم والمواقع الأثرية، وجمع عينات من تلك الآثار، فعلى سبيل المثال قامت السيدة مارني جولدنج قبل ثلاثين سنة بدراسة الملتقطات السطيحة التي عثر عليها في مستوطنات تعود لما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية([36])، كذلك اكتشف الجيولوجيون التابعون للشركة برئاسة سجير O.A.Seager ويرافقه عبدالله فيلبي موقع قرية الفاو ، حيث تم تحديد مكانها ، والكشف أيضاً عن مجموعة من النقوش السبئية التي تقع على الواجهات الصخرية بالقرب من الموقع وفي مواقع أخرى جنوب وادي الدواسر، إضافة إلى عثورهم على أدوات حجرية تعود إلى العصر الحجري الحديث ، وملتقطات أثرية من مواقع عديدة في المملكة العربية السعودية تعود لفترات مختلفة، وفي عام 1955م وضع مكليرMcClure خريطة للمواقع الأثرية في الجزيرة العربية ، وتعتبر هذه الخريطة الثانية بعد الخارطة التي وضعها هنري فيلدH.Field، وكان تركيز هذه الخريطة على المواقع التي تعود إلى ما قبل التاريخ إلى جانب هؤلاء يأتي كل من زيينر .E.Zeuner ، وسمبسون G.Simpson ، وسوردناس A.Sordinas، وأوفر ستربتW.Overstreet كل هؤلاء كانت أبحاثهم تدور حول العصور الحجرية القديمة عن طريق تصنيف الأدوات الحجرية وغيرها من المخلفات الأثرية التي عثروا عليها أثناء مسوحاتهم الجيولوجية ، كما أننا لا ننسى البعثات الأجنبية من قبل الجامعات والمعاهد الأكاديمية الغربية التي ساهمت ببعض الأعمال الأثرية خلال الخمسينات، ومن أهمها البعثة البلجيكية التي قام بها كل من ريكمانز G.Ryckmans ، وليبنزLippens وبمشاركة فيلبي Philby . وتركزت أعمال هذه البعثة في الكشف عن عدد من المواقع الأثرية في جنوب غرب المملكة خلال 1951 – 1952م ، كما أنها تمكنت من تسجيل وتصوير مجموعة كبيرة من الرسوم الصخرية والنقوش.
أما البعثـــة الدانماركية التي أشرف على أعمالها الجيولوجي جفري بيبي G.Bibby فقد قامت بأعمال مسح شملت مناطق واسعة تمتد من ثاج بالمنطقة الشرقية حتى قرية الفاو بوادي الدواسر([37]) .
وخـــلال عام 1962م و1967م قامت بعثة جامعـــة تورنتو الكنديــة برئاسة فردريك وينيت F.Winnet ومعه وليم ريد W.Reed بأعمال مسوحات أثرية في شمال المملكــة وشمالها الغربي، وتركز عملها في تسجيل الملتقطات السطحية من المواقع الأثريــــة من فخاريـــات وغيرها بالإضافة إلى تسجيل مجموعة من النقوش والكتابات القديمة([38]) .
أما بعثة معهد الآثار بجامعة لندن والمكونة من بيتربار P.Parr وجون دايتون J.Dayton ولانكستر هاردنج L.Harding فقد قامت برحلة آثارية علمية شملت مسح بعض المواقع الأثارية الواقعة في شمال غرب المملكة([39]) .
وبالرغم من محدودية عدد البعثات الأثرية الأجنبية في المملكة خلال هذه الفترة إلا أن النتائج العلمية التي تم التوصل إليها حققت الهدف في توضيح جوانب حضارية من تراث المملكة والحضارات التي قامت.
فالعدد الكبير من الرسوم الصخرية والكتابات والنقوش، والمواقع الأثرية، والمعالم الأثرية البارزة التي تم مشاهدتها والمتلقطات السطحية التي تم جمعها مكنت من توفير مادة علميَّة للدارسين والباحثين ، ومهدت الطريق أمام دراسات مستقبلة واسعة في المعاهد العلمية الغربية والشرقية وكذلك علي الصعيد المحلي.
6 – إنشاء إدارة الآثار:
شعرت الدولـــة منذ وقت مبكر بأهميـــة الآثار والمحافظــــة عليها، وبالرغم من أنه لم تكن هناك دراسات أثرية محلية أو تنظيم لإدارة شؤون الآثار فقد كانت وزارة الداخلية هي الجهة التي تلجأ إليها كافة أجهزة الدولة والأفراد لأخذ التراخيص الخاصة بزيارة المواقع الأثرية، وكانت الإمارات في مناطق المملكة المختلفة لا تسمح بالتجول على الآثار إلا بإذن رسمي، ولم يكن أي أحد بمقدوره التعدي على أي أثر كان سواء بالتخريب والتدمير أو بالاستيلاء على موقع أثري أو أخذ شيء منه.
وبعد دراسات ومداولات صدر قرار مجلس الـــوزراء رقم 26489 في 8/11/1383هـ بالموافقة من حيث المبدأ على إيجاد دائرة للآثار ترتبط بوزارة المعارف.
وجاء في حيثيات الموافقة السامية على إنشاء دائرة خاصة بالآثار أنه : "لما في ذلك من أهمية بالنسبة للآثار كتراث قومي خالد ، وكمنهل من مناهل العلم والمعرفة ، وكصلة بين الماضي والحاضر ، وكمصدر من مصادر تاريخنا وحضارتنا ، وكمورد من موارد الاقتصاد الوطني بجانب أنها متطلباً من متطلبات مواكبة ركب الحضارة وعجلة التقدم ومسايرة لبقية دول العالم التي أوجدت في أجهزتها الحكومية دوائر خاصة بالآثار".
ومن ذلك التاريخ بدأت إدارة الآثار ممارسة عملها في إحدى صالات معهد العاصمة النموذجية بالرياض، ثم انتقلت إلى مقر خاص بها، وتطورت الإدارة إلى مديرية عامة للآثار ثم وكالة مساعدة ، ثم وكالة ، ولا زالت الدراسات التطويرية تتوالى لتصبح هيئة عامة للآثار والمتاحف والتراث العمراني لتؤدي دورها دون عوائق إدارية ومالية.
