أخي الفاضل (جند الله) بارك الله فيك وفي اجتهادك ورزق الإصابة في الحق ولا خيب لك رميا في سبيله
أذكرك أخي الفاضل أن قولي هذا اجتهاد يصيب ويخطئ، يؤخذ ويرد، وليس قولا ملزما، والاجتهاد في حد ذاته محمود مأجور صاحبه وإن أخطأ.
===================
وارد عليك فأقول وبالله التوفيق:
أنت تقول: ** أولا" أنت استدللت بلآية الكريمة (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (البقرة: 30)
أنت لم تتنبه هنا إلى جزء في الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ) فقد قرن تعالى بين الإفساد وسفك الدماء، والإفساد يقتضي الولاية، والولاية مناط التكليف، والتكليف ثابت في حق الثقلين الإنس والجن، وبناءا على أن الجن هم المكلفون قبلنا فالآية الكريمة تعود عليهم بالإفساد، وبالتالي فسفك الدم يأتي بالتبعية للإفساد.
أنت هنا ملزم بظاهر النص، ولا يصح أن تطلق الظنون مع ظاهر النص فتقول (يمكن) أو (يحتمل)، فالأولى هو اعتبار ظاهر النص لا التخمين وضرب الظنون والاحتمالات، وعليك بمراجعة كتب التفسير فستجد استفاضة في هذا الموضوع، مما يغني عن ذكره هنا
واليك أقول : اني ملتزم بظاهر النص وأقول أنت تجزم ان المقصود بالآية ان الجن سفكوا دماء بعضهم مستدلا" بذلك أن للجن دماء ولحم وأقول لك هذا ممكن ولكن يمكن أيضا" أن يقصد به أنهم سفكوا دماء المخلوقات ، وأعلم حقا لايجوز صرف مدلول الآية عن معناها الحقيقي أو الظاهري الا بدليل والله تعالي يقول (والجان خلقناه من مارج من نار ) ولايعقل أن مارج النار بما له من خفة المادة يتحول الي لحم ودماء قال القاضي أبو يعلى الحنبلي : ( والصواب أنه لم يرد في الشرع ما يدل على أن أجسام الجن رقيقة أو كثيفة ، فوجب أن لا يصح وصفهم بالرقة ) ( المعتمد في أصول الدين – ص 172 ) 0 لهذا يوؤل النص الي ان المقصود منها هو سفك دماء المخلوقات وليس سفك دم الجن ، ولو أخذته علي أنهم سفكوا دماء بعضهم البعض فهي علي المجاز لا الحقيقة ، فيقال سفك دمه أي قتله ولو لم تسل دماؤه، وبهذا بينا عدم صحة استدلالك بالآية وبالله العظيم نتأيد .ثم ننتقل الي الدليل الثاني
أنت تقول:
** ثانيا" استعملت قياس باطل حيث قلت ((وحتى آدم عليه السلام بعد أن خلقه الله من طين لم يبقى جسده على طينيته، بل تحول من طين إلى لحم ودم، فتغيرت مادته من الطين إلى اللحم والدم، وبالقياس على هذا فالجن كذلك لم يبقوا على مادة خلقهم الأولى وهي النار، بل تغيرت إلى لحم ودم))
لأن القياس هنا لايصح لماذا ؟؟ لأنك لو حللت المادة البشرية ستجدها من نفس عناصر الأرض وهذا قول علمي لا يخالطه أدني شك ولكي نثبت ما تقول سنحتاج الي جثة جني لنحلل عناصره ونضاهيها بعناصر التربة المعروفة وسنعرف حينها النتيجة
أولا القياس صحيح لا لبس فيه، لكن وجه الاعتارض عندك ليس في القياس نفسه، بل هو فيما بنيت عليه القياس، هذا من جهة خلق آدم وعدم ثبوته على طينيته، وبالتالي انت هدمت القياس في مسالة لم توفق في دحضها، وهذا يبطل ردك هنا فتنبه تسلم.
