[align=right]د - الرضاعة المحرمة : الحكمة من سبب التحريم
قال عز وجل : " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا " (النساء: 23)
وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" رواه البخاري و مسلم
ومن وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في اختيار المرضعة انه قال : (لا تسترضعوا الحمقاء ولا العمشاء فان اللبن يعدي) الوسائل ج/15 عيون الاخبار ص/202
وقال عليه الصلاة والسلام " لا تسترضعوا الحمقاء فان اللبن يشب عليه " نفس المصدر السابق ويلاحظ من الآية السابقة ان الله تعالى قال " واخواتكم من الرضاعة " ولم يقل ( في الرضاعة) فلو قيل ( في الرضاعة) لتبادر إلى الذهن انهم اشتركوا في مجرد الرضاعة واما قوله تعالى (من الرضاعة) فيحتمل انهم اشتركوا في امر آخر بسبب الرضاعة وهذا كقولك : هؤلاء اخوة في الصلاح في عهد الشباب فلو حذفت عبارة "في الصلاح" فانه لا يعني انهم مجرد اخوة في الشباب ولكنهم اخوة في صفة منذ عهد الشباب . فكذلك القول في الآية الكريمة فإن الرضاعة منشأ أو مصدر أو مبدأ الاخوة في صفة فلو قال قائل مثلا انهم صاروا اخوة في بعض الصفات الوراثية أوالمناعية أو النفسية أو غيرها التي احدثتها الرضاعة لكان قولا محتملا وليس في الآية ما يمنع منه. وكذلك فإن لفظ الاخ يدل على الاشتراك في صفة أو امر.
قال الراغب رحمة الله : أخ هو المشارك آخر في الولادة من الطرفين أو من احدهما أو من الرضاع ويستعار في كل مشارك لغيره في القبيلة أو في الدين أو في صنعة أو في معاملة أو في مودة وفي غير ذلك من المناسبات. (المفردات/ للراغب الاصفهاني) .
فلا بد من البحث عن اخوة الرضاعة وفي أي صفة هي ؟ بحيث يصير الاجنبي قريباً !!! بل ان خمس رضعات مشبعات في اقل من يوم أو يومين تقرب الغريب ويحرم بها ما يحرم من النسب! كما قال عليه افضل الصلاة والسلام في الحديث أعلاه ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) رواه البخاري ومسلم . علما ان التبني بآثاره النفسية الكبيرة ليس له مفعول تلك الرضعات !! فلا بد ان يكون لتلك الرضعات مفعول عجيب !
الاحتمالات الطبية في سبب التحريم بالرضاعة ونظرية في الطب الوراثي
من الأمور الثابتة طبيا ان الأجهزة الحيوية في جسم الإنسان أو بعضها على اقل تقدير غير متطورة أو غير ناضجة في الطفل عند ولادته ويتكامل نضجها تدريجيا خلال اشهر وسنوات ونذكر على سبيل المثال أربعة أمثلة معروفة :
1 ـ الجهاز العصبي المركزي ونضجه البطيء خصوصا الفعاليات العقلية . وبعض الفعاليات العصبية تنضج خلال اشهر واخرى خلال سنوات .
2 ـ الجهاز المناعي للجسم (Immune system) فإن فعاليته عند الولادة تختلف كثيرا عن فعاليته عند الكبار. ويتضح هذا الاختلاف (أو عدم النضج) من دراسة الخلايا اللمفاوية وكذلك الجسيمات المضادة التي يمكن للرضيع تكوينها وهذه الحقيقة هي احد الأسباب التي تقضي تأخير تلقيح الطفل ضد الإمراض المعدية إلى أشهر بعد ولادته واهم من ذلك إن الجهاز المناعي قبل نضجه يمكن اختراقه وتغيير بعض عمله فقد ثبت في علم المناعة خصوصا في التجارب على الحيوانات ان تعرض الجهاز المناعي إلى مواد غريبة قبل نضجه يمكن ان يؤدي إلى تحمل تلك المواد وقبولها بدلا من رفضها
3 ـ الجهاز الهضمي والنمو التدريجي في قدراته الهضمية وقدرة الطفل على الاعتماد على الغذاء الطبيعي للكبار.
4 ـ الجهاز التناسلي وتأخر نضجه إلى سن البلوغ.