7 – نظام الآثار:
بعد ما يقارب من عشرة أعوام من إنشاء إدارة الآثار صدر نظام الآثار بموجب المرسوم الملكي الصادر برقم م/26 في 23/6/1392هـ، وقد وضع النظام الأسس التشريعية لحماية الثروات الوطنية من آثار ثابتة ومنقولة، وكان الهدف الأسمى من إصدار هذا النظام هو المحافظة على الآثار والحد من الاتجار بها أو تصديرها أو التنقيب عنها بطرق غير شرعية إضافة إلى تحديد العقوبات المترتبة على مخالفة أي حكم من الأحكام الواردة في هذا النظام المستمد من الشريعة الإسلامية في تطبيق أحكامه كما صاحب النظام تشكيل مجلس أعلى للآثار برئاسة وزير المعارف، ويتكون أعضاؤه ممثلين لعدد من الجهات الحكومية، ومن مهامه رسم سياسة الآثار في المملكة، والنظر في كافة الموضوعات ذات الصلة بعمل الآثار، ويكون نظام الآثار من مجموعة من المواد موزعة على فصول مختلفة ، حيث جاء في الفصل الأول تعريفات وأحكام عامة موضحة كل مايتعلق بالآثار. كما وضح هذا الفصل أن الدولة تمتلك سائر الآثار الثابتة والمنقولة والغارقة والمواقع الأثرية، كما نصت إحدى مواد هذا الفصل على أن للدولة الحق في إجلاء الأفراد والهيئات الذين يشغلون أبنية تاريخية وأمكنة أثرية ، إضافة إلى عدم أحقية مالك الأرض بإجراء أي تغيير على الآثار الثابتة والمنقولة الموجودة على سطح أو في بطن الأرض التي يملكها، كما لا يجوز له إتلاف تلك الآثار أو تحويرها أو إلحاق الأذى بها، كما نصت آخر مادة في هذا الفصل على أهمية المحافظة على المناطق والمعالم الأثرية الموجودة في المدن والقرى ، وذلك عند العمل على توسيعها أو تجميلها ، وأخذ الموافقة من الجهة المشرفة على الآثار.
أما الفصل الثاني من النظام المتعلق بالآثار الثابتة فقد احتوى على مجموعة من المواد التي تعطي الجهة المشرفة على الآثار حق الإبقاء على المباني التاريخية المسجلة التي يملكها الأفراد ، وتكون تحت يد مالكيها والمنتفعين بها ، إضافة إلى ذلك حق الجهة المشرفة على امتلاك أي مبنى تاريخي أو منطقة أثرية وفق إجراءات الامتلاك من نزع الملكية أو التعويض بأراض أخرى ، كما أن للجهة المشرفة على الآثار أن تقوم بصيانة وترميم الآثار الثابتة المسجلة للمحافظة عليها والإبقاء على معالمها.
أما الفصل الثالث فقد اشتمل على الحفاظ على الآثار المنقولة حيث جاءت مواده مؤكدة على عدم جواز بيع أو إهداء أي من الآثار المنقولة ، كما أن للهيئة المشرفة على الآثار أن تمتلك أثراً منقولاً مسجلاً أو غير مسجل مما في حوزة الأشخاص أو الهيئات بالشراء أو التبادل أو المصادرة.
أما الفصل الرابع فهو الاتجار بالآثار حيث لا يجوز الاتجار بالآثار إلا بعد أخذ ترخيص رسمي من الجهة المشرفة لتحديد نوع الأثر المراد الاتجار به وفي أضيق الظروف.
أما الفصل الخامس فيختص بتصدير الآثار ؛ حيث يخضع تصدير الآثار إلى خارج البلاد لترخيص خاص تمنحه الجهة المشرفة على الآثار وفق الأحكام الواردة في هذا النظام ، ولها الحق في أن ترفض السماح بتصدير أي أثر إذا تبين لها أن في ذلك إفقار للتراث الأثري أو الفني للبلاد.
أما الفصل السادس يتناول التنقيب عن الآثار ؛ ويتكون من مجموعة من المواد لتنظيم التنقيب ، حيث جاء فيها أن للجهة المشرفة على الآثار وحدها الحق في القيام بأعمال الحفر أو التحري أو الغوص بحثاً عن الآثار والإجازة لبعض الهيئات والجمعيات العلمية القيام بعملية التنقيب عن الآثار بموجب تصاريح خاصة بذلك.
أما الفصل السابع فهو يوضح العقوبات التي تطبق على من يقوم بمخالفة أي من الأحكام الواردة في هذا النظام ، سواء كانت عقوبات متمثلة بغرامات مالية أو بعقوبة السجن([40]) .
وبموجب نظام الآثار قامت إدارة الآثار بمسؤولياتها العلمية والإدارية والفنية ، وإلى حد كبير تحققت الأهداف المرجوة في الحفاظ على آثار البلاد، ومع التطور السريع الذي شهدته الدولة في مختلفة الأصعدة ، وظهور وزارات ومؤسسات وهيئات حكومية كثيرة وبعد مرور ما يقارب من 25 عاماً رأى المجلس الأعلى للآثار ضرورة إعادة النظر في نظام الآثار وإعداده بإطار جديد ليتوافق مع التشريعات والأنظمة الحديثة ، في الدولة وتم إعداد النظام الجديد ورفع للمقام السامي الكريم للتوجيه بشأنه وعند الموافقة عليه – إن شاء الله – ستشهد الآثار مرحلة جديدة من التطور والتحديث والرقي بمستوى الآثار علماً وفناً وإدارة وتطويراً لكافة أنشطتها.
8 – الجهات المعنية بالآثار إدارياً وأكاديمياً :
لم يأت ارتباط الآثار بوزارة المعارف منذ وقت مبكر من فراغ، فقد كانت وزارة المعارف هي الوزارة الأقرب لرعاية الآثار والمحافظة عليها، وذلك لصلة الآثار بالتعليم وعلاقتها بالتاريخ والجغرافية وغيرها من العلوم، ويضاف لذلك انتشار وزارة المعارف في مختلف مدن وقرى المملكة، بادية وحاضرة، ولها إدارات تعليم ومعاهد ومدارس في كل مكان تتيح لمنسوبي التعليم لتكون المواقع والمعالم الأثرية والتاريخية تحت نظرها، ومن ناحية أخرى أصبح في الوزارة قطاع متخصص مهمته متابعة كل ما يتعلق بالآثار إدارة وتنظيماً وإجراء البحوث والدراسات وكل ما له صلة بالعمل الأثري والمتحفي.
و تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء رقم 727 في 8/11/1383هـ القاضي بإنشاء إدارة تهتم بالآثار في المملكة العربية السعودية قامت الإدارة منذ ذلك الحين بواجباتها في سبيل المحافظة على الآثار وإجراء المسوحات الأثرية وتوعية المواطنين بمختلف مستوياتهم، وقد ساعـــد على ذلك صدور قرار مجلس الوزراء القاضي بتسليم الإدارة العامة للآثار ما لدى الوزارات والمصالح الحكومية من آثار وتحف أثرية، وأصبحت المواد والمجموعات الأثرية نواة لإقامة متحف وطني بصفة مؤقتة، كما جاءت الانطلاقة الكبرى للإدارة العامة للآثار والمتاحف مواكبة لصدور نظام الآثار بموجب المرسوم الملكي رقم م/26 وتاريخ 23/6/1392هـ وقد تضمن هذا النظام إنشاء مجلس أعلى للآثار يكفل إنفاذ مواد النظام ، وإقرار الخطط والمشاريع المختلفة لكافة نشاطات الإدارة، وقد تمكنت الإدارة العامة للآثار من إنجاز أعمال كثيرة كان لها أثرها على الدراسات الآثارية في المملكة.
كما شجعت الوزارة– ممثلة في إدارة الآثار والمتاحف– والمؤسسات العلمية وقدمت التسهيلات اللازمة للاطلاع على الآثار وإجراء البحوث العلمية الميدانية، ويأتي في مقدمة تلك الجهات جامعة الملك سعود والتي كان لها دور بارز ومنذ فترة مبكرة للاهتمام بالآثار.
