عرض مشاركة واحدة
قديم 13-Jun-2008, 12:43 PM   رقم المشاركة : ( 57 )
عضو فعال


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 21525
تـاريخ التسجيـل : Jun 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 464 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : الجنلوجيا is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

الجنلوجيا غير متواجد حالياً

إن العهد القديم (التوراة) الذي تشكل وتخلق بين القرنين العاشر والثالث قبل الميلاد لا يضم إلا ذكرا محدودا جدا للشيطان بصفته المخصصة، فضلا عن أن الأسفار المبكرة من العهد القديم لا تورد له أي ذكر. فالرب يتحدث على لسان النبي أشعيا قائلا:  إنني أنا الذي أشكل الضياء وأخلق الظلمات وأنا الذي أصنع السلام وأنشئ الشر، إنني أنا الرب الذي يفعل كل هذه الأشياء. إن الحية التي أغوت آدم وحواء في جنات عدن جسدت فيما بعد من قبل أحبار اليهود وآباء الكنيسة المسيحية على أنها " الشيطان" الذي هو أساس مبدأ الشر ولكن في سفر التكوين كما تم تدوينه فإنه يصور في شكل حية ليس إلا. وقد استغرق الأمر بضع مئات أخرى من السنين قبل أن تعرف الحية والشيطان على أنهما حامل النور Lucifer (وهي الترجمة اللاتينية للمفردات العبرية واليونانية التي تشير إلة نجمة الصباح، أو كوكب الزهرة) الذي ورد على لسان أشعيا أنه ألقى به من علياء السماوات (الجنة) لأنه تجرأ أو تطاول بأن أقام عرشه عاليا فوق أنجم الرب.
وهناك اسم في العبرية القديمة هو "ساتان" أو "شاطان" ويعني "المعوق" أو "موجه الإتهام" وهناك شياطين عديدة تظهر في العهد القديم وقد أرسلت من قبل الرب في مهام مختلفة مثل سد الطريق على حمار بلعام أو إصابة شاؤول بنوبة من الكآبة والقنوط. وحين ترجم العهد القديم إلى اليونانية والتي تعني "الخصم أو العدو" ومنها جاءت " ديا بليس"diablus اللاتينية و diable الفرنسية وTeufel الألمانية و Devil الإنجليزية والتي توازي كلمة " إبليس" بالعربية. إن أول مرة تظهر فيها كلمة Satan بحرف استهلالي كبير للدلالة على شخص بعينه نجدها في " سفر أيوب" حيث نجد الشيطان صورة سماوية أرسله الرب لكي يراقب مدى ولاء وإخلاص البشر على الأرض.
إن الشيطان الأول أو أول تركيز وتجسيد للشر برمته في صورة شخص واحد يظهر في التاريخ كان في وقت ما قبل القرن السادس ق.م. في بلاد فارس. وقد كان يدعى هناك أهريمان Ahriman ويعني بالفارسية الروح الشيطانية وقد وصفه نبيهم زرادشت على أنه العنصر المميز للظلام (الشر) الذي اشتبك في صراع لا هوادة فيه مع أورمزد أو مازدا عنصر الضياء (الخير) من أجل بسط السيطرة على العالم.
