ذكر أبيـه الطاهر:
وأبوه عبد الله بن عبد المطلب، كان أجمل أولاد أبيه و أحبهم إليه، اشتهر بين الناس بعفته وكرامته، فعاش طاهرًا كريمًا حتى تزوج بآمنة بنت وهب أم الرسول صلى الله عليه وسلم.، وهو الذبيح والمفدي، وذلك أن أباه نذر لئن آتاه الله عشرة أبناء، ليذبحنّ أحدهم. فلما تم له ذلك أقرع بين أولاده، فوقعت القرعة على عبد الله،فذهب به إلى الكعبة ليذبحه، فمنعه قريش، ولاسيما إخوانه وأخواته، ففداه بمائة من الإبل. فالنبي صلى الله عليه وسلم ابن الذبيحين وابن المفديين، وهما: إسماعيل - عليه الصلاة والسلام- و عبد الله.
أمّه العفيفـة:
فهي: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وزهرة هو أخو قصي بن كلاب، الجد الخامس للرسول صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه، فأبوه وأمه من أصل واحد، يجتمعان في كلاب بن مرّة. وكانت آمنة تعد أفضل نساء قريش جمالا، ونسبا، وموضعا، وكان أبوها سيد بني زهرة.
جدّه العطوف:
وأما جده ، هو عبد المطلب بن هاشم ، سمته أمه شيبة، وهو ولد بيثرب( المدينة المنورة) ونشأ بها، وذلك أن أباه هاشم مر بالمدينة، وهو في طريق تجارته إلى الشام، فتزوج سلمى بنت عمرو من بني عدي بن النجار، وأقام عندها فترة،، ثم مضى إلى الشام وهي حامل، فمات بغزة من أرض فلسطين، وأنجبت سلمى ابنا بالمدينة، ونشأ هذا الطفل بين أخواله في المدينة، ولم يعلم به أعمامه بمكة حتى بلغ نحو سبع أو ثماني سنين، ثم علم به عمه المطلب بن عبد مناف فأخذه إلى مكة، فلما رآه الناس ظنوه عبده فقالوا: عبد المطلب، فاشتهر بذلك.
وكان عبد المطلب أوسم الناس، وأجملهم، وأعظمهم قدراً. وقد شرف في زمانه شرفا لم يبلغه أحد، كان سيد قبيلة قريش، أعطته رياستها لخصاله الوافرة، وقوة إرادته، وعزيمته على فعل الخير لكل الناس، فعاش شريفاً مطاعا جوّاداً يسمى بالفياض لسخائه وقد تشرف بحفر بئر (زمزم) التي تسقي الناس بمكة المكرمة إلى يومنا هذا.
مولده صلى الله عليه وسلم:
ولد النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة يوم الاثنين، لاثنتي عشرة وقيل: التاسع - ليلة خلت من شهر ربيع الأول، من عــام الفيل، وقصة أصحاب الفيل معروفة ذكرها القرآن الكريم في سورة الفيل، وذلك أن أبرهة الأشرم ملك اليمن أراد أن يهدم الكعبة فساق إليها جيشًا عظيمًا ومعهم بعض الفيلة، فردّ الله كيدهم وحفظ الكعبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال جنينًا في بطن أمه. قال تعالى:
((بسم الله الرحمن الرحيم. ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجّيل. فجعلهم كعصف مّأكول)). (سورة الفيل 1-5)
حين وضعته أمه آمنة رأت نورًا خرج منها أضاءت منه قصور بُصرى من أرض الشام.
وقد أعتق أبو لهب أمته ثوبية، فرحا بولادة ابن أخيه -محمد صلى الله عليه وسلم - ولكنه صار من ألد أعدائه حينما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بالدعوة إلى الإسلام.
ومات أبوه عبـد الله، وهو لا يزال جنينًا في بطن أمه، فلما ولد كان في حجر جده عبد المطلب يرعاه وينظر حاجته هو وأمه.
مرضعاته صلى الله عليه وسلم:
أول من أرضعته أمه آمنة، ثم ثوبية مولاة أبي لهب، وهي التي أرضعت قبله - صلى الله عليه وسلم - عمه حمزة بن عبد المطلب، وبعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
جاءت نسوة من بني سعد بن بكر يطلبن أطفالاً يرضعنهم، فكان الرضيع المبارك من نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، واسم زوجها أبو كبشة، ودرّت البركات على أهل ذاك البيت الذين أرضعوه مدة وجوده بينهم، وقد مكث فيهم ما يربو على أربع سنوات.
معجزة شق صدره صلى الله عليه وسلم:
وقعت هذه المعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم مرتين، الأولى في بادية بني سعد وهو عند مرضعته حليمة، وكان في الرابعة من عمره.
وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمه -أي جمعه وضم بعضه إلى بعض- ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه -يعني ظِئْره أي مرضعته- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنتُ أرى أثر المخيط في صدره) .