ويعد تأسيس جمعية التاريخ والآثار بكلية الآداب عام 1387هـ/ 1967م تحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الطيب الأنصاري بداية الانطلاقة الحقيقية للدراسات الأثرية بالجامعة فقد كان من أهداف الجمعية بث الوعي التاريخي والآثاري بين الطلاب والأفراد، وكذلك نشر الثقافة التاريخية الآثارية ، والاهتمام بدراسة تاريخ وحضارة الجزيرة العربية عامة والمملكة العربية السعودية خاصة([41])، وقد عمدت هذه الجمعية على تنشيط العمل الآثاري من خلال تنظيمها لقاءات علمية وثقافية، كما أن من محاسنها أن انطلقت أول بعثة تنقيب آثارية في موقع قرية الفاو، وحرصاً من وزارة المعارف على توفير الكوادر السعودية المتخصصة في الآثار فقد فتحت الجامعة شعبة للآثار في قسم التاريخ ، وتطورت هذه الشعبة وتحولت فيما بعد (عام 1398هـ /1978م) إلى قسم للآثار والمتاحف ، ليصبح أول قسم متخصص في الجزيرة العربية يعتني بدراسة الآثار ، وتطور هذا القسم حتى أصبح فيه ثلاث مراحل دراسية هي مرحلة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه([42]) ، وسهلت إدارة الآثار للقسم القيام بدراسات تطبيقية في موقعي الفاو والربذة ، بالإضافة إلى تسهيل الأعمال لطلاب الدراسات العليا من منسوبي الجامعة في الداخل والمبتعثين للخارج لإجراء أبحاثهم الميدانية في المواقع الأثرية والمناطق التي يقتضيها موضوع البحث.
وبالرغم من أن الجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى لا يوجد فيها أقسام للآثار إلا أن فيها أقساماً للتاريخ والحضارة، وقد اقتضت المصلحة العلمية أن تتولى إدارة الآثار والمتاحف تقديم التسهيلات اللازمة لبعض منسوبي تلك الأقسام من إجراء البحوث والدراسات في المجالات التي تتعلق بتخصصاتهم ، وتشجيع الرحلات العلمية لطلاب الجامعات.
9 – أوائل الدراسات السعودية التي تمت بواسطة رواد الآثار السعوديين:
سبق الإشارة إلى إنجازات أوائل الرحالة والمحققين السعوديين وما قدموه من إنتاج علمي غزير في مجال الدراسات الجغرافية والتاريخية والأدبية، من أمثال : عبد القدوس الأنصاري ، وحمد الجاسر ، وعبدالله بن خميس ... وغيرهم ، وقد واكب تلك الأعمال ظهور الرعيل الأول من الدارسين والباحثين في مجال الدراسات الأثرية المتخصصة، ويعد الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الطيب الأنصاري أول متخصص في الآثار القديمة في المملكة العربية السعودية خاصة والجزيرة العربية والأقطار المجاورة. ، وللدكتور الأنصاري مجهودات كبيرة وموفقة في تنشيط العمل الآثاري في المملكة وتطويره، فمنذ حصوله على الدكتوراه في رجب عام 1386هـ /يوليو 1966م– وبحكم تخصصه الدقيق في الكتابات القديمة ومعرفته بالحفائر الأثرية –عمل على تطوير الدراسات الأثرية في جامعة الملك سعود من خلال تدريسه لمواد تاريخ الجزيرة العربية وتاريخ الشرق الأدنى القديم ، إذ شعر أنه بدون معرفة الآثار واستخدامها مصدراً أساسياً لتدريس التاريخ فإن تدريس هذه المواد يظل ناقصاً ويعتمد في كثير من جوانبه على الأساطير، ومن خلال تأسيس جمعية التاريخ والآثار بالجامعة عام 1387هـ/1967م شهد تدريس التاريخ نقلة جديدة حيث أتاحت الجمعية من خلال رحلاتها الميدانية والمحاضرات التي تقيمها فرصة لتحفيز الطلاب على فهم تاريخ الجزيرة العربية القديم والتاريخ الإسلامي من خلال اطلاعهم على المعالم التاريخية والأثرية وإجراء دراسات تطبيقة عليها([43]) ، وكان إنشاء هذه الجمعية مقدمة لإدخال مواد أثرية في قسم التاريخ ، وبعدها أنشيء قسم الآثار والمتاحف عام 1398هـ/1978م.
وسبق إنشاء هذا القسم أن قام الدكتور الأنصاري برحلات علمية استطلاعية لعدد من مناطق المملكة ومعه نخبة من طلاب قسم التاريخ ، كانت هذه الرحلات مشجعةً لبعضهم لتكملة دراساتهم العليا في مجال الآثار، وفي الوقت نفسه ركز الدكتور الأنصاري على إجراء حفريات أثرية في قرية الفاو إحدى أهم وأكبر المدن التاريخية القديمة في الجزيرة العربية ، وجاءت نتائج حفريات الفاو خير شاهد على التطور الحضاري للجزيرة العربية ، فقد عرضت آثار الفاو أمام الناس في متحف الآثار بكلية الآداب ، وكان للأبحاث والدراسات التي نشرها الدكتور الأنصاري أثرها الكبير في التعريف بآثار المملكة وحضارتها ، وإضافة جديدة ومهمة لمصادر دراسة تاريخ الجزيرة العربية([44]).
وشجع الدكتور الأنصاري طلابه على اختيار مواضيع لدراساتهم البحثية عن آثار المملكة ومن هؤلاء ـ سعد عبد العزيز الراشد ـ الذي قام بدراسة علمية وميدانية موسعة عن آثار طريق الحج القديم من الكوفة إلى مكة المكرمة (درب زبيدة) ، وكان من نتائج تلك الدراســــة تقديم أطروحـــة علمية طبعتها جامعــــة الملك سعود بلغتها الأصلية عام 1980م ، وقام المؤلف فيما بعد بنشرهــــا بصورة موسعة باللغة العربية 1414هـ/1993م.
وبعد عودة الدكتور الراشد من بعثته عام 1977م/1397هـ اختار بتشجيع من الجامعة وبموافقة من وزارة المعارف التنقيب في موقع الربذة الإسلامي أحد أهم المواقع الإسلامية على طريق درب زبيدة([45])، وبذلك أصبح موقع قرية الفاو وموقع الربذة مركزين مهمين في المملكة العربية السعودية للتنقيب والدراسات البحثية الميدانية لطلاب الجامعة.
وتجدر الإشارة هنا إلى التنويه عن دراسات الأستاذ الدكتور أحمد بن عمر الزيلعي وهو أول سعودي يحصل على شهادة الماجستير من قسم التاريخ بجامعة الملك سعود عام 1398هـ/1978م، وتعد أطروحته للدكتوراه التي قدمها لجامعة درهم البريطانية عام 1983م، عن منطقة جنوب مكة المكرمة من الدراسات المهمة في الآثار الإسلامية، وكانت بداية موفقة له للقيام بدراسة شاملة للآثار الكتابية والنقوش في محافظة الليث والقنفذة وحتى تهامة جازان([46]).
