[align=right]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بوركت أختي الفاضلة:
ولكن هناك تعارض لم تتنبهي إليه، الصحابة سافروا هنا وهناك ونشروا الإسلام وأعزهم الله تبارك وتعالى، ولم تغير فتن بلاد الكفر فيهم شيئا، بل هم غيروا من أمم بأسرها، وفي إحدى الغزوات تخلف رجل عن الغزو في سبيل الله لأنه خشي على نفسه الفتنة وحسن وجمال نساء بني الأصفر فقعد مع الخوالف، ونزل فيه قول الله تعالى، قال تعالى: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (التوبة: 49)، فهل العلة هنا تأثر هؤلاء الشباب بثقافة العهر والفجور في بلاد الغرب؟ أم العلة في التربية؟ أم العيب في شخصيتهم؟ أم العيب نهجهم في السفر إلى بلاد الغرب؟
الشباب هنا مقيد بتعاليم الإسلام المفروضة عليه من قبل بيئته ومجتمعه، وبكل تأكيد إذا رفعت عنه هذه القيود سيصاب بالانحلال الخلقي بمنتهى السهولة، لأن المناعة العقائدية مفقودة، إذا فارتباط الشاب هنا ليس بدينه، هذا من جهة العقيدة المنظمة لتصرفاته، ولكن ارتباطه بالقيود الاجتماعية فإذا رفعت عنه سقط في هوة الفحش والضلال والانحلال العقائدي، نستطيع القول وبكل ثقة أنه في هذا الموقف تنكشف سوءته التربوية، ويظهر معدنه العقائدي على حقيقته، وسنكتشف أن هذا الإنسان الذي كان مستقيما في بلده، كانت استقامته مزيفة كاذبة، بمعنى أدق أنه لو أمكن وضعه في اختبار في بلده لحدثت نفس النتيجة، بمعنى أدق أنه إذا ما اختلى بمحارم الله انتهكها، وسقط في هوة الفاحشة، شاب يقف ويصوب بصره تلقاء الأرض حياءا حتى لا ينظر إلى امرأة أمامه، ويستغفر الله تبارك وتعالى بأعلى صوته ويغمض عينيه، بينما عيني قلبه ترسم لها صورة مجسدة عارية فاتنة أشد فتنة مما يستر تحت جلبابها، يتلذذ بها وتفتك بشغاف قلبه فتكا، وتبادله في مخيلته غراما بغرام أشد، أما الإنسان ذو العقيدة الصحيحة القوية فليس بحاجة إلى كل هذه القيود، لأنه يمتلك نوع من التربية العقائدية تمنحه قيودا ذاتية لا تفلها أشد القوى ضراوة، نستطيع القول بأنها تربية إنسان العقيدة.
أنت بهذا القول تجورين على التربية الحقيقية، لماذا؟ لأنك لم تسألي نفسك عن الشباب المجاهد الذي يسافر إلى بلاد الغرب ويبذل نفسه وماله ويجود بروحه في سبيل الله، ولم يتأثر بما فيها من فتن، نحن هنا في مصر بلاد العهر والفجور والدعارة والخنا واللصوصية، كيف يعيش الشباب الملتزم حياته هنا في هذا الزخم؟ يصرع كل يوم ألف مرة، فتن تصك وجهه ليل نهار، ورغم ذلك ربى نفسه بنفسه على العقيدة فثبت في السجون والمعتقلات عذاب ليل نهار صعق بالكهرباء ضرب تنكيل وشباب ثابت لا يلين أمام هذا كله، بل أقسم لك بالله أن من يفعلون بهم هذا يشعرون بالذل والمهانة أمام صمود هذا الشباب، يضربونهم حتى تكل أيديهم من الضرب، وهذا الشباب صامدا يذكر الله بأعلى صوته بينما هم مداد ألسنتهم السب والشتم، ويكيلون لهم القذف بأخس وأحقر الألفاظ البذيئة، تماما كأحوال بعض الأعضاء على المنتدى، بل قولي بكل جسارة على أغلب المنتديات تجدي هذا الطابع الخلقي سائدا.
لماذا تأثر أولئك ولم يتأثر هؤلاء؟ أجيبك بأن التربية في بلاد مثل دول الخليج مثلا هي تربية فرض البيئة، وهي تربية مقنعة ببرقع الإسلام، يتقنع به المجتمع في الظاهر أما في السر فالتجرد والتهتك وحدث ولا حرج، أما تربية فرض العقيدة فهي تربية الواقع الملموس لا تتغير ولا تتبدل مهما كانت المتغيرات، لأن الإنسان صار يملك ثوابت نفسية لا تتزعزع أمام الفتن والملمات.
في النهاية ولا أطيل عليك حل المشكلة هو في (تربية إنسان العقيدة)، وليست تربية السلوكيات والمظاهر الزائفة التي يوهم البعض نفسه بها، هذا تسطيح لمفهوم التربية، فليست التربية الحقيقية هي التنشئة على بعض السلوكيات الإيجابية، أو الإسلامية كما تفضلتي وذكرتي، ولكن التربية الحقيقية هي تربية العقيدة، لأن العقيدة تنعكس تلقائيا على السلوكيات وتقومها، حيث أن العقل هو المحرك لسلوكيات الفرد، والعقيدة الثابتة والراسخة هي المحرك للعقل، اعطني إنسان العقيدة أعطك أمة عظيمة.[/align]
|