رصد المفاهيم:
نقصد برصد المفاهيم عملية تحديدها وضبطها، وهي عملية ضرورية لكل بحث يتحرى الدقة والوضوح العلمي، وذلك تلافيا للغة المبهمة القابلة للتأويل، وتجنبا للمتاهات التي تؤدي إليها المفاهيم المغلوطة. والمفهوم عند المناطقة كلمة عامة مجردة تشير إلى مجموعة من الصفات المجردة التي تشترك فيها بعض الأشياء أو المواضيع، وهو يختلف عن المصطلح الذي يعتبر أكثر ضبطا ودقة. ذلك أن المفهوم مرتهن بالأنساق الفكرية والأطر المرجعية، إضافة إلى وجود بعض المفاهيم التي تحتمل أكثر من معنى، كما أن مفاهيم أخرى قد تتداخل فيما بينها كالعدل والمساواة والذكاء والفطنة...
والمقصود برصد مفاهيم البحث تحديد مفاهيمه الأساس المركزية أو المحورية Les concepts clefs. وهناك عدة طرق لضبطها أشهرها طريقة أرسطو (تحديد الجنس والفصل) التي تطبق على المحسوسات دون التجريدات. وطريقة استقصاء المعاني التي تهدف الوصول إلى التعريف الذي يتفق عليه أغلبية الباحثين. والطريقة الوظيفية أي جرد مختلف الوظائف التي يقوم بها المفهوم للوصول إلى التعريفات الإجرائية (التي دخلت مجال إبستيمولوجيا البحث عبر الفيزيائي بريدجنسون Bridgenson عندما انتهى إلى أن مفاهيم الفيزياء لا تعرف بدقة إلا عبر القياس كالحرارة التي لم تضبط بدقة إلى بعد أن تخلى الفيزيائيون عن الانطباعات الحسية واخترعوا الترموميتر). التي حاول بعض المشتغلين بالعلوم الإنسانية اقتباسها، وأشهرهم لازلسفيلد Lazalsfield الذي اقترح طريقة الانتقال من العام إلى الخاص اعتمادا على الخطوات التالية:
1) الانطلاق من المفهوم العام: أو ما يسميه Lazalsfield التصور المنمق للمفهوم، ثم محاولة ترجمته إلى مجموعة من المؤشرات.
2) تخصيص المفهوم: وذلك بتحديد أبعاده أو مظاهره أو مكوناته.
وكمثال على ذلك من التاريخ نقترح مفهوم "الرومنة"، فالمفهوم العام فيه هو: إضفاء جزء من الامتيازات الرومانية على بعض الزعماء الأمازيغ أثناء الاحتلال الروماني لشمال أفريقيا. أما تخصيص المفهوم فتشمل: السماح للأمازيغ بحمل الأسماء الرومانية والترخيص لهم بعبادة آلهة الرومان وامتلاك الحيازات العقارية وحضور الاحتفالات الرسمية... وفي مقابل ذلك يقوم هؤلاء الزعماء بوظيفة التهدئة داخل مجال نفوذهم لفائدة الاحتلال الروماني.
البحث البيبليوغرافي:
هو البحث عن المصادر والمراجع وكيفية تنظيم البحث، وهناك منهجيتان عموما لحصر ذلك:
أ- منهج "الاصطياد" البيبليوغرافي أو التمشيط البيبليوغرافي: ويقوم فيه الطالب بإعداد قائمة للمراجع (فهرسا عاما لها)، حيث يثبت أمام كل مرجع مكان وجوده، ويسعى في هذه الطريقة إلى حصر أكبر قدر ممكن من المراجع قبل بدء عملية القراءة.
ب- منهج الجرد البيبليوغرافي المنتظم La recherche systématique: يبدأ الطالب، مثلا، بقراءة ما كتب حول موضوعه بدوائر المعارف والموسوعات العالمية، وهذه ستضع بين يديه قائمة بالمراجع التي اعتمدتها، والتي تتحول بالنسبة إليه مادة مصدرية وهكذا... أو يستعين بالكتب، أو الأبحاث، الحديثة التي تثبت مراجع ما احتوته في أسفل الصفحات، ومن هذه الحواشي سيحصل الطالب على كثير من المراجع الأصلية، يضيفها إلى قوائم مراجعه.