لقد كان لمجهودات الأستاذ الدكتور الأنصاري وزميلي دربه فيما بعد – الراشد والزيلعي – تأثيرها وأثرها الكبير في تطوير الدراسات البحثة بقسم الآثار والمتاحف ، وكان للتعاون المثمر بين القسم وإدارة الآثار والمتاحف أثره الكبير في توجيه النشاط الأثري في المملكة حسب ما سنوضحه فيما بعد.
10– تطور الدراسات الأثرية في المملكة العربية السعودية:
الخطوات والنتائج :
بعد إنشاء إدارة الآثار وصدور نظام الآثار وتشكيل المجلس الأعلى للآثار بدأ النشاط الأثري يسير وفق خطة مرسومة تهدف أولاً إلى المحافظة على الآثار وحمايتها، وفي الوقت نفسه تسجيل وتوثيق المواقع والمعالم الأثرية المعروفة ، وتنفيذ برامج طويلة المدى لإجراء المسح الأثري الشامل لمختلف مناطق المملكة، وترميم المعالم الأثرية والتاريخية، وإنشاء المتاحف ، وإجراء التنقيبات الأثرية ، وإصدار البحوث والمطبوعات المتخصصة والتعريفية بآثار المملكة ، كما قامت إدارة الآثار بتسهيل إجراءات الدراسات والبحوث الميدانية لطلاب الدراسات العليا ، وإعطاء التصاريح للأفراد والمؤسسات لزيارة المواقع الأثرية.
وقد تحقق خلال فترة قصيرة من العمر الزمني لإدارة الآثار تنفيذ مشاريع كثيرة ، ولعل من أهم المشاريع التي سارعت في تنفيذها هو تسوير عدد كبير من المواقع الأثرية منعاً للتعدي عليها أو امتداد المشاريع التنموية الحديثة إليها، سواء امتداد المباني أو استغلال الأراضي للزراعة ونحوها.
ويمكن إعطاء عرض موجز عن أهم الخطوات والنتائج التي شهدتها الدراسات الأثرية على النحو الآتي:
أ ـ المسح الأثري الشامل :
بعد أن هيأ الله للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – رحمه الله– توحيد كيان المملكة العربية السعودية ووضع الجذور والأساسات لنهضتها ورفعتها سارت خطى التنمية والتطور إلى أعلى الدرجات ، وكان من نصيب تراثنا العريق وحضاراتنا وآثارها نصيب لا بأس به من الدولة العناية الإهتمام، خاصة في المحافظة عليها، وعند إنشاء الإدارة العامة للآثار والمتاحف قامت بإنشاء نواة للمتحف الوطني المركزي بالرياض ، الذي بدأ مشروعاً صغيراً ، وتطورت موجوداته حتى أصبح ركيزة أساسية لمشروع المتحف الوطني الكبير، وبدأت انطلاقة العمل الميداني لأعمال المسح الأثري وعلى نطاق محدود منذ عام 1384هـ ، حيث أتجهت أول بعثة لمسح منطقة العلا والحجر وتيماء ، وقد أسفرت نتائج أعمال هذه البعثة عن اكتشاف عدد من مواقع المدن الإسلامية والقديمة والمستوطنات السكنية، وأعقب ذلك عام 1385هـ مسح للنقوش والرسوم الصخرية ، حيث تم تسجيل مواقع النقوش والرسوم الصخرية في كل من بئر حما في منطقة نجران ، وتسجيل النقوش في منطقة عرعر بمشاركة عدد من الباحثين والمتخصصين السعوديين بجانب عدد من البعثات العلمية الأجنبية ، كما شاركت أيضاً في إجراء مسح أثري للمنطقة الشرقية في عام 1388هـ ، والتي أسفرت نتائجها عن اكتشاف وتسجيل أكثر من عشرين موقعاً أثرياً يعود لمختلف العصور ، وكذلك إرسال بعثة لمسح المنطقة الجنوبية، وعلى أي حال فإن من أهداف برنامج المسح الأثري الشامل هو جمع أكبر قدر من المعلومات عن المناطق الأثرية الواقعة على أرض المملكة العربية السعودية ، وفق الطرق والأساليب العلمية وحصرها وتسجيلها والتعرف على بدايات وتطور الاستيطان البشري والحضاري ، وكذلك التعرف على الشواهد الثقافية على مر العصور، ولأهمية تحقيق ذلك الهدف فقد استعانت الإدارة العامة للآثار والمتاحف بعدد من الجامعات الأمريكية والكندية والبريطانية والألمانية التي لها خبرة في الدراسات الأثرية وأعمال المسح الأثري، قسمت مناطق المملكة العربية السعودية الأثرية إلى عدة تقسيمات وفقاً للتناسق الجغرافي والبيئي ومن ثم انطلق برنامج المسح الأثري الشامل بقوة مع بداية عام 1396هـ /1976م وقد تركزت أعمال المسح الشامل في الآتي:
أ ـ مسح الطرق التجارية القديمة وطرق الحج مثل: درب زبيدة ، وطريق الحج الشامي ، والمصري ، وطريق الهجرة من مكة إلى المدينة.
ب ـ مسح النقوش والرسوم الصخرية.
جـ ـ مسح مناطق التعدين القديمة.
د ـ مسح السدود القديمة.
هـ ـ مسح الموانئ القديمة على ساحل البحر الأحمر والخليج العربي.
وكانت حصيلة أعمال المسح كبيرة جداً حيث تم حصر ما يربو على أربعة آلاف موقع أثري ، تنتمي إلى عصور وأزمنة مختلفة ، بدءاً من العصور السحيقة إلى عصور ماقبل التاريخ حتى العصور التاريخية مروراً بالعصر الإسلامي بفتراته المختلفة، وقد أصبح لدينا تصور شبه تام عن بواكير الاستيطان البشري والحضارات والتأثيرات الحضارية والثقافية التي مرت على أرض المملكة العربية السعودية عبر العصور([47]) ، ومما لا شك فيه أن المسح الأثري الشامل كان القاعدة الأساسية التي بنت عليها الإدارة العامة للآثار معظم نشاطاتها ومشاريعها سواء ما كان في مجال التنقيب أو البحث أو الترميم والحفظ والحماية.
ب ـ التنقيبات الأثرية
واكب أعمال المسح الأثري إجراء بعض التنقيبات الأثرية في عدد من المواقع المختلفة في مناطق المملكة العربية السعودية لهدف معرفة العمق الحضاري الذي كان سائداً في تلك المناطق من ناحية ، ووضع خطة علمية وعملية شاملة بعيدة المدى للتنقيب ، وتوفير مواد أولية للبحث العلمي عن تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها وإثراء للمتاحف الإقليمية والمحلية وفي مقدمتها المتحف الوطني بالمعروضات الناتجة عن الحفريات ، ومن أهم الحفريات التي أجريت في عدد من مناطق المملكة العربية السعودية على النحو الآتي:
1. حفرية الدوادمي.
2. حفرية الثمامة بمنطقة الرياض.
3. حفرية جنوب الظهران.
4. حفرية الصناعية بتيماء.
5. حفرية قصر الحمراء بتيماء.
6. حفرية البجيدي بتيماء.
7. حفرية ثاج بالمنطقة الشرقية.
8. حفرية زبيدة بالقصيم.