وأما المرة الثانية التي وقعت فيها تلك المعجزة فقد كانت في ليلة الإسراء كما روى ذلك البخاري ومسلم .
وفاة آمنة أُمّه صلى الله عليه وسلم:
خافت حليمة وزوجها على محمد صلى الله عليه وسلم بعد حادثة شق الصدر، فعادا به إلى أُمِّه آمنة، فمكث عندها إلى أن بلغ ست سنين، ثم خرجت به إلى المدينة إلى أخواله بني عدي بن النجار، تزورهم به، ومعها أم أيمن تحضنه، فأقامت عندهم شهرًا ثم رجعت به إلى مكة فتوفيت بالأبواء (قرية على يمين الطريق المتجه إلى مكة المكرمة من المدينة المنورة).
رعاية جّده عبد المطلب له صلى الله عليه وسلم:
ترك يُتم النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه أبلغ الأثر، إذ وُلد يتيم الأب وماتت أمُّه وهو ابن ست سنين، فلما توفيت ضمّه جدُّه عبد المطلب إليه ورقّ عليه رِقةً لم يرقها على ولده، وقرّبه وأدناه، وإن قومًا من بني مدلج قالوا لعبد المطلب: احتفظ به، فإنّا لم نر قدمًا أشبه بالقدم التي في المقام منه (هي أثر إبراهيم عليه السلام في المقام الإبراهيمي بجوار الكعبة)، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبو طالب يحتفظ به. فلما حضرت عبدَ المطلب الوفاةُ أوصى أبا طالب بحفظه. ومات عبد المطلب فدفن بالحَجون (جبل بأعلى مكة)، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ولمحمد يومئذ ثماني سنين، ولا شك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أحسَّ بفقدان جده عبد المطلب لما كان يَحْبُوه به من العطف والرعاية.
كفالة عمه أبي طالب له صلى الله عليه وسلم:
أوصى عبد المطلب ابنه أبا طالب بحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورعايته، فلما توفي عبد المطلب ضم أبو طالب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فكـان معــه، وكان أبو طالب لا مال له، وكان يحبّ محمدًا صلى الله عليه وسلم حبًّا شديدًا لا يحبه ولده، وكـان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وكان يخصه بالطعام، وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعًا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعوا، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك.
ومما يدل على شدة محبة أبي طالب إياه، صحبته له في رحلته إلى الشام، ويبدو أنه في فترة حضانة أبي طالب له ساعده محمد صلى الله عليه وسلم في رعي غنمه، وقد ثبت في البخاري ومسلم أنه عمل على رعيها لأهل مكة، مقابل قراريط.
ولعل ضيق حال أبي طالب هو الذي دفع محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى العمل لمساعدته. ورعـي الغنم فيه دربة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على رعاية البشر فيما بعد، فقد أَلِفَ العمـل والكفاح منذ طفولته، واعتاد أن يهتم بما حوله، ويبذل العون للآخرين، وربما يذكرنا رعيه للغنم بأحاديثه التي تحث على الإحسان للحيوان.
قال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله:
"وأسماؤه صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما : خاص لا يشاركه فيه غيره من الرسل كمحمد وأحمد والعاقب والحاشر والمقفي ونبي الملحمة .
والثاني : ما يشاركه في معناه غيره من الرسل ولكن له منه كماله فهو مختص بكماله دون أصله كرسول الله ونبيه وعبده والشاهد والمبشر والنذير ونبي الرحمة ونبي التوبة .
وأما إن جعل له من كل وصف من أوصافه اسم تجاوزت أسماؤه المائتين كالصادق والمصدوق والرءوف الرحيم إلى أمثال ذلك" .
طهارة نسبه (صلى الله عليه وسلم)
إن الله تعالى حفظ آباؤه وأجداده من زلة الزنا، والبغي، وأن نبينا الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ولد من أبوين شريفين. الحمد لله رب العالمين
فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : "إن الله عز وجل اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" [ رواه مسلم ].
وحينما سأل هرقل أبا سفيان بن حرب عن نسب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال هو فينا ذو نسب، فقال هرقل : كذلك الرسل تبعث في نسب قومها. [ البخاري
صفته صلى الله عليه وسلم:
كان صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ، ولا بالقصير ، ولا بالأبيض الأمهق (أي ليس شديد البياض) ، ولا الآدم (الأسمر) ، ولا بالجعد القطط (لم يكن ذا شعر ملتو قصير) ، ولا السبط (المسترسل)، رَجَل الشعر (بين البسط والجعد) ، أزهر اللون (أبيض مشرق) ، مشرباً بحمرة في بياض ساطع ، كأن وجهه القمر حسناً ، ضخم الكراديس (المفاصل) ، أوطف الأشفار (طول شعر الجفنين) ، أدعج العينين (شديد سوادها وبياضها مع اتساعها) ، في بياضهما عروق حمر رقاق ، حسن الثغر ، واسع الفم ، حسن الأنف ، إذا مشى كأنه يتكفأ (يندفع إلى الأمام)
|