ولنجاح البحث البيبليوغرافي يحسن تتبع التوجيهات التالية: * على الباحث أن يتصل بمن لهم خبرة بالموضوع. * أن يعرف القوانين الداخلية للخزانات ويعقد صلات ودية مع أمنائها. * عندما تتوفر البيبليوغرافيا يوضع تصميم القراءة، حيث يتم ترتيب المصادر والمراجع حسب أهميتها. كما ينبغي الرجوع إلى بعض الكتب على ضوء ما أنجز (المقارنة مع موضوع متشابه مع موضوع البحث).
تصميم التحرير:
الكل واع بفائدة وجدوى ومنفعة التصاميم، ففيما يخص البحث العلمي، فقد سبقت الإشارة إلى أهمية التصميم الدال وإلى تصميم العمل. والآن وقد تقدم البحث واتضحت الإشكالية وتوفرت المعرفة، فعلى الباحث أن يعيد قراءة وهيكلة معرفته، وانطلاقا من هذه الهيكلة ومن النتائج المحصل عليها ومن التصاميم المؤقتة التي وضعت أثناء القراءات والتفكير، ينبثق تصميم التحرير المفصل الواضح الذي يحترم طرق التفريع. وللوصول إلى هذه النتيجة يجب إتباع النصائح التالية:
- أن يتبع الباحث طريقا واضحا منظما، وكلما استدعت دراسته تفريعا لأصل واحد قام بذلك.
- عليه أن يبين بوضوح عناوين الأبواب والفصول والفقرات، ويصوغها في عبارات قصيرة قدر الإمكان.
- عليه أيضا أن يقدر لكل باب وفصل ومبحث، عددا معينا من الصفحات حتى لا يتيه أثناء التحرير، وحتى لا يحدث خلل في توازن وبناء النص، الذي يفترض أن يكون ترتيبه سليما، ويستحسن أن يطلع الطالب على نماذج من التصاميم لمواضيع مشابهة لموضوع بحثه.
- على الباحث ألا يشرع في التحرير إلا بعد استشارة الأستاذ المشرف، والقراء، ومناقشة عناصر التصميم.
وقد تكون هذه المبادئ والالتزامات مؤقتة، إذ تبقى أجزاء التصميم قابلة للتعديل والتقويم عند الضرورة وعند اكتشاف أشياء جديدة عند التحرير، وقد يشمل التعديل بعض الفصول أو الأبواب وقد يشمل عنوان البحث نفسه، لكن شريطة استشارة الأستاذ المشرف، المهم أن يخرج البحث في أبهى حلة.
مرحلة الكتابة أو التحرير:
بعد قراءة المراجع، وجمع المادة، وفرز البطاقات، يبدأ الباحث في الاختيار من المادة المجموعة، وترتيب ما اختير ثم كتابته، وتلك مرحلة شاقة من دون شك سيجد فيها الطالب أن من المستحيل، ومن غير المرغوب فيه، إثبات كل ما جمع. وهنا تظهر مهارته في تقدير المادة التي جمعها والاختيار منها. ذلك أن الاختيار، أو التصفية، تتوقف قبل كل شيء على مقدرة الطالب على تقويم بضاعته. ويدخل في هذا التقويم طرافة المادة وعدم ذيوعها ودقتها المصدرية وخصوصا قيمتها بالنسبة لموضوع البحث.
وإذا ظهر أن بعض المادة لا فائدة منها، فعلى الطالب ألا يتردد في تركها، إذ أن حشرها في بحثه سيؤدي حتما إلى نتائج عكسية. على أن ذلك لا يمنعه من الاحتفاظ بها للاستفادة منها في حياته العلمية مستقبلا.