9. حفرية الصنيميَّات بالجوف.
10. حفرية الجوف.
11. حفرية الجبيل.
12. حفرية العقير.
13. حفرية المابيات بالعلا.
14. حفرية مدائن صالح.
15. حفرية سهي جنوب جازان.
16. حفرية عثّر جازان.
17. حفرية رأس الزور بالمنطقة الشرقية.
18. حفرية الرياض.
19. حفرية الأخدود.
20. حفرية بليدة بالمزاحمية.
ولا شك أن هذه الحفريات على الرغم من محدوديتها إلا أنها قدمت للدارسين والباحثين معلومات مهمة عن الجذور الحضارية التي قامت على أرض المملكة العربية السعودية ، حيث وضحت لنا التنوع الحضاري والثقافي من منطقة إلى أخرى ، وبالتالي أمكن إنشاء متاحف محلية وإقليمية في عدد من مناطق المملكة ومحافظاتها لعرض المكتشفات الأثرية الناتجة عن أعمال التنقيبات والمسوحات الأثرية والمعاينات الميدانية.
ومما يثلج الصدر أن الحفائر الأثرية هذه تمت بواسطة باحثين وطنيين هم اليوم ممن يتولون مسؤوليات البحث الأثري وإدارة المتاحف ، ونذكر من هؤلاء الأستاذ علي بن صالح المغنم ، والأستاذ جمال الدين سراج علي ، والدكتور عبد الله بن سعود السعود وغيرهم.
ونحن نتحدث عن الدراسات الأثرية ونتائجها يجب التنويه عن الدراسات والبحوث الجارية في الجامعات السعودية ، ويأتي في مقدمتها النشاط البحثي لقسم الآثار والمتاحف بجامعة الملك سعود، فقد حقق هذا القسم منذ إنشائه عام 1398هـ/1978م خطوات رائدة في توجيه الدراسات البحثية وتدريب الطلاب ميدانياً في قرية الفاو والرَّبذة ، والقيام برحلات علمية في مختلف مناطق المملكة وأصبح خريجو القسم هم الركيزة الأساسية لنشاط إدارة الآثار بعد انضمامهم للعمل فيها باحثين في الآثار وأمناء للمتاحف، وجاءت دراسات طلاب الدراسات العليا للقسم متنوعة تغطي بعض الحقب الزمنية للحضارات التي قامت في المملكة، ويمكن في هذا الصدد التنويه بالبحوث والدراسات التي قدمها الدكتور علي بن إبراهيم بن حامد غبان والدكتور عبد الله نصيف والدكتور خليل المعيقل والدكتور عبد العزيز الغزي والدكتور سليمان الذييب والدكتور عبد الكريم الغامدي والدكتور عبد الله الدوسري والدكتور سعود ذياب والدكتور عبد الله الشارخ والدكتور سعيد فايز السعيد والدكتور سالم بن أحمد طيران والدكتور محمد راشد الثنيان والدكتور طلال شعبان والدكتور مشلح المريخي وغيرهم، وقد خطا القسم – نتيجة لتوسع الدراسات البحثية – بتطوير خططه التدريسية وإحداث برنامج للماجستير وآخر للدكتوراه لإتاحة الفرصة لمنسوبي القسم والمؤسسات والجهات الحكومية الأخرى بإجراء دراساتهم العليا في القسم، والشكر في ذلك للأستاذ عبد الرحمن الأنصاري وزملائه ممن حملوا المسؤولية من الخبرات العربية وممن شاركوا في التدريس والبحوث والإشراف العلمي والفني.
كما يجب التنويه عن الإسهامات البحثية لقسم الحضارة والنظم بجامعة أم القرى حيث تركزت دراسات الرعيل الأول بهذا القسم على الموضوعات الحضارية لمنطقة مكة المكرمة من كتابات ونقوش ومعالم تاريخية وحضارية ، ونخص من هؤلاء – على سبيل المثال لا الحصر – الدكتور محمد فهد الفعر والدكتور ناصر الحارثي([48]).
جـ ـ ترميم المعالم الأثرية والتاريخية :
من ضمن نشاطات الإدارة (وكالة الآثار) الحفاظ على الأحياء والمدن القديمة في المملكة العربية السعودية ، والمباني التاريخية ، والمنشآت الدينية والمدنية ، وتم إعداد تقارير وافية عن الأحياء والمدن القديمة في كل من الرياض وجدة ودومة الجندل وتيماء والعلا والمدينة المنورة ، وذلك من أجل الحفاظ على بعض من تلك الأحياء القديمة في تلك المناطق لِتُكِّون نماذج عن فن العمارة والتخطيط القديم والإسلامي ، والتي توضح أسلوب الحياة في الفترات السابقة، ومن هذا المنطلق بدأ العمل في مشروع إحياء مدينة الدرعية القديمة نظراً لأهميتها الدينية والسياسية والاجتماعية ، حيث تبنى المجلس الأعلى للآثار مشروعاً ضخماً يهدف إلى ترميم وإحياء آثار هذه المدينة التاريخية([49]).
ويتضمن المشروع إنشاء مركز ثقافي كبير مزود بكافة الوسائل العلمية والترفيهية من مكتبات وصالات عرض تبرز لنا جوانب حاضرة الدولة السعودية الأولى التي اشتهرت بقصورها وحصونها وأبراجها وأسوارها ومساجدها ومنازلها ومرافقها المختلفة، ويتوالى عمل الوكالة في ترميم المعالم الأثرية بهدف المحافظة عليها والاستفادة منها في العروض المتحفية وغيرها.
نظراً لما يشكله طريق درب زبيدة من أهمية إسلامية وتاريخية – يتمثل في المنشآت المعمارية الضخمة المنتشرة على طول امتداد الطريق من الحدود العراقية السعودية وحتى مكة المكرمة – فقد أولى المجلس الأعلى للآثار اهتماماً خاصاً بهذا الأثر الإسلامي ، وبدأت وكالة الآثار في ترميم عدد من البرك القديمة في الجزء الشمالي من الطريق والجزء الجنوبي منه([50]) .
رابعاً: إنشاء المتاحف :
تعد المتاحف أهم المؤسسات الثقافية في أي بلد لأنها المكان الذي يعرض فيه على الناس المواد التراثية ، وما خلفه الأقدمون من صناعات وإنشاءات معمارية وتاريخية ومخطوطات وغير ذلك من الإنجازات العلمية والحضارية، وصور من العادات والتقاليد المتوارثة جيلاً بعد جيل.
والمتاحف لها رسالة تربوية وتعليمية وتثقيفية ، وعامل مهم في التربية الوطنية ، والمتاحف أيضاً تتعدد بتنوع موادها واختصاصاتها ، ولها كوادرها الإدارية والفنية ونظمها الخاصة، ومن هذا المنطلق وضعت الإدارة العامة للآثار منذ إنشائها خطة لإنشاء المتاحف في مختلف مناطق المملكة ، متزامنة مع تطور وتقدم النشاط الأثري الميداني ، وتشجيع الناس على تقديم ما لديهم من مقتنيات وموروث حضاري لعرضها في المتاحـــف ، وبعد ما حققـــته إدارة الآثار في هذا الجانب – بالرغم من قصرة المدة الزمنية – شيئاً كبيراً ويبشر بمستقبل واعد للآثار في المملكة.