وقد كان اليهود تحت السيادة الفارسية قرابة قرنين، ولذا فمن المحتمل أن يكون لأهريمان بعض التأثير في تكوين صورة "الشيطان" عند اليهود. وعلى مدى القرون القليلة التالية التي يطلق عليها الفترة الانتقالية بين العهدين أي بين كتابة العهد القديم والعهد الجديد حين كان سفر الرؤيا – الصراع الأخير بين الخير والشر في الطرف القريب من العالم- موضوع تفكر وتأمل لاهوتي كبير وموضوع إنتاج أدبي، فإن مكانة ومنزلة هذا الشيطان قد تنامت بوصفه زعيما وتجسيدا لقوى الشر. ولكن أحبار وحاخامات اليهود سرعان ما فقدوا اهتمامهم به، إذ على الرغم من ظهوره الكثيف في التراث الشعبي الفولكلوري فإنه صار شخصية هامشية جدا في اليهودية الحديثة. ولكنه سيصبح شخصية كبرى تحت اسم "الشيطان" أو " نجمة الصباح" (الزهرة) عند المسيحيين. ولكن أيا كانت أفعال الشيطان ومهما كانت درجة سطوته وقوته في بعض الأحيان فإن أيا من هذه الديانات لم تحذ حذو زرادشت في السماح "للشيطان" بوجود مستقل ومنفصل عن "الرب". فهو مارق متباعد دوما ولكنه ليس ندا (للرب) بحال، على الرغم من أن المدى الذي وصل إليه بدقة في مروقه وعدم نديته كان دوما موضع جدال أبدي حول استفسارات مثارة تستدعيها بطبيعة الحال فرضية وجود شيطان

إن الشيطان عند المسيحيين – وهو أكثر الشياطين شهرة وشعبية في الأدب والفن اليوم- غالبا ما يظهر في العهد الجديد ولكن بتفاصيل سطحية غامضة ليس إلا. لقد استغرقت الكنيسة ثلاثة أو أربعة قرون من الجدل والتأمل حتى استقرت على صورة موحدة وإن لم تكن متسقة تماما حول تاريخه ومهامه. فقد كان في يوم من الأيام ملاكا – ويروي البعض أنه كان أول سلالة الملائكة وأنه كان زعيمهم جميعا – قاد تمردا في السماء ( ذكر البعض أنه بدافع الكبرياء، وقال آخرون إنه بدافع الحسد إما نحو الرب وإما نحو الإنسان – آدم – الذي خلقه الرب على هيئته، بينما برر البعض ذلك بشبقه وشهوته ال***** نحو النسوة الجميلات) وألقي به في قرار الجحيم (ذكر البعض أن ذلك وقع في اليوم الأول أو الساعة الأولى من خلق العالم، في حين قال آخرون إنه بعد خلق آدم، وقال البعض بعد سقوط الإنسان، وذكر البعض الآخر أن ذلك كان على عهد نوح) فأغوى الجنس البشري ودفعهم لارتكاب الإثم والخطيئة مما أتاح له أن يحكم العالم حتى قدوم المسيح (أو حتى المجيء الثاني أو قيام المسيح) وسوف يدان يوم القيامة ويحكم عليه بعذاب أبدي مع كل الخطائين من سلالة آدم.
وفي أول الأمر لم يكن هناك – وهو أمر مثير وعجيب – سوى قدر ضئيل من الاهتمام بالملامح التحديدية الدقيقة لهذا الشيطان الذي لا يظهر مطلقا في القرون الستة أو السبعة الأولى من الفن المسيحي. وبعد أن أصبحت المسيحية هي ديانة الدولة في روما في أوائل القرن الرابع الميلادي تغيرت سمة الصراع ضد العدو عند المسيحيين: فلم يعد الأبطال هم أولئك الشهداء الذين يسقطون في حلبة مصارعة الضواري بل أصبح الأبطال هم أولئك الرهبان الذين كانوا يخرجون إلى الفلوات لمجابهة الشيطان وجها لوجه. إذ كان الشيطان يبدو لهم جميعا لكن يغويهم، وحينذاك اكتسب الشيطان هيئة مادية بالإمكان التعرف عليها: فيتبدى في صور عديدة كأن يظهر في هيئة ليث أو دب أو نمر أو ثور أو حية أو ضبع أو عقرب أو ذئب.
ومع ذلك فإنه على مدى مئات السنين لم يفكر أحد في رسم صورة للشيطان على الورق أو على جدران الكنائس. وهناك مخطوطة من القرن السادس للميلاد للأناجيل (الأربعة) باللغة السريانية تظهر زوجا من الكائنات الصغيرة ذات الأجنحة السوداء وهي تنطلق فارة من فم رجل يتم طرد الأرواح الشريرة منه بالرقي والتعاويذ. ولكن لا يظهر هناك شيطان يمكن تمييزه وإدراكه قبل القرن التاسع عشر الميلادي حين يظهر في مخطوط مصور يعرف باسم Utrecht Psalter في صورة رجل نصف عار يمسك بشوكة أو مذراة ذات ثلاث شوكات. وسوف يظل الشيطان يظهر على هذه الشاكلة في الأغلب على مدى القرنين اللاحقين، في صورة إنسانية أو قريبة من الإنسانية على الأقل متوحشا أحيانا بالهالة التي كانت تحيطه منذ الأيام الخوالي حين كان ملاكا في السماء...
