النوازل بين الرضا بقضاء الله وتصحيح المسار(الجزء الثاني ) فلسفة النوازل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجباً لأمر المؤمن أمره كله خير ولايكون ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن : إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)
وذلك يدل دلالة قاطعة على أن في النازلة خير كثير قد لايفطن إليه المبتلى
إن فلسفة النوازل أعظم من أن نفهمها بمجرد السماع للكلمة , فإن من فؤادها الجمة أنها تجعلنا نميز بين الحبيب والمبغض , والقريب منا بمشاعره والبعيد , فعند وقوع النازلة بك يلتف حولك الأحباب ويبتعد عنك المبغضون لك بل قد تظهر منهم الشماتة بك فتحدد لك النازلة الصديق من العدو والذي يفيد من الذي وجوده بجوارك كعدم وجوده والمقدم للمساعدة من المثبط للهمم والذي يفيدك من الذي يريد لك الضرر
ومن فلسفة النوازل أنها تجعلك تقف وقفة مع النفس تحاسبها وتصحح المسار وتراجع الخطوات, وقفة مع النفس لتقول لها
: هل أنت على الدرب الصحيح أم أنك قد حدتي عنه
ومن فوائدها أيضاً أنها تجعلك تفكر وتغير نمط تفكيرك ونمط حياتك اليومي
وتتخذ وسائل دفاع جديدة لك في حياتك ضد المواقف المحبطة وهي كثيرة فتقوي عود الفرد وتدعمه
( المصيبة التي لاتقصم ظهرك تقويه )
ومن فوائدها أنها تجعلك دائم البحث عن حل لمشكلاتك وإيجاد سبل جديدة لمواجهة تلك المشكلات وتجعلك تعمل العقل فيما لديك من إمكانات وكيف تسخرها في مواجهة النازلة حتى لاتكون سلبياً تجلس لتبكي على الأطلال دون أن تقيم بناءً أو تصلح ماانهدم منه تحركك بعد سكون وتجعلك تفكر بجدية بعد رتابة في التفكير وتجعلك تستفيد ممن حولك ومما حولك وقد كنت لاتلحظ أهميتهم , في النوازل تُكـشف المواهب وتظهر الطاقات الخلاقة والإبداعات ويتم فيها تدريب الفرد تدريباً حقيقياً على حسن التصرف وسرعته معاً , ومن أهم فوائدها أنها تجعلك تشعر بمن حولك بآلامهم وبأتراحهم وتشاركهم مآسيهم وهمومهم فيرق لديك الشعور وتبرز عندك العاطفة والحنان والرقة والتأثر وياله من نعمة عظيمة ذلك الإحساس الذي يولد من رحم النوازل , ومن الفوائد أيضاً للنوازل أنها تجعلك تدرك مالديك من إمكانات وتحسن تقديرها وأهميتها ونفعها في الظروف الحالكة وللتدليل على ذلك أقول لو أن نازلة حلت بإنسان وحلها في المال ألا ترون معي أن ذلك الإنسان سوف يدرك أهمية المحافظة على المال مدى حياته ؟ نعم لأنه أدرك أهميته في الظروف الصعبة ( القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود )
كما تعبر اللغة الدارجة المصرية وتكون بذلك النوازل هي مرشد طبيعي للإنفاق والتبذير في المقدرات والمقتنيات والممتلكات ويالها من فائدة عظيمة جداً أفضل من التوعية بالكلام فهي توعية بالموقف , ولاشك أن الرسول الكريم لاينطق عن الهوى . وفي الحديث الذي ذكرته في البداية فائدة أخرى وهو تعلم الإنسان لخلق جميل وهو الصبر ولن يتعلمه إلا في النوازل فهي مكان ممارسته الطبيعي, فهب أن إنسان لايصاب هل كان سيتعلم كيف يصبر ؟ إذاً وعلام يصبر وهو لايصاب ؟
إنني أكاد أجزم أن الإنسان يتعلم من تعرضه للنوازل في حياته أكثر بكثير من تعلمه من أفراحه وسعاداته , وهذا لايدعنا نطلب النوازل لكي نتعلم منها بالطبع لا بل المقصد أن نستفيد بالنازلة عندما تحل بنا أقصى استفادة ممكنة حتى نتخطاها وهذا هو المعزى الرائع من وراء قول الله تعالى ( وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا ) فالمكروه هنا النازلة والخير الكثير
هي فوائدها التي أسردها أمامكم الآن
ثم إن الحمد لله على النازلة يجعلنا نستفيد بها أكثر لحصول الراحة النفسية عقب الحمد وتذكر الله ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب )
اشتكت لي إحدى معارفي من إصابة ولدها المفاجئ بالسكري وهو أفضل ولديها خلقاً وطاعةً وعلماً وسلوكاً والاثنان خيران
فقلت لها: فلنحمد الله أن لدينا المال الذي نعالج به أحبابنا وغيرنا محروم منه ولدينا الوقت الذي نعالجهم فيه وغيرنا لايجده ولدينا العلاج موجود الذي نعالجهم بت وغيرنا يبحث عنه في أصقاع المعمورة ولايجده , ويكفي بعد ذلك كله أن أحبائنا يستجيبون للعلاج ويتقدمون نحو الشفاء وتلك نعمة لاتتوفر دائماً لكل مريض . فحمدت الله واسترجعت .