1ـ المتحف الوطني للآثار والتراث الشعبي:
تم افتتاحه كأول متحف رسمي بمدينة الرياض في المملكة العربية السعودية منذ عام 1398هـ ، وعلى الرغم من صغر مساحته ومحدودية معروضاته لكنه شمل معلومات مركزة عن الحضارات القديمة والإسلامية التي شهدتها أرض المملكة العربية السعودية ، وأهمية موقعها التاريخي الجغرافي بالنسبة للعالم – وقد استفاد منه الدارسون والباحثون فائدة كبيرة ، وقصده الزوار من المواطنين والمقيمين في كل مكان ، بالإضافة إلى الوفود الرسمية للدولة وآلاف من طلاب المدارس والمعاهد والكليات([51]) وهذا النجاح وتقدم الدراسات والمكتشفات الأثرية جعل الدولة تفكر في إنشاء متحف وطني كبير في مكان مناسب في قلب مدينة الرياض.
2ـ متحف قصر المصمك التاريخي:
افتتح عام 1416هـ، ويجسد متحف المصمك تاريخ الدولة السعودية منذ بداية تأسيسها على يد الملك عبد العزيز رحمه الله، ويضم المتحف معلومات تاريخية وحضارية عن المملكة وتطورها في جميع الميادين ، بالإضافة إلى أن مبنى المصمك يعد مثالاً معمارياً فريداً في إنشاء المباني الحربية في نجد ، وهو بذلك محط اهتمام المتخصصين من طلاب العمارة والفنون والآثار([52]).
3ـ المتاحف المحلية والإقليمية
وهناك أربعة متاحف إقليمية تم إنشاؤها في كل من الدمام ، حائل ، الطائف ، جدة، إضافة إلى ذلك هناك مشروع إنشاء متحفين إسلاميين في كل من المدينة المنورة ومكة المكرمة ، ففي مكة المكرمة تم اختيار قصر الملك عبد العزيز بالزاهر ليكون مقراً للمتحف ، وفي المدينة المنورة تم اختيار مباني سكة حديد الحجاز بالعنبرية لتكون مقراً للمتحف الإسلامي.
أما على مستوى المتاحف المحلية فقد تم إنشاء ستة متاحف محلية في كل من الهفوف ، الجوف ، تيماء ، العلا ، نجران ، صبياء، وقد أدت هذه المتاحف دورها في تعريف المهتمين وعامة الناس بجوانب مهمة من آثار البلاد وحضارتها ، كما أنها تمثل مراكز بحثية لكونها أنشئت بالقرب من المعالم التاريخية والأثرية المشهورة في البلاد.
وهناك دراسات مستقبلية سيتم تنفيذها في بعض مناطق المملكة وهي:
1. متحف أبها الإقليمي.
2. متحف تبوك الإقليمي.
3. متحف الباحة الإقليمي.
4. متحف المجمعة المحلي.
5. متحف الخرج المحلي.
6. متحف شقراء المحلي.
4ـ مشروع المتحف الوطني الجديد بالرياض:
يعد المتحف الوطني من أهم المشروعات الحديثة التي تقام في الرياض ، وهو أحد العناصر الرئيسية في مشروع مركز الملك عبد العزيز التاريخي ، والذي يضم أيضاً دارة الملك عبد العزيز ، وقصر المربع والمباني الطينية ، ومكتبة الملك عبد العزيز العامة ، وقاعة الملك عبد العزيز للمحاضرات ومرافق أخرى متعددة، بدأت الإدارة العامة للآثار والمتاحف خطواتها الأولى في دراسة مشروع المتحف عام 1401هـ فوضعت التصورات المبدئية بالتعاون مع أحد المكاتب الوطنية المتخصصة، وبدأت أعمال المسح الطبوغرافي والجيولوجي، وفي عام 1410هـ وقعت الإدارة العامة للآثار والمتاحف عقد التصميم النهائي مع أحد المكاتب الوطنية المتخصصة. وفي عام 1418هـ صدرت توجيهات المقام السامي الكريم بتنفيذ مشروع المتحف الوطني بمنطقة المربع التاريخية بالإضافة إلى الوحدات والمرافق الأخرى ، وتم اختيار مسمى "مركز الملك عبد العزيز التاريخي" لشمولية هذا الاسم وانسجامه مع طبيعة المنطقة التاريخية([53]) ، ويشتمل المتحف على قاعات ووحدات متعددة يعرض فيها الحقبة التاريخية والحضارية التي قامت على أرض المملكة العربية السعودية منذ أقدم العصور وحتى الوقت الحاضر ، وهو بداية حقيقية لنهوض الدراسات الأثرية والتاريخية للمملكة العربية السعودية، ويتوافق افتتاح هذا المشروع الحضاري الكبير مع حلول الذكرى المئوية لاستعادة الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله– الرياض وبداية تأسيس المملكة.
وبالإضافة إلى المتاحف التي أنشأتها وكالة الآثار والمتاحف هناك عدد من المتاحف والمعارض الحكومية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
– متحف الآثار بجامعة الملك سعود.
– متحف الحضارة بجامعة أم القرى.
– معرض أرامكو.
– متحف المسكوكات بمؤسسة النقد العربي السعودي.
– متحف كلية الملك عبد العزيز الحربية.
– متحف المعروضات الدائم بمركز الملك فيصل للدراسات والبحوث بالرياض.
ووكالة الآثار تدعم مسيرة إنشاء مثل هذه المتاحف والمعارض لفائدتها العلمية ومردودها الثقافي على الوطن والمواطن.
5ـ متاحف القطاع الخاص:
يتيح نظام الآثار بالمملكة للأفراد والمؤسسات إقامة متاحف خاصة، وقد بدأت المعارض والمتاحف الخاصة تنتشر في عدد من مدن المملكة ، ومع بساطة تلك المتاحف وتواضع مبانيها ومواقعها إلا أنها ثرية بالمواد المعروضة فيها، والتي في مجملها من المقتنيات المتوارثة من ملابس وصناعات معدنية وأدوات الزراعة والطب الشعبي وأدوات القتال والدفاع عن النفس والحلي وأدوات الزينة ومواد الكتابة القديمة وأدوات النجارة وغير ذلك من مواد التراث الشعبي.
كما أن لدى بعض أصحاب المتاحف الخاصة مقتنيات أثرية نفيسة سواء من داخل المملكة أو من خارجها وعينات من التحف الإسلامية، ووكالة الآثار والمتاحف تعطي التراخيص ، وتشجع على إقامة المتاحف والمعارض الخاصة للتعريف بها ، وتشجع المواطنين على عرض ما لديهم من مقتنيات تراثية وثقافية إثراء للبحث العلمي،ونجد أمثلة من المتاحف والمعارض الخاصة في الرياض وجدة ومكة والطائف والدمام وأبها وفي غيرها من المدن، وهناك دراسات لتطوير المتاحف الخاصة بحيث تكون مواكبة للتطور العلمي للمتاحف([54]) .
