إن خصوصيات الشيطان وامتيازا ته أخذت تنسحب منه رويدا رويدا، فعندما استدعى بنميامين فرنكلين ومضة هائلة من السماء بمفتاح بسيط كان معلقا في حدأة فإن كل جحافل الأرواح السفلية التي كانت محتشدة عبر الأثير قد تلاشت، ولم يعد الغلاف الجوي سوى كتلة من النيتروجين والأوكسجين وذرات أخرى تدور في دوامة وفقا لقوانين لم يسمع بها الشيطان مطلقا من قبل. وفي حين ألقى ريشالم ـ رئيس دير الرهبان البتدكتيين من القرن الثالث عشرـ باللوم على الشيطان في " ذلك الصوت العجيب الذي يبدو أنه يصدر من اعتلال ما" في المعدة أو الأمعاء نجد راهب العصر الحديث يرسل في طلب طبيب متخصص في المعدة والأمعاء إذا ألم به شيء من هذا القبيل. ولم يعد ينظر إلى العواصف العاتية على أنها من كيد وسحر الشيطان بل من فعل تيارات إعصار "النينيو" ولم يعد أحد يلقي بالملام في تحطم وغرق السفينة " تيتانيك" على أي مسبب آخر غير أخطاء في التقدير وعيوب في التصميم. ولكن لا يزال هناك أناس مسكونين بالشياطين وتسعى كنيسة الروم الكاثوليك ـ ضمن كنائس أخرى ـ إلى تقديم سبل ووسائل لطرد تلك الأشباح منهم. ولكن أعداد هؤلاء في غاية الضآلة إذا ما قورنت بأعداد أولئك الذين يخضعون يوميا لرعاية الأطباء النفسيين. إن الشيطان بصورته القديمة وشكله المروع قد اختفى من الناحية الفعلية من الفنون الجميلة بقدوم عصر النهضة. ففي عام 1505 م رسم رفائيل لوحة زيتية تقليدية للملاك ميخائيل وهو يضرب الشيطان ليطرده خارج ملكوت السماء [الجنة]. وفيها يتجلى الشيطان كحشرة هائلة الحجم من حشرات الخيال العلمي ذات قرون وأجنحة ووجه لاهث كوجه إنسان مخبول. وبعد ذلك بثلاثة عشر عاما رسم لوحة أخرى تنطوي على نفس المفهوم والفكرة، ولكن الشيطان هذه المرة يتخذ صورة بشرية صرفة رغم نمو زوج من أجنحة الخفاش من كتفيه: فهو يظهر في صورة شاب يتلوى من اليأس الذي انتابه من الهزيمة ويبدو كشخصية آسرة ومثيرة للمشاعر أكثر بكثير من القديس أو الملاك الرقيق المطمئن الذي يطعنه برمحه.
|