السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي الحبيب (المذنب التائب)
لقد أثرت بسؤالك المطروح عدة قضايا هامة تمر بها الأمة في هذه المرحلة العصيبة من حياتها، فلو تناولنا عمرو خالد كداعية وبشكل عام فهو في حقيقة الأمر يمثل ظاهرة دعوية استشرت في عصرنا هذا، فللأسف الشديد لم نكن نسمع من قبل عن الإسلام الطبقي، أو الإسلام النفعي أو البرجماتي، ولم نكن نسمع أيضا عن الإسلام المتفرنج، وللأسف الشديد أن هذا كله صار حاصلا اليوم، فالدعاة انحصروا اليوم في طبقة الأثرياء والموثرون، بينما طلبة العلم وأصحاب الاجتهاد فمبعدون كل البعد عن تسليط الأضواء عليهم، فصار جهدهم منحصرا في حالك الظلام لا يعلم عنهم شيء.
على أي حال لن أتطرق إلى علاقاته العامة والشخصية، ولن أتطرق إلى مصادر تمويل دعوته، ولن أتطرق إلى انتماءاته السياسية، وإلا لدخلنا في متاهات لا آخر لها، وأعلم أن كلامي هذا قد يثير حفيظته، لكن هو في النهاية تحليل ووجهة نظر.
وقبل أن نحلل عمرو خالد كظاهرة متفشية اليوم، اريد أن اٌقف على فارق هام بين مادة الدعوة وبين تقنية الدعوة، فمادة الدعوة هي المادة العلمية التي يقدمها الداعية، قد تكون متكاملة، وقد يشوبها النقصان، وهذا تفريط ولابد، فقد يأتي الداعية بمعلومات صحيحة ساقها من كتب السلف، ولكنه قد يتغاضى عن ذكر مسائل أخرى تتعارض مع أهدافه الشخصية من الدعوة، كاستقطاب وجهاء الناس إليه، وقد يتجنب ذكر بعضها تحت وطئة ضغوط هو غير مسؤول عنها، وأعتقد أن عمرو خالد لم يكن عليه ضغوط ولا زال لا يوجد عليه ضغوط تمنعه من غض الطرف عن بعض المسائل الشرعية.
أما تقنية الدعوة فأقصد بها هنا أسلوب الداعية في توصيل المعلومة إلى الناس، وهنا سوف تجد أن دعوة عمرو خالد هي دعوة طبقية مختصة بصفوة المجتمع وزبدته، وهذه طبقية لا سند لها في الكتاب والسنة، ولكن بصفتي داعية دارس لأصول الدين والدعوة فاسلوب عمرو خالد هو اسلوب استقطابي أكثر منه اسلوب تلقيني، بمعنى أنه يوجه كلامه إلى طبقة الأثرياء والمترفين، وهو هنا يستغل فيهم نقطتي ضعف، الأولى شعورهم بعدم مشروعية أسلوب حياتهم، ثانيا عقدة الإحساس بالذنب.
وهنا يلعب هذا الداعية على هذا الوتر الحساس من مشاعر الناس، فهو لا يقترب من التشريعات إطلاقا، لأنه بتطرقه إليها سوف يحرم على الناس حياتهم التي ارتضوها، وبالتالي سيتحامل عليه الناس لأنه يحرم عليهم ما ألفته أنفسهم المريضة، فهو بذلك يجاملهم في خصوصياتهم على حساب الحق، ولكنه بذكاء يوجد لهم البديل الشرعي، وللأسف بدون التخلص من المستبدل غير الشرعي، فالماضي المشؤوم لن يتغير إلا بالحجة والدليل، ولكن يعكر صفو هذا البديل استمرارهم على القديم الفاسد، والحق والباطل لا يجتمعان في قلب رجل واحد، وهذا خداع للناس واستمراء لما هم عليه من باطل.
ثم هو يستغل نقطة ضعفهم وهي الإحساس بالذنب، فيثير مشاعر الإحساس بالذنب ويضخمها داخل أنفسهم، وبذلك يحدث الترابط الشعوري والانفاعالي بينه وبين جمهوره، ويزداد تعلقهم بتقنيته هو، وليس بمادة الدعوة، أو الأحكام الشرعية التي تملص منها، والسبب في هذا التعلق أنهم تجردوا من الأحكام الشرعية، ففقدوا الموازين الشرعية التي يقومون بها انفعالاتهم، لأن ردود فعل الإنسان توزن بميزان الشرع، لا بميزان الزهد والرقائق، واللعب على وتر المشاعر المكبوتة.
في نهاية المطاف المستفيد الوحيد من هذه الدعوة هو شخص واحد فقط، وهو عمرو خالد، كسب الشهرة، والمال، والجاه والسلطان، فماذا كسب المدعوين؟ هذا هو السؤال الذي سيكشف لنا حقيقة الحصاد الغث الذي جناه عمرو خالد وامثاله من الدعاة، إنسان بلا عقيدة هو إنسان ضعيف، فرغم أن هناك الكثيرين استجابوا لدعوته، ولكن ستجد التزامهم هش، لا يكادون يصمدون أمام النوازل، يعني لو تعرض أحدهم للمسائلة الأمنية، وتعرض للصعق بالكهرباء، سيصرخ ويولول كما النساء، نسأل الله الثبات في هذه اللحظات العصيبة، والسبب هو ضعف اللإيمان الناتج عن شدة التمسك بترف الدنيا ونعيمها، وأستطيع القول بأن السبب هو من تمسكمهم بأخطاء الماضي، وهو الرشوة والبرطيل من الجانب الذي تغاضى عنه الداعية ولم يكشف للناس، وبهذا يكون قد غشهم في مادة الدعوة التي تعمد التفريط في أهم جزئيات هم أحوج ما يكونوا إليها.
أين كلامه عن مواصفات الحجاب الشرعي؟
أين كلامه عن التشبه بالكفار والولاء والبراء؟ وكيف يتكلم في هذا وهو متفرنج حليق يرتدي ثياب اليهود والنصارى؟
أين كلامه في أصول الاعتقاد؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!
أين كلامه عن حكم تارك الصلاة؟
أين كلامه عن أحكام البنوك والمعاملات التجارية؟
أين كلامه عن الجهاد؟ لا أقصد جهاد المترفين داخل الغرف المكيفة، ولكن أين كلامه عن جهاد المتقشفين داخل السجون والمعتقلات مثلا؟
طبعا كلامه لن يكون حضا على هذا النوع من الجهاد، مثل زينب الغزالي وسيط قطب وغيرهم، ولكن هو أذكى من هذا، فسيتكلم عنهم كنماذج وقف عندها الزمن ولن تتكرر مرة أخرى، وعلى جمهوره أن يرضوا بجهاد المترفين، وهذا أحب شيء إلى قلوبهم.
أتحدى عمرو خالد أن يتلكم بالتفصيل في هذه المسائل، لن يستطيع هذا لأنه سيخسر جمهوره قبل أن يتم كلامه، وسينفضوا من حوله سريعا، هذا إن تكلم بكلمة الحق.
في النهاية أنا لا انكر أنني شخصيا انفعلت بإسلوبه، بل وزرفت عيناي بالدموع، كإنسان يشعر بذنوبه أحاطت به، حيث فرض علي سماعه في وسائل المواصلات، فأنا شخصيا لا أستمع إلا لكبار العلماء والفقهاء مثل الشيخ الألباني مثلا، لكن كلامه بالنسبة لي كطالب علم وداعية أزن الكلام بميزان الشرع قد يداخل قلبي كمسلم، لكن لم يخامر عقلي لأنه كلام منقوص فيه تفريط.
|