[align=right]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إذا اسمح لي أن أدي بدلوي في هذا الموضوع عسى أن أفتح الأذهان إلى أمور خفيت عن الكثيرين، وبالتالي تم تجاهلها.
لقد نوهت في قولك إلى صلة (الأثر) أو (الأطر) كما يطلق عليه العوام من الناس بأشياء مادية إنسية، لكن هناك طرف آخر في المسألة لم يلتفت إليه من قبل، وهو العلاقة بين الجن أنفسهم وبين هذه الأشياء المادية، فعلى سبيل المثال فالجن المسلم ينتفعون بالعظم الذي ذكر اسم الله عليها، فيقع في ايديهم أوفر ما كان لحما، طبعا وبكل تأكيد هذا اللحم هو لحم جني خفي عن اعيننا كإنس، ولكنه ثابت وجوده جزما تبعا لصحة الحديث.
عن علقمة قال قلت لابن مسعود رضي الله عنه: هل صحب النبي صلى اللهم عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكن قد افتقدناه ذات ليلة وهو بمكة فقلنا اغتيل أو استطير ما فعل به فبتنا بشر ليلة بات بها قوم حتى إذا أصبحنا أو كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء قال: فذكروا له الذي كانوا فيه فقال: (أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم) فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم قال الشعبي: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة فقال: (كل عظم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحما وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم) فقال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم: (فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم الجن). أخرجه: الترمذي (3181). وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فالحديث يثبت تكون لحم جني على عظم إنسي، إذا فهناك أشياء في عالم الجن خفية لا نراها مرتبطة بمادة كل ما هو إنسي، ومن هذا نخرج بالآتي:
وهو وجود حلقة اتصال بين كل ما هو إنسي وكل ما هو جني، وحلقة الاتصال هذه مفقودة لدينا، هذا بسبب استجنانها عن أعيننا، وبالتالي فلا ندرك وجودها، ولكن الشواهد خارج نطاق الاستدلال الشرعي تثبت وجود هذا الرابط المفقود، وعليه فأهمية الأثر ليست محصورة في نطاق المادة الإنسية فقط، بل هناك حلقة اتصال خفية بين الجن الذي سيوكل بأمر التكليف، وبين المسحور له، وحلقة الاتصال هذه محصورة في حدود التقاءها بالأثر الإنسي، إذا فهناك حلقة أخرى مفقودة خلاف الأثر سواء كان منديل او مني أو دم أو شعر...إلخ
هذه الحلقة المفقودة هي السر في تمسك السحرة بالحصول على الأثر، وأن له صلة وثيقة بالمسحور له شخصيا، أي أن المنديل مثلا يحمل أثرا خفيا في عالم الجن لا نراه كإنس، ولكنه مدرك من قبل الجن.
لا أريد أن أصرح أكثر من هذا، فالسحرة، وعلماء الغرب وأهل الكتاب وصلوا إلى هذه الحلقة المفقودة، ودونوا فيها أبحاثا كثيرة جدا، بينما نحن كأدعياء علم لا كباحثين مسلمين لم نصل إلى هذه الحلقة المفقودة بسبب الجمود الفكري، والتمسك بالنص بدون تدبر أو اجتهاد، وهذا آفة خطيرة جدا، وهي سوء فهم السلفيين للمنهج السلفي، وبالتالي حسبوه منهج تقليد ونقل لا منهج اجتهاد وبحث، وبالتالي عطلوا ملكة البحث والاجتهاد، فحجبوا عن أنفسهم حقائق كثيرة بسبب جمودهم غير المحسوب.
هذا رغم أن الاجتهاد له حكمين، حكم متعلق بالمسلم العادي الذي يجب عليه في ضوء بعض المعطيات والضوابط الشرعية يستطيع تدبر وفهم أمور دينه، بل واستنباط الجديد إن أمكن، وهناك حكم متعلق بأهل الاجتهاد الذين يقرون أو يرفضون تبعا للأصول العلمية الجامعة التي حصلوا عليه أن يحكموا على سلامة استنباط غيرهم أو رفضه، وهم قلة لا تتجاوز بحال عدد أصابع اليد الواحدة على مستوى الأمة قاطبة، وهذا العدد على أحسن الفروض، وليس على أسوها.
وبالتالي هناك فرق بين المسلم المقلد، وبين العالم المجتهد، فقد يكون المسلم مقلدا لكن هذا لا يمنع ان التقليد لا يحجر على حرية الاجتهاد، ولكن يقيد نتيجة الاجتهاد بإقرار العلماء من أهل الحل والعقد.
عن معاذ أن النبي صلى اللهم عليه وسلم قال لمعاذ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن فذكر: (كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟) قال: أقضي بكتاب الله، قال: (فإن لم يكن في كتاب الله؟) قال: فسنة رسول الله صلى اللهم عليه وسلم قال: (فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) قال: أجتهد رأيي ولا آلو قال: فضرب صدري فقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى اللهم عليه وسلم لما يرضي رسوله). أخرجه: أحمد (21084 ).
فالاجتهاد في وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم باطل شرعا، ولكن هذا لم يمنع أن يجتهد الصحابي في غياب الدليل عنه، بل هو من السنة التي ترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، طبعا لن نرقى إلى منزلة الصحابة وعدالتهم في الاجتهاد، فلا نقرن أنفسنا بهم، ولكن هناك فرق بين الاجتهاد وإقرار سلامة نتائج الاجتهاد، فالأول متعلق بكل من لديه ملكة الاجتهاد من المقلدين، والأخير منوط بأهل الاجتهاد من الأمة فقط، فلا يأتي من هو خارج أهل الاجتهاد فيعدل من اجتهاد غيره أو يبطله تبعا لرأيه اللهم إلا في وجود دليل منوط بالمسألة محل النزاع.[/align]
|