[align=center]طبيعة المعرفة العلمية.
مفهوم العلم:
يعرف لالاند، في معجمه، العلم بوصفه مجموعة من المعارف والأبحاث التي وصلت درجة كافية من الوحدة والضبط والشمول، بحيث تفضي إلى نتائج متسقة تؤيدها مناهج محددة، ويمكن التحقق من صحتها. العلم بهذا المعنى شكل من أشكال المعرفة، والمعرفة هي مجموع المعاني والمفاهيم والمعتقدات والتصورات التي تتكون لدى الإنسان نتيجة احتكاكه بالبيئة ونتيجة محاولاته فهم الظواهر المحيطة به. والأساس الذي يتم عليه التمييز بين المعرفة العلمية والمعرفة غير العلمية هو أساليب التفكير وطبيعة المناهج المتبعة في تحصيلها والأدوات المستخدمة في ذلك. لهذا نعتبر المعرفة علما إذا أمكن التوصل إليها بالاعتماد على منهج علمي صحيح، وباستخدام الأدوات التي تتوفر فيها شروطه. كما يمكن للموضوع أن يصبح موضوع معرفة علمية إذا أمكن إخضاعه للمنهج العلمي: فالتعريف بالعلم يقتضي إذن تعريف المعرفة العلمية والمعرفة العامية.
المعرفة العامية:
معرفة يغلب عليها الطابع الذاتي، يفسر فيها الإنسان الظواهر بإسقاط ذاته عليها، وهي تتكون من أفكار شخصية وآراء عرضية وأوهام ذاتية، لأنها لا ترتكز على أساس موضوعي ولا يمكن تبريرها إلا بالقناعات الشخصية، وذلك لأنها سابقة للوقائع وليست نتيجة لها. فهي عرضية لأنها أفكار مستوحاة بشكل عرضي ويمكن أن تتغير بشكل عرضي أيضا، أي بالصدفة. وهي ذاتية لأنها استجابة لأوامر ذاتية، والتشبث بها يكون فقط لأنها تلبي حاجيات ذاتية. وهي لا تقوم على أساس موضوعي لأنها مؤسسة على لغة مبهمة مجازية قابلة للتأويل وهنا يكمن سر قدرتها على مقاومة الوقائع.
المعرفة العامية مبنية على مجموعة من المقاييس الخاطئة للحقيقة ومن جملتها:
المقاييس السلطوية: ومعناها إثبات فكرة أو رأي بإسناده إلى سلطة ما.
مقياس الأغلبية: أي كلما كانت أغلبية الناس تؤمن بفكرة أو قضية ما إلا ودل ذلك على صحتها. لكن الخروج عن الإجماع يشكل أحيانا الشرط الضروري لتقدم المعرفة العلمية.
المقاييس العرقية: حيث كل ما يصدر عن الذات (جماعة عرقية – حزب – أمة...) صحيح، وكل ما يصدر عن الغير خطأ.
والمعرفة العامية تعتمد على مقاييس انتقائية، بمعنى أنها تنتقي من الأحداث ما يؤيد تصوراتها وتغض الطرف عن الوقائع التي تتعارض مع تلك التصورات. كما أنها براغماتية مبنية على أساس المنفعة حيث تتميز بالميل إلى أن كل معرفة نافعة تمكن من الحصول على نتيجة عملية هي معرفة صحيحة. غير أن هذا المقياس ليس علميا لأنه لا شيء يمنع من أن تكون فكرة ما صحيحة دون أن تكون لها نتائج نفعية أو عملية، ومن جهة أخرى قد تكون هناك أفكار وهمية ومع ذلك تمكن من الحصول على نتائج عملية. والمعارف العامية بصفة عامة تقوم على أساس التصديق الساذج في حين أن المعرفة العلمية تقوم على النقد وقديما قال باستور L. Pasteur: "لا تقرروا شيئا دون أن تبرهنوا عليه. آمنوا بالفكر النقدي... فكل ما عداه باطل."
تتميز المعرفة العامية أيضا بأنها مؤسسة على الجهل، والجهل ثلاثة أنواع:
الجهل الطبيعي أو المبسط: ناتج عن قلة، أو انعدام، المعرفة في موضوع، أو مواضيع معينة، وما من إنسان إلا وله نصيب من هذا الجهل، لأن المعرفة البشرية محدودة.
الجهل المؤسس: والمقصود به الجهل الذي يؤسسه المجتمع وهو ضروري للحياة الاجتماعية والاستمرارية.
الجهل الناتج عن سوء استخدام الفكر: عن عادات ذهنية فاسدة (وهذا أخطر أنواع الجهل لأنه راجع إلى نوع من الاعوجاج في الفكر) وميزة هذا التفكير:
أ) التعصب.
ب) إعادة تأويل الفكرة، أي إدراك جانب آخر من قضية مطروحة للنقاش.
ج) قبول الرأي المضاد، لكن بشكل جزئي بحيث يتم إنقاذ الفكرة الجوهرية.