11ـ التعاون العربي والدولي في حقل الآثار :
تتعاون الإدارة العامة للآثار ـ ومن ثم الوكالة ـ مع كافة المنظمات الإقليمية والقارية والدولية، وحضور الفعاليات والمناسبات الرسمية المتخصصة في الآثار والتراث، وقد خطت خطوات كبيرة في التعاون والتنسيق بهذا الخصوص في إطار محلي للتعاون في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومكتب التربية العربي لدول الخليج، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة ومنظمة اليونسكو العالمية.
كما أن المملكة وقعت على عدد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بالتراث والممتلكات الثقافية. وتسعى وكالة الآثار للاستفادة من خلال عضويتها في هذه المنظمات بما يعود على تطوير الدراسات الآثارية والحضارية في المملكة.
وقد كسبت المملكة فوائد علمية من جراء هذا التعاون حيث زارها عدد من الخبراء في مجال الترميم والتطوير المتحفي ، وفي الوقت نفسه يقوم المختصون السعوديون بزيارات استطلاعية على المشاريع الأثرية في الدول المتقدمة ، وكذلك حضور المؤتمرات والندوات المتخصصة التي تنظمها المنظمات المختلفة.
21ـ مستقبل الآثار بالمملكة:
أ ـ دورها في تطور قاعدة البحث العلمي وتوسيعه:
ومن ضمن خطة نشاط الإدارة العامة للآثار والمتاحف (وكالة الآثار والمتاحف) في تطوير البحث العلمي وإثراء المعرفة بآثار وحضارة البلاد الشروع في إخراج وطباعة مجموعة من الدراسات والبحوث والصور والنشرات ، وهي من أهم الأمور الجوهرية في التعريف بالآثار سواء ما كان منها ثابتاً أو منقولاً،وقد سهلت تلك المطبوعات على القارئ معرفة تاريخ وحضارة الأمم التي عاشت على أرض المملكة، ويمكن إيجاز هذا النشاط في الآتي:
1ـ إصدار مجلة علمية بمسمى "أطلال حولية الآثار السعودية": تعني بنشر المكتشفات الأثرية بالمملكة العربية السعودية ، وتبرز لنا أهم نشاطات الإدارة وخاصة البحوث العلمية التي يقوم بإعدادها نخبة من العلماء والباحثين في مختلف التخصصات المتصلة بالآثار، وتحتوي هذه المجلة على أهم النتائج العلمية لمراحل البحث الأثرية ، كما تحتوي على نشرات علمية تهيأ في قالب مناسب توجز لنا أهم المكتشفات الأثرية ، ويتم طبع النتائج المتكاملة في مجلدات مستقلة تمثل السجل الأساسي للمواقع والمعالم الأثرية والتاريخية في كافة أنحاء المملكة ، مع مراعاة كتابة محتوى هذه المجلة باللغتين العربية والإنجليزية ، ومزودة بالصور والخرائط والمخططات، وقد طَبَّقت الإدارة (وكالة الآثار) مبدأ تبادل الحولية والمطبوعات الأخرى مع الجامعات والهيئات العلمية المختصة ومبدأ البيع بالنسبة للأفراد ودور النشر، والإهداء بالنسبة لكبار الشخصيات، وقد صدر من المجلة حتى نهاية عام 1418هـ أربعة عشر عدداً ، وسيتوالى صدور الأعداد تباعاً بصفة سنوية.
2ـ طباعة كتاب (مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية) باللغة العربية والإنجليزية. وهو عبارة عن مقدمة تمهيدية هدفها عرض لمحات تاريخية وحضارية وأثرية ، مدعمة بالصور عن مناطق ومعالم الآثار ، وكذلك مواقع الاستيطان والحضارة الإنسانية ، وتجدد هذه النسخة كلما دعت الضرورة.
3ـ طباعة ونشر الكتب المتخصصة: وهي حصيلة الأعمال العلمية التي تقوم بها الوكالة عن المكتشفات الأثرية بالمملكة من كتابات ونقوش ، وما له علاقة بالمواقع الأثرية وطرق القوافل القديمة والإسلامية والمعالم المعمارية التقليدية.
4ـ طبع ونشر رسائل الدكتوراه والماجستير في مجال الآثار سواء كانت من إعداد منسوبي الإدارة (وكالة الآثار) أو من غيرهم من المختصين الوطنيين.
5ـ إنتاج مجموعة من الأفلام الثقافية للتعريف بالآثار سواء كانت من واقع معروضات متاحف الآثار أو تسجيلات تصويرية عن معظم مناطق الآثار في مختلف أنحاء المملكة وتتكون تلك الأفلام من :
أ ـ جزيرة العرب عبر تعاقب الأزمان.
ب ـ صور من الماضي السحيق في جزيرة العرب.
جـ ـ المدن الأولى وطرق التجارة في جزيرة العرب.
د ـ جزيرة العرب في العصر الكلاسيكي.
هـ ـ معالم إسلامية في المملكة العربية السعودية.
و ـ الجزيرة العربية وتطور الحضارة.
ز ـ المتحف الوطني ومراحل إنشائه.
ح ـ إصدار فيلم وثائقي بمناسبة الإحتفال المئوي.
6ـ من ضمن نشاطات الوكالة قيامها بتسجيل وتوثيق المواد الأثرية حيث بدأت تنفيذ مشروع إدخال نظام الحاسب الآلي لأعمال الآثار ، وجرى تبويب التقارير والملاحظات الحقلية الذي يتم على أساسه تسجيل المواقع الأثرية تمهيداً لإخراجها في مجلدات وخرائط تكون في متناول الدارسين والباحثين.
ب ـ الآثار في خدمة السياحة:
أضحت السياحة مطلباً أساسياً في كل دولة، والسياحة صناعة تقوم على أسس علمية وهي ركيزة أساسية للاقتصاد في أي دولة من الدول.
ويجمع خبراء وعلماء السياحة أن المباني والمنشآت الأثرية والمتاحف من الركائز الأساسية للسياحة لا تقل أهمية عما سواها من المناطق السياحية الأخرى([55]) ، والمملكة العربية السعودية من الدول التي يمكن لها الدخول في المجال السياحي الثقافي لتوفر مقومات السياحة في هذا الجانب، فقد حباها الله تعالى بمواقع أثرية وإرث حضاري عريق يمتد من العصور الحجرية مروراً بالعصور التاريخية والعصور الإسلامية وما أعقب ذلك من ازدهار حضاري وثقافي حتى عصرنا الحاضر، وقد كشفت أعمال المسح والتنقيب عن جانب من هذا التراث العظيم المتمثل في المساجد والقصور والمنازل والقلاع والكهوف وآلاف الرسوم والنقوش الصخرية والكتابات الإسلامية إضافة إلى ما تحتفظ به بعض مناطق المملكة من مبان وتراث تقليدي فريد، ومع التوسع في إنشاء المتاحف المحلية والإقليمية والمتاحف الخاصة والمشاريع البيئية وغيرها ستكون السياحة مجالاً مهماً للاستثمار، خاصة وأن المملكة تنعم بالأمن والاستقرار ، ولها سمعة عالمية بسبب مكانتها الدينية ويقصدها الملايين من المسلمين سنوياً لأداء مناسك الحج والعمرة.، كما أن المواطن السعودي بصفة عامة لديه الوعي والإدراك والمعرفة والأخلاق الحميدة والكرم العربي الأصيل.