وتستلزم عملية الاختيار أو التصفية قراءة متأنية للمادة المعرفية التي راكمها الطالب، والتفكير فيها بعناية لتكوين رأي يسير مع الخطة التي رسمها لبحثه، أو مع المسار الكرونولوجي الذي اختاره، أو مع بنائه الحجاجي... وفي هذا يجب أن تبرز شخصية الطالب في مقابلة النصوص ومقارنتها، وعليه أن يتذكر بأنه مسؤول عن كل ما يرد في رسالته، ولا يعفيه من هذه المسؤولية أنه أخذ عن كاتب مشهور. ويتحاشى عبارات من نوع: أرى... وتوصلت... والبحث الذي قمت به يجعلني أعتقد... ويستعيض عنها بعبارات هادئة مثل: يبدو أنه... ويغلب على الظن... ويتضح مما سبق...
يمكن للطالب أن يفتتح الباب أو الفصل الذي يكتبه بمقدمة قصيرة، ويختتمه بموجز يعرض فيه النتائج التي توصل إليها، ويعرضها نهائية إذا كانت فصل الخطاب، أما إذا لم تكن نهائية فيعرضها على أنها نهاية ما توصل إليه، ويرجو أن يتمكن هو، أو سواه، من مواصلة البحث في المسألة مستقبلا.
أما الأسلوب الحجاجي أو إيراد الأدلة، فيستحسن أن يبدأ بأبسطها، ثم يتبعه بآخر أقوى، وهكذا يتدرج في إبراز فكرته، حتى إذا ما نقل السامع أو القارئ من جانب المعارضة إلى جانب التشكيك، ألقى بأقوى أدلته لتصادف عقلا مترددا فتجذبه وتنال تأييده، وليحذر من الاستطراد لأن ذلك يربك القارئ، كما يشترط في الأسلوب الحجاجي عدم التناقض الداخلي للنص، وعدم مناقضته لقضايا وأفكار عامة مسلم بها منطقيا. وعلى الطالب أن ينتقد عمله بلا هوادة كلما سار فيه، مقتنعا بأنه إذا لم يفعل ذلك فإن آخرين سيقومون به، لذلك عليه ألا يفر من الأسئلة الحرجة التي تصادفه وتزعجه بل عليه أن يواجهها، حتى إذا لم يتمكن من إيجاد الأجوبة المقنعة لها، فعلى الأقل يكون قد انتبه إلى طرحها، وليتذكر أنه في كثير من الأحيان يكون طرح السؤال أهم من إيجاد الجواب. ثم ليدع ما انتهى من كتابته جانبا بضعة أيام، أو أسابيع، ثم يعود إليه وينظر فيه لا بالفكر الذي أملاه بل بفكر الناقد له، الباحث عن السبل التي ترفع مستوى بحثه، سواء في منهجها أو بنائها أو معلوماتها أو خطتها.
القواعد والأسلوب:
لابد من سلامة قواعد اللغة والإملاء، وإذا لم يكن الطالب واثقا من صحة ما يكتب فلا بد له أن يرجع إلى من يجيد هذه القواعد ليصحح له ما يمكن أن يقع فيه من هفوات أو أخطاء. وليس من مهمة الأستاذ المشرف أن يقوم بهذا التصحيح لأن مهمته أسمى من ذلك. ويشترط في أسلوب الأبحاث دقة اختيار الكلمات، وحسن انتظامها في جمل وعبارات، لذا يفترض أن يكون معجم الطالب واسعا، في اللغة التي يكتب بها، بحيث يمده باللفظة المناسبة للتعبير عن أفكاره دون إطناب أو تكرار، فإذا استطاع أن يبلغ فكرته في ثماني كلمات فلا يبلغها في عشرة، وليَشكُل بعضها إذا دعت الضرورة. وينبغي أن تتميز الجمل بالقصر قدر الإمكان، وأن تكون بسيطة ومترابطة، وألا يثقلها بالأدلة على مبادئ مسلم بها، أو يمكن التسليم بها بسهولة، وأن يتحاشى المبالغات وعبارات التهكم أو السخرية، وأن يتجنب الجدل من أجل الجدل. أو باختصار عليه أن يتجنب كل ما يفتح عليه باب الخلاف، وهنا تكمن براعة الطالب الذي لا يحذف شيئا مهما ولا يتورط في الوقت نفسه في مشكلات يمكنه أن يتجنبها منذ البداية.
" "
" "
(يتبع...)
|