فلو أن (خلق البدء) بقي طينا على ما هو عليه لاقتضى هذا بالضرورة أن يعامل الجسد البشري على اعتبار مادة خلقه وهي الطين، بمعنى لو أننا قمنا بتغطيس إنسان في الماء فمن المفترض حسب وجهة نظرك أنت أن يتحلل الجسم ويذوب في الماء، وهذا طبعا لا يحدث، مما يجزم بأن مادة الخلق تحولت من طين إلى مركبات عضوية مغايرة كاللحم والدم والعظام، وهذه كلها لا تذوب كما يذوب الطين في الماء.
اما مسألة تحليل مادة الجسم ورد بعض مكوناتها إلى أصول ترابية، فهذا لا يقتضي أنها بقيت على ما هي عليه طين وتراب، فهل تستطيع مثلا أن تقنعني بأن اللحم طين؟ وهل تستطيع أن تقنعني بأن الدم طين؟ وأن العظم طين؟ مستحيل هذا ولا يقول به عاقل ذو لب رشيد.
وإذا كان الجسم يحتوي في بعض مركباته العضوية على بعض العناصر الطبيعية والمعادن فهذا لا يعني أن كل الجسم مركب منها، بل هي تمثل جزء ضئيل جدا من مركب جسم الإنسان. وهذا تعميم باطل لا يصح ولا يثبت ولا دليل عليه.
أما قولك عن احتياجنا لجثة جن لكي نحلل عناصرها فأحسبك تتمتع بروح المزاح والدعابة أضحك الله سنك ههههههههههههه
ولكن لا بأس عليك: فقد أوردت لك نص صحيح من البخاري ان حية طعنت بحربة فأردتها قتيلة، وطبعا أنت لا تنكر أن الحية تتكون من لحم، إذا فلا حاجة بنا للحصول على جثة جني لتحليلها معمليا طالما ثبت الأمر بنص صحيح.
واليك أقول : نعم أنت قمت بالقياس ولكنه قياس مع الفارق كما يسميه الأصوليين ،، نعم نحن نعرف أن الانسان خلقه الله تعالي من الطين ثم تحول الي جسد من لحم ودم وهذا هو المشاهد ولانحتاج دليل عليه ،
أما أن الجان خلقهم من نار ثم تحولوا الي ماذا؟؟؟؟ الله تعالي أعلي وأعلم (( الجن : نوع من المخلوقات ذات أجسام وأرواح ، وهي عاقلة مدركة مريدة مكلفة على نحو ما عليه الإنسان ، خلقوا من مادة أصلها مارج النار وهو خالصه وأحسنه ، وطبيعة خلقتهم لها ماهية لا يعلم كنهها وكيفيتها إلا الله))أبو البراء ،، الموسوعة الشرعية
وهناك نظرية علمية تقول أن الأرض تتكون من أحدي عشر عنصر والانسان مكون من نفس العناصر ومتي عثرت علي هذا البحث فسأريك اياه
وأما عن قولك في الحية التي طعنت ،، أعود وأكرر عليك ماقلته من قبل من أن الجن يتشكلون بأشكال مخلوقات انسية من بشر كما في قصة أبي هريرة وعمر وحيات كما في الحديث الذي ذكرت آنفا
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : ( والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم فيتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها ، وفي صور الإبل والبقر والغنم ، والخيل والبغال والحمير ، وفي صور الطير ، وفي صور بني آدم ، كما أتى الشيطان قريشا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر ، قال تعالى : ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّى جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) " سورة الأنفال – الآية 48 " ( مجموع الفتاوى – 19 / 44 ، 45 ) 0
قال الحافظ بن حجر في الفتح : ( وإن الجن يأكلون من طعام الإنس ، وإنهم يظهرون للإنس لكن بالشرط المذكور – أي قد يتصور ببعض الصور فتمكن رؤيته وإنهم يتكلمون بكلام الإنس ، وإنهم يسرقون ويخدعون ) ( فتح الباري – 4 / 489 ) 0