ونأتي الآن إلى ان الإنسان الغريب يصير قريبا بالرضاعة وانه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب !!فلو فرضنا ان الجهاز الوراثي (الجيني) ليس ناضجا عند الرضيع إذ يمكن اختراقه والتأثير فيه اما بإظهار بعض العوامل المكونة فيه أو بإخفاء عوامل يمكن ان تظهر أو بإضافة عوامل ليست موجودة اصلا وقضية اختراق الجهاز الوراثي ليس بالأمر البعيد خصوصا بعد التجارب العلمية الحديثة في علم الجينات وهندستها فيحتمل على هذا الافتراض انه يوجد في حليب المرضع (غير الام) بعض المواد الغريبة التي يمكن ان تخترق الجهاز الوراثي للرضيع وتؤثر فيه خصوصا ان حليب الأمفيه انواع البروتينات الفعالة ومنها على سبيل المثال الجسيمات المضادة كما ان عدم نضج الجهاز الهضمي عند الرضيع يساعد على عبور كثير من هذه المواد إلى الدم وغيره من أجهزة الجسم.على الجهاز الوراثي
واذا صحت فكرة أو نظرية الاختراق الوراثي التي ذكرناها فهل يخشى من عملية الاختراق ان تستحث أو تضيف مواضع خفيفة أو حساسة لا يظهر أثرها عند الرضيع ولكن لو تزوج أخته من الرضاعة مثلا لظهرت الآثار السيئة في أولاده على نحو قريب من الآثار السيئة للزواج من المحارم في النسب ؟ و هل يوجد اثر شئ آخر يمكن توقعه من ذلك الزواج ؟ ذلك ان الذي ينظر إلى الأمور نظرة سطحية لا يجد تشابها ظاهرا بين الرجل وبنت من ارضعيه فيصيبه العجب كيف صاروا أخوة من تلك الصفات ؟ علما انه قد يوجد تشابه باطن له آثار كبيرة على الأجيال الآتية فيما لو تزوج الرضيع أمه أو أخته من الرضاعة وبعبارة أخرى إن عملية الاختراق الوراثي على تقدير وقوعها تكون محددة أو انتقائية (limited or selective) لمواضع معينة من الجهاز الوراثي وليس لكل موضع أو صفة ظاهرة ولما كانت أدنى جرعة مؤثرة خمس رضعات فإنه بسبب تحدد وانتقالية التأثير لا يلزم ان تقع زيادة محددة وقد لا تقع كما ان التشابه الباطن لا يلزم ان يحصل في كل أخ من الرضاعة بل يكفي حصوله في نسبة جيدة تقضي الحكم بالتحريم (كما هو الحال في الآثار السيئة للزواج من المحارم كما هو معروف طبيا) .
الرَّضاعة المُحرِّمة..علاج
قال عز وجل : " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا " (النساء: 23)، وقال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) رواه الشيخان.
إن هذه النصوص الشرعية تفتح مجالا واسعا لبحوث طبية تطبيقية جديدة في غاية الأهمية و الفائدة باستعمال الرضاعة الطبيعية من غير الأم خلال فترة الرضاعة وقد أباح الله ذلك لقوله تعالى : ) وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُم( البقرة/233 وقوله تعالى: ) وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى( الطلاق/6 .
وسنذكر أدناه بعضاً من التطبيقات المهمة والمفيدة لهذه النظرية
أ- في حالة زرع الأعضاء :
كالكُليه مثلاً يفضل أن يكون المتبرع من القرابة الصلبيين خاصة من كان من الدرجة الأولى كالأخ والأخت مثلاً ، وفي حالة تعذر ذلك يفضل الأخوة من الرضاعة إن وجدوا قبل اللجوء إلى الغريب ، والسبب في ذلك أن الجينات(العوامل الوراثية) في إخوة الرضاعة والعوامل المناعية قد تتشابه مع جينات أخوة النسب ومع العوامل المناعية أيضاً إذ كلما كان التشابه (التطابق) النسيجي والمناعي بينهما أكثر كانت نسبة نجاح العملية اكبر وتقبل جسم المريض للكلية المزروعة أفضل .
