أما بالنسبة لشيطان العصر الحديث فإن المرارة الأكبر بالنسبة له لا بد وأنها تتمثل في فقدان المهابة والاحترام أكثر من خسارته لقدرته المادية الطبيعية وتحكمه في الزلازل والحروب الآثمة المروعة. لقد أصبح أمير الظلام ـ من وجهة نظر البروفيسور أندرو ديلبانكو من جامعة كولومبيا في كتاب عنوانه " وفاة الشيطان" ـ رياضيا معتزلا انضم إلى حلقات الدرس والمحاضرات وأصبح محاضرا في الرياضة. وبوسع الشيطان أن يلعب دورا مساعدا في فيلم من أفلام الرعب مثل " رضيع روز ماري" أو قصة مثيرة من قصص الخيال العلمي عن أستاذ للأدب المقارن يقوم بتقطيع تلاميذه الأكثر جاذبية إلى شرائح ثم يطهوهم. ولكن ليس هناك من يأخذ أدواره هذه في الواقع على محمل الجد، فقد أصبح الشيطان خفيض الصوت مستأنسا ومروضا، كما أنه هذب أخلاقيا بحيث صار مستقيما من الناحية السياسية. وكما يلاحظ واحد من الشخصيات التي تلعب دور البطولة في مسرحية جون أبدايك "ساحرات إيستويك" Witches of Eastwick فإن "الشرير" كلمة لا نميل إلى استخدامها وأننا نفضل أن نقول "سيء الحظ" أو "معوز" أو " مضلل" أو "غير موفق". بل إن الوعاظ الذين ينذرون من عذاب السعير والذين تخصصوا في وصف أهوال ما بعد الحياة الدنيا تفصيليا لم يعودوا يقولون ـ جريا على عادة آباء الكنيسة في عهدها التليد ـ إن من بين مباهج أن تكون في الفردوس الأعلى أن تشاهد الخاطئين وهم يتلوون بين يدي الشيطان.
ولكي يوائم الشيطان نفسه مع عالمه الشاحب الباهت في العصر الحديث أصبح لزاما عليه أن يغير أساليبه: فهو خبير على الدوام في تغيير هيئته وشكله.
وبطبيعة الحال فإن الشيطان يتقن فن الحديث: فهو يتحدث بدهاء وبإقناع شديد في رواية ديستويفسكي "الإخوة كرامازوف" وكذلك عند جورج برناردشو في " الإنسان والسوبرمان". وهو ظريف بطريقة شريرة حين يظهر في رواية ك.س. لويس "خطابات لولبية" في صورة موظف بيروقراطي يتمتع بضمير حي ويعطي تعليمات إلى رجل إنجليزي عن كيفية إثارة أعصاب أمه. وهو يبدو وسيما وفاتنا للغاية حين يلعب آل باكينو دوره في أفلام السينما. ولكنه بعيدا عن ذلك وفي عالم التجارة والسياسة والحروب والإنتاج القوي الضخم فإن الشيطان لا يعدو أن يكون مجرد مزحة أو نكتة.
وفي تقدير بعض المراقبين مثل البروفسور ديلبانكو وكذلك البروفيسور جيفري بيرتون راسل من جامعة كاليفورنيا ـ سانتا باربرا ـ الذي كتب سيرة عن الشيطان في خمسة مجلدات هي الأكثر قبولا وجدارة ـ فإن هذا الوضع الجديد وضع مأساوي، إذ يعني أن أمريكا ـ مثل العالم الحديث عموما ـ قد فقدت إحساسها بالشر، ومن دون الإحساس بالشر فإن أية حضارة لا بد أن تكون في طريقها إلى الجحيم.
ولكن ربما لم يمت الشيطان بعد كل ذلك، وربما كان في حالة اختباء ليس إلا. ويبدو أن الإنجليزي ريتشارد جرينهام من القرن السابع عشر الميلادي هو أول من صك العبارة التي استعارها أو أعاد اكتشافها فيما بعد كل من بودلير وديستويفسكي وج.ك. شيسترتون وويتاكر شامبرز والتي تقول: " إن من سياسة الشيطان أن يغري الناس ويقنعهم أنه ليس هناك شيطان". إن الشيطان ـ إن وجد بعد كل ذلك ـ فهو التجسيد للشر، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن هناك قدرا كبيرا من الشر في حياتنا حتى في ظل السلام والرفاهية النسبية في عالمنا الحالي اليوم.
بقلم: روبرت فيرنيك
ترجمة: محمد السيد عبد الغني
العنوان الأصلي للمقال: who the devil is the devil ? ونشر في مجلة smithsonian عدد أكتوبر 1999
|