ولكن في ذلك الحين في فترة ما نحو القرن العاشر قبل نهاية الألفية (الأولى) للميلاد بدأ الشيطان ـ عبر أرجاء العالم الغربي كافة ـ يتخذ أشكالا وصورا متوحشة, فظهر على الصفحات المصورة للكتب التي كانت تكتب آنذاك لأول مرة باللغات العامية المحلية وعلى الجدران والأسقف المزخرفة والأوباب والأعمدة وميازيب المياه المنقوشة في الكنائس والكاتدرائيات. إذ كانت هناك في كل مكان مشاهد من التاريخ المقدس الغرض منها تعليم جموع الأميين الطريق إلى الخلاص، وكان الشيطان يلعب دورا بارزا ـ وأحيانا مهيمناـ في هذه المشاهد. فقد كان يظهر في ألف هيئة متنافرة (كاريكاتورية) بشعة. ربما كانت ملامحه مأخوذة من ملامح الآلهة الإغريقية والرومانية القديمة التي كانت تماثيلها المهمشة لا تزال متراكمة متناثرة في التربة الأوربية، أو من ملامح الآلهة الأحدث للبرابرة الجرمان أو الأسكندينافيين أو من الكائنات الخارقة الأعرق من بلاد الرافدين ومصر وبلاد فارس بل وحتى الصين التي كانت كائناتها الخارقة تظهر باسطة أجنحتها على الحرائر والمنسوجات المطرزة المستوردة من هناك. وقد أخذ الشيطان قرونه وأرجله ذات الشعر الكثيف والأظلاف المشقوقة من الإله "بان" عند الإغريق، والأنف المعقوف والشفاه الممطوطة من إله الموت الإتروسكي "شارون" ، والمذراة ذات الشوكات من إله البحر عند الرومان "نبتون"، ورأس حيوان من الإله المصري "أنوبيس" ، وأحيانا كان يتخذ شكل حية أو ذئب أو ضفدعة أو دب أو فأر أو بومة أو غراب أو سلحفاة أو دودة. وكان غالبا ما يبدو في هيئة هي مزيج من أشكال بشرية وحيوانية بذيل وشعر حاد مدبب أشبه بالجمر الملتهب وجسم أقرب للقرد وأفخاذ كثيفة الشعر كالماعز وأرجل حمار وأنياب خنزير وفم كفم الذئب ومخالب نسر وأيدي قرد وجلد سحلية ولسان حية. وحين قاد تمرد الملائكة في السماء وهو يحارب الملاك ميخائيل كان على هيئة تنين كثير الحراشيف. ولما توج في الجحيم أصبح على هيئة رجل عجوز معتوه ذي كرش ضخم وهناك حيات تنمو من شعره وأطرافه وتلتهم وتمضغ بلا وعي الأرواح الجدباء العقيمة للآثمين العراة الذين كانوا يقذفون إليه في هاوية سقر يوم الحساب.
وكان المقصود (من تصويره بهذا الشكل) أن يكون مرعبا ومقززا ليبرز بشاعة وحماقة الإثم. وكان الرعب يتعاظم ويتضخم لأن الحيل والأدوات المستخدمة في تعذيب المذنبين الخطائين في جهنم مثل ساحقات العظام ومدحاة العمود الفقري والأسياخ المحماة حتى الاحمرار كانت نسخا مأخوذة من تلك الأدوات المستخدمة في تعذيب الهراطقة والمارقين على الملأ وهم على قيد الحياة على ظهر الأرض. وقد كانت المشاهد والمناظر الجامدة على جدران الكنائس تترجم بانتظام إلى مشاهد حية في نصوص مسرحية تمثل إمام الكنائس أو في الميادين العامة. وفي جو تحيطه المناظر الطبيعية المتقنة والمفرقعات النارية كان الشيطان دوما ممثلا ومؤديا ذا شعبية وهو يرتدي ملابس من جلد الحياة وله وجه امرأة وهو يدلي تفاحة أمام آدم وحواء ـ أبوينا الأوائل ـ في جنات عدن، أو وهو بقناع ذي أنياب وجسد كثيف الشعر كالماعز مقطبا جبينه ويصدر صوتا كالخنزير ويدمدم وهو ينخس الآثمين المولولين ويدفع بهم إلى فوهة الجحيم التي كان بوسعها أن تفتح وتغلق وتقذف ألسنة اللهب.