وروى أبو نعيم عن الأحنف بن قيس ، عن علي بن أبي طالب ، قال : والله ، لقد قاتل عمار بن ياسر الجن والإنس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : هذا الإنس قد قاتل ، فكيف الجن ؟! فقال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقال لعمار : انطلق فاستق لنا من الماء فانطلق ، فعرض له شيطان في صورة عبد أسود ، فحال بينه وبين الماء فأخذه فصرعه عمار ، فقال له : دعني وأخلي بينك وبين الماء ففعل ثم أبى ، فأخذه عمار الثانية فصرعه، فقال له : دعني وأخلي بينك وبين الماء فتركه ، فأبى ، فصرعه ، فقال له مثل ذلك فتركه فوفى له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان قد حال بين عمار وبين الماء ، في صورة عبد أسود ، وإن الله أظفر عمارا به 0 قال علي : فلقينا عمارا فقلت : ظفرت يداك يا أبا اليقظان ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كذا وكذا ، قال : أما والله لو شعرت أنه الشيطان لقتلته ، ولقد هممت أن أعض بأنفه ، لولا نتن ريحه 0
وقد أشار ابن حجر إلى وجود هذا الحديث في ( طبقات ابن سعد ) حيث فقال : ذكر ابن سعد في ( الطبقات ) من طريق الحسن قال : قال عمار : نزلت منزلا فأخذت قربتي ودلوي لأستقي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سيأتيك من يمنعك من الماء ، فلما كنت على رأس الماء ، إذا رجل أسود كأنه مرس فصرعته ، فذكر الحديث ، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ذاك الشيطان ) ( فتح الباري – 14 / 240 ) 0
قال السيوطي : ( وقال القاضي أبو يعلي : ولا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم ، والانتقال في الصور ، وإنما يجوز أن يعلمهم الله تعالى كلمات وضربا من ضروب الأفعال ، فإذا فعله وتكلم به نقله الله من صوت إلى صوت 0 فيقال أنه قادر على التصوير والتخييل ، على معنى أنه قادر على قول إذا قاله ، وفعله ، وتكلم به نقله الله من صورة إلى صورة أخرى بجري العادة 0 وأما إذا تصور نفسه فذلك محال ، لأن انتقالها من صورة إلى صورة إنما يكون بنقض البنية وتفريق الأجزاء ، وإذا انتقلت بطلت الحياة واستحال وقوع الفعل من الجملة 0 فكيف تنقل نفسها ؟ ) ( لقط المرجان في أحكام الجان – ص 40 ، 41 ) 0
قال الحلبي : ( ونوزع في قدرتهم على التشكل بأنه : يستلزم المشقة بشيء فإنه من رأى نحو ولده أو زوجته احتمل أنه جني يتشكل بذلك 0
ورد بأن الله تعالى تكفل لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يؤدي لمثل ذلك المترتب عليه الريبة في الدين ، فاستحال شرعا الاستلزام المذكور ) ( عقد المرجان فيما يتعلق بالجان – ص 42 ) 0
وعندما يتشكلون يسري عليهم قانون الصورة المتشكل بها
قال الاستاذ حمدي الدمرداش : ( وإذا تصور الجني بصورة الإنس أو الحيوان فإن قانون هذه الصورة يحكمه فهو معرض للحرق أو القتل أو الإصابة حسبما يجري له من حوادث ، ومثال ذلك العفريت الذي تفلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليفسد عليه صلاته فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم فخنقه وأراد أن يربطه إلى سارية المسجد لولا تذكرة دعوة أخيه سليمان ) ( معجزات القرآن في علاج مس الجان – ص 50 ) 0
وهكذا بطل استدلالك وبالله التوفيق
وكما قلت أنت أخي الكريم
هذا ما أعلم والله ورسوله أعلي وأعلم
أخوك في الله
ابن حزم الظاهري
|