المعرفة العلمية:
مؤسسة على لغة مضبوطة محددة بشكل دقيق بحيث يصعب الخلاف حولها. وهذا الذي تقوم به يسمى بالتعاريف الإجرائية. وتتميز المعرفة العلمية عن الفلسفية فيما يلي:
1) الموضوعات التي تعالجها الفلسفة موضوعات مجردة لا يمكن الحسم فيها بالرجوع إلى التجربة، بخلاف الموضوعات التي يعالجها العلم فيشترط فيها أن تكون قابلة للملاحظة...
2) تتميز المعرفة العلمية أيضا بأنها موضوعية، فالعالم يحاول قدر الإمكان دراسة الظواهر دون إصدار أحكام عليها، لهذا يفترض فيه التجرد من ذاتيته والترفع عن معتقداته وأهوائه. بينما تتناول الفلسفة قضايا فلسفية واجتماعية تحتم تدخل المقاييس الذاتية.
3) العلم يعمل على تفسير الظواهر استنادا إلى القوانين التي تخضع لها تلك الظواهر. ومعلوم أن القوانين نوعان: سببية ووظيفية. فالقانون السببي عبارة عن علاقة ثابتة بين ظاهرتين أو أكثر، بحيث يؤدي حضور، أو تغيير، إحدى هذه الظواهر إلى حدوث تغيير في الظواهر الأخرى بالضرورة. وقد عارض كثير من العلماء القوانين السببية لكون القانون العلمي لا يتضمن الضرورة التي تفرضها السببية. أما القوانين العلمية فكلها قوانين تقريرية، لهذا استعاض العلماء عن القوانين السببية بالقوانين الوظيفية وهي قوانين تعبر عن وجود ترابطات بين ظواهر بحيث يعد كل منها شرطا لوقوع الظواهر الأخرى، ومن مميزات القوانين العلمية أنها نسبية، وأنها تقريبية قابلة للتعديل والتدقيق وفي هذا يقول راسل B. Russel: "إن العالم الحقيقي مسكون بفكرة التقريب، وإذا أخبرك أحد ما بأنه يعرف الحقيقة عن أي شيء، فكن على يقين بأنه غير علمي تماما... إذ لا يوجد إنسان علمي التفكير يؤكد أن ما يعرفه الآن من علم هو الحقيقة المطلقة، بل كل ما يمكنه أن يؤكده هو أن معرفته الآنية هي مجرد مرحلة من مراحل الطريق المؤدية إلى الحقيقة المطلقة."
4) مهمة الفلسفة توضيح المعاني وتعقيد الأشياء، وهذا أمر يتم بإبراز التماسك المنطقي بين فكرة معينة وما يترتب عنها من نتائج أو ما ترتكز عليه من مقدمات.
5) يمتاز العلم بصفة التراكم، بمعنى أنه لا بد أن يعتمد المتأخر على المتقدم، بحيث لا يمكن للعالم أن يبدأ في البحث إلا إذا تعرف على المستوى الذي وصل إليه البحث العلمي في مجاله. فالعلم إذن تراكمي بخلاف الفلسفة التي لا تتوفر فيها هذه السمة، إذ يمكن للفيلسوف أن ينشئ مذهبا فلسفيا من مجرد النقد أو من هدم الفلسفات السابقة، ولكن هذا لا يلغي التأثير/التأثر الفلسفي.
6) تنطلق كل معرفة علمية من نظرية علمية عموما، فما المقصود بالنظرية العلمية وما هي وظائفها؟
النظرية العلمية: Théorie scientifique (المذهب ═ Doctrine) نسق فكري استنباطي يتضمن مجموعة من المسلمات والمفاهيم والقوانين تساعد على فهم وتفسير مجموعة من الظواهر المتجانسة والتنبؤ بها ولو بصورة احتمالية.
مميزات التفكير العلمي: يتميز التفكير العلمي بمجموعة من الصفات أهمها:
1) التحرر من كل سلطة ماعدا سلطان العقل والمنطق، ويعبر ديكارت عن هذا المبدأ بقوله: "من مبادئي أنني لا أسلم بصحة شيء إلا إذا عرفت صحته ببديهة العقل."
2) رفض التفسيرات الميتافيزيقية: فالعلم ينطلق من مسلمة أساس وهي أن كل الظواهر الطبيعية تقبل تفسيرا طبيعيا، لأنها تخضع لقوانين طبيعية، والعلم يحاول الكشف عن هذه القوانين. أما التفسير الغيبي فليس في الحقيقة سوى تعبيرا عن جهل بهذه الأسباب. لكن هذا لا يعني أن العلم يتنافى مع الميتافيزيقا أو يلغيها، فلكل منهما مجاله الخاص.
3) النزاهة والتواضع: وهي صفات أخلاقية لا يستطيع العالم بدونها التخلص من أفكاره المسبقة أو حتى التواصل والتفاهم مع غيره. فالنزاهة الفكرية تساعده على التخلص من التعصب الأعمى، والتواضع يساعده على إدراك أخطائه وتصحيحها. فمن صفات العالم أنه يسعى دائما إلى تصحيح أفكاره، وتجديد تصوراته، علما منه بأن المعرفة العلمية في تطور دائم، وأن الحقائق نسبية وقابلة للتغيير والتعديل. فالعالم الحقيقي لا يخاف أن توضع أفكاره موضع تساؤل أو أن تتغير أو تصحح.
" "
" "[/align]
|