ومن أشهر القصص وأكثرها شعبية طيلة العصور الوسطى قصة رويت مئات المرات بكل اللغات الأوربية، ألا وهي قصة ثيوفيلوس من قيلقيا وهو أحد رجال الكنيسة من القرن السادس والذي وقع عقدا وميثاقا مع الشيطان يستبدل بمقتضاه بروحه منصبا كنسيا كبيرا متنفذا ومربحا. وأصبح بوسعه حينئذ أن يحيا حياة فيها تفاخر مطلق العنان وفساد لا مزيد عليه إلى أن جاء يوم ظهر فيه الشيطان من جديد وطالب ثيوفيلوس بدفع الثمن له. وهنا تملك الرعب ثيوفيلوس فتاب وأناب وألقى بنفسه في رحمة مريم العذراء التي أشفقت عليه وشملته برحمتها فهبطت إلى درك الجحيم وانتزعت العقد من براثن الشيطان ثم توسطت للمذنب ثيوفيلوس عند عرش الرب. وقد صفح الرب عنه وتعرض الشيطان للخديعة فيما يتعلق بما يخصه من العقد.
وهذه القصة لعبت دورا مهما وكبيرا في تثبيت أركان عقيدة وعبادة السيدة العذراء في أوربا الكاثوليكية، كما كان من يسن الآثار الجانبية لهذه القصة أنها جعلت الناس جميعا تألق فكرة العهود والمواثيق الشيطانية. وقد استفادت سلطات الكنيسة والدولة من هذا الأمر عندما زعمت في فترة ما من القرن الخامس عشر أنها اكتشفت مؤامرة هائلة مدبرة من قبل حلف أو جماعة من الساحرات تهدف إلى قلب نظام الحكم رأسا على عقب. وقد كان هناك بطبيعة الحال عدد كبير من الساحرات أو ممن يفترض أنهن ساحرات هنا وهناك، وكانت معظمهن من سيدات الريف العجائز ممن كن على دراية بالأعشاب والتعاويذ والرقى التقليدية التي كان من شأنها أن تجذب عاشقا وسيما أو تجهض حملا غير مرغوب فيه أو تحرق محاصيل حقل أحد الجيران المناوئين أو المتخاصمين. ولكن على مدى قرنين أو ثلاثة فإن عشرات الآلاف من السحرة المتهمين ـ وغالبيتهم من النساء، معظمهن من الفقيرات الأميات ـ أعدمن أو أحرقن بعد أن أجبرن على الاعتراف بالضلوع في لقاءات سرية في جنح الليل كن خلالها يأكلن الأطفال الرضع ويجامعن الشيطان ويوقعن معه مواثيق مكتوبة بالدم.
فبحلول العام 1700 لم يعد هناك سوى قلة من غير المتعلمين يعتقدون في السحرة حقيقة، بل وأصبحوا وبصورة متزايدة لا يعتقدون في الشيطان ذاته. وكان السبب في ذلك هو أن أوربا الغربية ـ وحذا حذوها بقية أرجاء العالم على المدى الطويل أو القصيرـ كانت مستغرقة في الدخول إلى العصر الحديث، إلى عالم الكشوف الجغرافية والاكتشافات والعلم والتكنلوجيا والفردية والرأسمالية والعقلانية والمادية والديمقراطية والتقدم. وفي مثل هذا العالم فإن الشيطان بصورته القديمة صار في سبيله ليبدو محرجا ولا قيمة له [متطفلا]. فحين كان يظهر على خشبة وهو يرتدي طاقما يظهره في صورة قرد ويقوم بحيله المشعوذة السحرية لم يكن سوى مهرج بشع الخلقة ـ وقد أوجز جونسون الأمر في عنوان إحدى مسرحياته " الشيطان حمارا".
 
 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42