ويمكن القول أيضاً أن الآثار في بلدنا وانتشارها في مختلف أرجاء المملكة لا يكفي وحدها لإنجاح السياحة، وإنما هناك عوامل أخرى مرتبطة بعضها البعض لا بد من توفرها ومن أبرزها ما يلي:
1. إنشاء هيئة عليا للسياحة تتولى وضع القوانين والتنظيمات الخاصة بالسياحة داخل البلاد وخارجها.
2. تشجيع وكالة الآثار والمتاحف في التوسع في أعمال التنقيب الأثري، والعمل في مواقع جديدة لها عمقها الحضاري لإماطة اللثام عما تخفيه من عناصر معمارية وأثرية مختلفة.
3. زيادة الاهتمام وتطوير المتاحف الموجودة حالياً، والعمل على إقامة متاحف جديدة خصوصاً في المواقع الأثرية الرئيسية أو في المدن القريبة منها.
4. توظيف بعض المباني التاريخية ، وتحويلها إلى مراكز جذب للسياحة ، وتحويل بعضها إلى فنادق ومحلات للحرف والصناعات الشعبية.
5. الدعاية والإعلان للتعريف بأهمية المواقع الأثرية وإبراز دورها التاريخي.
6. العمل على إظهار المباني والمنشآت الأثرية المختلفة بالمظهر المطلوب من حيث صيانتها وترميمها ، واستخدام الطرق العلمية الحديثة في إبراز جوانبها كاستخدام التقنيات الحديثة مثل الصوت والضوء على سبيل المثال.
1. توعية المواطنين آثارياً ، وتعريفهم بأهمية تراث البلاد وحضارتها والمحافظة عليها.
2. تشجيع وكالات السفر ودعمها لزيادة نشاطها في تشجيع السائحين ليؤموا المواقع الأثرية والمتاحف.
3. الاهتمام بطرق المواصلات والخدمات السياحية الأخرى مثل المطاعم والمقاهي الحديثة وما يماثلها بالقرب من المواقع الأثرية ، أو على الطرق الموصلة إليها، وتعيين الأدلاء السياحين المدربين على تقديم صورة صادقة وجذابة عن هذه المواقع.
جـ ـ الآثار في خدمة المواطنة:
من دواعي فخر واعتزاز أي أمة من الأمم هو أن يكون لها ماضٍ عريق ، وإبداعات حضارية متميزة ، ودور فعّال في صناعة وصياغة جانب من جوانب تاريخ الإنسان على مر الحقب والأزمان، وكلما تميز بلد ما بحضارة معينة نشأت وارتقت داخل حدوده السياسية كان ذلك دليلاً على حيوية سكانه ونضجهم الفكري من خلال الدور الذي لعبه أجدادهم في التاريخ ، فليس من الغريب أن نلاحظ مدى حماس هذه الفئة من الناس أو تلك وهي تتحدث بزهو عن وطنها وآثاره العريقة وتاريخه المجيد، ويعددون ملامحه وإنجازاته الحضارية ، ويشيرون بحماس إلى بقايا آثار ذلك البناء الحضاري المرموق الذي شاده آباؤهم في سالف الزمن.
ويمكن أن نلمس ذلك بوضوح في المملكة العربية السعودية، فمَنْ مِنَّا لم يُحِسّ بذلك الشعور من العلو والفخَار بانتمائه إلى هذا الوطن العظيم ، وهو يرى ما سطره أجدادنا الذين حملوا راية الإسلام إلى مختلف بقاع الأرض، أو أمام حضارات أمم سادت ثم بادت لأخذ الموعظة والاعتبار ، كتلك الآثار التي نشاهدها في مدائن صالح وفي تيماء ونجران وغيرها من المراكز الحضارية القديمة، وكذلك ما نشاهده من بقايا السدود القديمة أو الرسوم والنقوش الصخرية والكتابات القديمة والإسلامية وغير ذلك مما تركه الأقدمون من تراث حضاري وثقافي.
ولكون الآثار مصدراً من مصادر التاريخ – وهو ما نص عليه قرار المقام السامي عند إنشاء إدارة الآثار – لا شك أنها ستقوي الصلة والارتباط بين الإنسان والأرض التي يعيش عليها، وإن مجرد حِسّه ومن ثم إدراكه واستيعابه لدور بلده الحضاري سيكون دافعاً له للبذل والعطاء وحافزاً للعمل بجد وحيوية من أجل رقي وطنه وازدهاره، متمثلاً بما كانت عليه الأجيال السابقة من تقدم وتطور بالنسبة للأمم المعاصرة لها.
ولبلورة هذا الدور المهم الذي تؤديه الآثار في تأكيد المصلحة والتلاحم بين الوطن والمواطن وإذكاء روح المواطنة الصالحة في نفوس أبناء البلد وتأكيد قدرة الجيل المعاصر لخدمة الوطن والتفاني في حبه والذود عن حياضه والعمل على رفعته وتقدمه، نرى أن الجهات المسؤولة تقوم بالعناية بالآثار ، وتوسيع العمل الآثاري ، وإقامة المتاحف ، وتسمية الشوارع والميادين والمنشآت الهامة بأسماء الرجال والقادة الذين حملو شعلة الحضارة ، وكذلك بث الوعي الآثاري في نفوس المواطنين من خلال أجهزة الإعلام والاتصال الجماهيري المختلفة.
الخاتمـــة:
من خلال استعراضنا– في هذا التقرير الموجز– النشاط الأثري في المملكة يتبين لنا أن أرض المملكة غنية بالآثار ، وأنها كانت محط أنظار الرَّحالة الغربيين منذ فترة مبكرة، وأن هناك جهوداً أيضاً للرَّحالة العرب والمؤرخين السعوديين ساعدت في فتح الطريق أمام الدراسات الأثرية السعودية، ويصعب توضيح كل نقطة من جزئيات هذا العرض لكن الواقع يؤكد على تنامي الوعي الأثري في البلاد، وأن الآثار في المملكة تنتظر خطوات تطويرية مبنية على أسس علمية.
ولعل إنشاء المتحف الوطني الجديد وافتتاحه ضمن منظومة مركز الملك عبد العزيز التاريخي في قلب مدينة الرياض مؤشراً جلياً على الاهتمام بتراث البلاد وحضارتها ، وأن هذا الصرح الثقافي سيكون بداية لنهضة أثرية
=================================================
منقوووووووووووووووووووووول
http://www.darah.org.sa/bohos/Data/13/3-1.htm
الأوسمة والجوائز لـ »
الأوسمة والجوائز
لا توجد أوسمة
بينات الاتصال لـ »
بينات الاتصال
لا توجد بينات للاتصال
اخر مواضيع »
المواضيع
لا توجد مواضيع
إحصائية مشاركات »
عدد المواضيـع :
عدد الـــــــردود :
المجمــــــــــوع :
2,222
ابو فيصل الحربي
مشاهدة ملفه الشخصي
البحث عن المشاركات التي كتبها ابو فيصل الحربي
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
30
31
32
33
34
35
36
37
38
39
40
41
42