إن النوازل كالمرض والإفلاس والهدم والحريق والغرق وموت الحبيب وأنواع الخسائر المختلفة وغيرها لايسعنا فيها إلا سلوك نفس ماسلك رسولنا الكريم ( فإن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي , لكن عافيتك أوسع لي )
البحث عن التقصير وغضب الرب ( لاينزل البلاء إلا بذنب , ولايرفع إلا بتوبة ) ثم بعد التوبة أن نطلب من الله العافية
وعندما ينزل البلاء بفرد منا يجب أن يسأل نفسه هل أنت أعز على الله من نبيه أيوب عندما قال عنه ربه: إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب
هل أنت أعز على الله من نبيه محمد الذي عذب وأوذي في نفسه وماله وحسده حتى دميت قدماه من أثر إلقاء الأطفال للحجارة عليه في الطائف ناهيك عن الإحساس بالامتهان وهو العزيز والاحتقار وهو الشريف
وهو عذاب نفسي لايقل عن العذاب الجسدي وحبس هو والصحابة الكرام وبني هاشم في الشعب دون طعام أو شراب محاصرين أشد الحصار فصبر
بل هل أنت أعز على الله من كل ماابتلاهم الله ؟ إن فهم البلاء فن كبير ( ومايلقاها إلا الذين صبروا , ومايلقاها إلا ذو حظٍ عظيم ) . لقد توصلنا إخواني أن البلاء نعمة من الله وليست نقمة وقديماً قالوا ( لولا اشتعال النارِ فيما جاورت ماكان يُعرف طيب عرف العودِ ) فالنوازل هي التي تفرز المعادن الأصيلة للبشر من المعادن التي ليس لها قيمة تذكر , وهل ينقي شوائب الذهب إلا بإلقائه في النار ؟
ولكن هناك نقطة في منتهى الأهمية وهي أن الإنسان يجب عليه أن يستعد لاستقبال النوازل بالإيمان خشية من الوقوع في الفتنة عند نزولها بساحته لو أن إيمانه ضعيف لاقدر الله , فالإيمان هو أعظم سلاح يملكه البشر في مواجهة المحن بشتى أشكالها , وهذا مايفسر لنا قلة عدد حالات التخلص من الحياة ( الانتحار )
عند الشرقيين الذين هم عادة متمسكين بدينهم أكثر بالمقارنة بعدد حالات الانتحار في الغرب البعيد عن الله لقلة الإيمان كدرع واقي ضد الأزمات مهما عظمت , وسلاح الإيمان لايتأتى إلا بالخوف من الله والمداومة على طاعته والبعد عن معصيته وطاعة رسوله الكريم وإتباع سننه قدر الإمكان وفهم القرآن وتلاوته وتدبر معانيه والبحث في سير العظام كالرسل والصحابة والمصلحين والدعاة والمفكرين والاتعاظ من أخبار الأمم السابقة والجزاءات التي تعرضوا لها نتيجة عصيانهم لله فيما أمر ونهى
ثم يأتي السلاح الآخر وهو سلاح اليقين بالله وفي الله أنه بجانبي وسوف يرزقني الصبر والقدرة على التحمل وهذا ماأفهمه من وراء قول المصطفى الكريم ( إلهي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري , فإن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي , لكن عافيتك أقرب لي ) إنه أعزائي دستور حياة يوضحه الرسول الكريم للتعامل في وقت النازلة
فالأهم هنا هو البحث عن موقفي من الله وموقف الله مني هل غضب علي؟ لا ,
إذاً لايهم . نعم , إذاً فالمصيبة أكبر من كونها نازلة قد ألمت بي لأن المصيبة الأكبر على الإطلاق هي غضب الله علي هذه لاطاقة للإنسان بتحملها لا إن كان في قلبه ذرة من إيمان
وتربية الآباء للأبناء منذ الصغر على تحمل الصعاب والوقوف في وجه الأمواج والتحدي للمصيبة والتعامل معها التعامل الأمثل من حيث إعمال العقل والتدبر وموازنة المنافع والخسائر وكيف أكون صلب العود عندما تحل بي نازلة
|