ب- في علاج الأمراض الوراثية :
والتي اكتشف الطب أن انواعها تزيد على ثلاثة الآف مرض وراثي تنتقل من الوالدين أو أحدهما إلى الذرية . وقد توصل الطب والعلم الحديثان من خلال استعمال التقنيات الحديثة من تشخيصها في خلال الحياة الجنينيه (في بطن الأم) . وفي تشخيص حالة كهذة يمكن من خلال الرضاعة من ثدي مرضعة أخرى من غير أقاربه (أجنبية) تملك بنية سليمة وصحة جيدة (خالية من الأمراض الوراثية) نلحقه بها بدلاً من امه التي تحمل الصفات الوراثية المرضية ، حيث نفترض أن الحليب من المرضعة الصحيحة سيزيح أو ينحي أو يتغلب على الصفة الوراثية المرضية التي إكتسبها من والديه وذلك من خلال اختراقه للجهاز المناعي والوراثي للرضيع وهو تطبيق لقوله تعالى: )وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ( الطلاق/6 .
وقد قال المفسرون في تفسير هذه الآية
1- (هو خطاب للأزواج والزوجات الذين وقع بينهم الفراق بالطلاق في حالة وقوع خلاف بينهم في أجر الرضاع فأبى الزوج أن يعطي الأم الأجر الذي تريد وأبت الأم أن ترضعه إلا بما تريد من الأجر) فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى( أي يستأجر مرضعة أخرى ترضع ولده) . محمد سليمان عبد الله الأشقر /زبدة التفسير من فتح القدير ص749 ط2. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت1988م
2- وجاء في تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن-18 /169في تفسير قوله تعالى )وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ( (وإن تضايقتم وتشاكستم فليسترضع لولده غيرها ، وهو خبر في معنى الأمر) أي لترضع .
والتعاسر هنا ليس بخصوصية اللفظ وإنما هو بعمومية المعنى فكل مشكل بين الزوجين عسرة ووجود مرض عضوي وراثي في الوالدين أو احدهما ينتقل إلى الأولاد ويكون أمراً عسيراً . وهذه إشارة طبية دقيقة من كتاب الله تعالى تدفعنا للبحث والتقصي والتوصل إلى الطرق العملية الفطرية السليمة للعلاج بدلاً من الطرق المعقدة الباهظة الثمن غير مؤمونة النتائج كالعلاج بنقل الجينات ((Gene Therapy أو العلاج بزرع نخاع العظم (Bone Marrow Transplantation)..
فإذن هذه الآية كما قلنا قد تحتمل هذا المعنى ولو انها نزلت بخصوص الخلاف بين الزوجين بعد الطلاق في أمر الرضاعة لأنه كما قال الفقهاء والمفسرون أن الأحكام الفقهية لها عمومية اللفظ في التطبيق والقياس وليس بخصوص السبب الذي من أجله نزل الحكم أو الآية موضوعة البحث .
ولقد كان القرشيون أصحاب فطرة سليمة توصلوا من خلالها إلى زيادة الصفات الحميدة في المولود من خلال إختيار المرضعات السليمات لأولادهم وأعظم مثال على ذلك إرضاع حليمة السعدية لرسول الله r حيث سئل مرة عن سر فصاحته فقال (أنا أعرَبكم : أنا من قريش، ولساني لسان بني سعد بن بكر) السيوطي / الجامع الصغير / حديث صحيح 2696/ ص 413/ دار الفكر/ ج1 /ط1/ بيروت. 1981م.
فاكتسب رسول الله عليه الصلاة والسلام فصاحة النطق وغيرها من الصفات الحميدة وراثة وإرضاعاً إذ إن قبيلة بني سعد التي رضع فيها من اشهر قبائل العرب فصاحة وصحة
لذا فقد شجع القرآن الكريم على الرضاعة الطبيعية من الأم أو المرضعة وإذا كان حليب الأم غير متوافر لأي سبب كان من الأسباب فليختر له مرضعة تملك الصحة النفسية والبدنية الجيدة حتى ينشأ صحيحاً لانتقال الصفات السليمة الصحيحة وتغلبها أو إًزاحتها للصفات الوراثية السقيمة في حالة وجودها عند تشخيص مرض وراثي موجود كما ذكرنا في افتراضنا وبالطبع إن ذلك يحتاج إلى تحقيق وتطبيق وابحاث مستفيضة لمعرفة ذلك وفي حالة نجاحه فإنه سيحقق فتحاً طبياً كبيراً وفائدة عظيمة للبشرية . قال تعالى : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) الإسراء/9.[/align]
والحمد لله رب العالمين
الطبيب الاستشاري
الدكتور محمد جميل الحبال
باحث في الإعجاز العلمي والطبي في القران والسنة
منقووووووووووووووووول
|