وجه الإعجاز:
من هذا الاستعراض الموجز يتضح لنا بجلاء حكمة تحريم أكل الدم, ولو لم يرد في القرآن الكريم غير هذه الحقيقة العلمية لكانت كافية للشهادة على أن القرآن المجيد هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله, وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه(اللغة العربية) حفظاً كاملاًً: كلمة كلمة, وحرفاً حرفاً, على مدى أربعة عشر قرناً أو يزيد, وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وأن النبي والرسول الخاتم الذي تلقى القرآن المبين كان موصولاً بالوحي ومعلماً من قبل خالق السماوات والأرض, فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى اله وصحبه, ومن اتبع هداه, ودعا بدعوته إلى يوم الدين .
ثانيا:حكم أكل الميتة في الإسلام:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[البقرة: 173]، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ والنطيحة وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[المائدة: 3]، من هاتين الآيتين فهم ويفهم المسلمون أن الميتة- وهي اسم لما فارق الحياة من غير ذكاة شرعية- يحرم أكلها بأمر من الخالق الذي خلق الخلق وأمرهم بما يصلحهم في الدنيا والآخرة القائل: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾[النجم: 32], يقول القرطبي: "الميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح, وما ليس بمأكول فذكاته كموته كالسباع وغيرها"(11).
وقال الألوسي: "أي أكلها والانتفاع بها وأضاف الحرمة إلى العين مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي من صفات فعل المكلف وليست مما تتعلق بالأعيان إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية من جميع الوجوه"(12)، وجاء في التحرير والتنوير ما نصه :"الميتة هنا عام؛ لأنه معرف بلام الجنس فتحريم أكل الميتة هو نص الآية وصريحها لوقوع فعل (حرم) بعد قوله ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ وهذا القدر متفق عليه بين علماء الإسلام"(13). وقال الشوكاني: "قوله:﴿المنخنقة﴾ هي التي تموت بالخنق: وهو حبس النفس سواء كان ذلك بفعلها كأن تدخل رأسها في حبل أو بين عودين أو بفعل آدمي أو بغيره وقد كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها،وقوله: ﴿والموقوذة﴾ هي التي تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية،وقوله: ﴿الْمُتَرَدِّيَةُ﴾ هي التي تتردى من علو إلى أسفل فتموت من غير فرق بين أن تتردى من جبل أو بئر أو مدفن أو غيرها والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك وسواء تردت بنفسها أو تردت بفعل غيرها، وقوله: ﴿والنطيحة﴾ هي فعيلة بمعنى: مفعولة، وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية، وقوله: ﴿مَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾أي ما افترسه ذو ناب كالأسد والنمر والذئب والضبع ونحوها، والمراد هنا: ما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع كله قد فني،وقوله:﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم"(14).
فما مات بأي طريقة من هذه الطرق التي ذكرها القرآن ولم يذكَّ الذكاة الشرعية فقد حرم القرآن أكله, هذا هو الذي عليه العمل عند أهل الإسلام وهو الذي يدينون به لربهم عز وجل .
التفسير العلمي لتحريم أكل الميتة:
رأينا فيما تقدم أن الميتة التي فقدت روحها من غير تذكية شرعية يحرم على المسلمين أكلها أو حتى الانتفاع بها، بقي أن نعرف حكمها عند العلماء المختصين. يقول الدكتور يوسف عبد الرشيد الجرف: "القاسم المشترك الذي يجمع بين تحريم القرآن الكريم للدابة المنخنقة التي خنقت فماتت وبقي دمها في جسمها، والموقوذة التي ضربت بآلة حادة فماتت، والمتردية التي وقعت من عال فماتت بصدمة عضلية، والنطيحة التي نُطحت، هذه الأربعة أنواع من الدواب التي حرم الله أكلها يجمعها قاسم مشترك واحد، هو أن الدم بقي في جسمها"(15). ويقول الدكتور جون هونوفر لارسن(16): "الميتة مستودع للجراثيم، ومستودع للأمراض الفتاكة، والقوانين في أوربا تحرم أكل الميتة.كما يقول: إن قوانيننا الآن تحرم أكل لحم الحيوان إذا مات مختنقاً. حيث اكتشفنا مؤخراً أن هناك علاقة بين الأمراض التي يحملها الحيوان الذي يموت مختنقاً وبين صحة الإنسان. حيث يعمل جدار الأمعاء الغليظة للحيوان كحاجز يمنع انتقال الجراثيم من الأمعاء الغليظة – حيث توجد الفضلات – إلى جسم الحيوان والى دمه طالما كان الحيوان على قيد الحياة. ومعلوم أن الأمعاء الغليظة مستودع كبير للجراثيم الضارة بالإنسان، والجدار الداخلي لهذه الأمعاء يحول دون انتقال هذه الجراثيم إلى جسم الحيوان، كما أن في دماء الحيوان جداراً أخر يحول دون انتقال الجراثيم من دم الحيوان، فإذا حدث للحيوان خنق فانه يموت موتاً بطيئاً(17).
وتكمن الخطورة في هذا الموت البطيء عندما تفقد مقاومة الجدار المغلف للأمعاء الغليظة تدريجياً مما يجعل الجراثيم الضارة تخترق جدار الأمعاء إلى الدماء والى اللحم المجاور. ومن الدماء تنتقل هذه الجراثيم مع الدورة الدموية إلى جميع أجزاء الجسم لأن الحيوان لم يمت بعد، كما تخرج من جدار الدماء إلى اللحم بسبب نقص المقاومة في جدر هذه الأوعية الدموية فيصبح الحيوان مستودعاً ضخماً لهذه الجراثيم الضارة.
ثم تفتك هذه الجراثيم المتكاثرة بصحة الحيوان حتى الموت، وموته في هذه الحالة يعني وجود خطر كبير في جسد هذا الكائن الذي يموت مختنقاً.
أما الحيوان الذي يموت ضرباً فيقول الدكتور جون: يصاب هذا الحيوان كذلك بالموت البطيء كالمختنق تماماً فيقع له ما وقع للمختنق؛ وزيادة على ذلك فان الضرب يتسبب في تمزيق الأوعية الدموية في مكان الضرب، كما يمزق الخلايا فيه، فيختلط تركيب الدماء مع تركيب الخلايا مما يتسبب في حدوث تفاعلات للمواد السامة الضارة(18).
ولذلك تلحظ وجود تورم يقع في مكان الضرب إن هذا التورم الحادث سببه وجود التفاعلات الكيميائية الضارة التي أصبحت مولدات لمواد سامة إلى جانب التسلخ الذي يحدثه الضرب بجسم الحيوان. وبهذا يصبح الحيوان الذي مات من الضرب مستودعاً للجراثيم الضارة وخطراً على صحة الإنسان.
كما يقول عن الحيوان الذي يسقط من مكان عالٍ وهو الذي يسمى: (المتردية) الحيوان الذي يموت بهذه الطريقة تكون حالته مثل حالة الذي مات بالضرب، ففي مكان السقوط يحدث التمزق ويبدأ بالموت موتاً بطيئاً... وحتى لو مات مباشرة بعد السقوط فان الجراثيم تغزو الجسم بسرعة، ولذلك نجد أن العفونات سرعان ما تتصاعد من جسم هذا الكائن دليل على ما يوجد فيه من جراثيم وميكروبات خطيرة.
كما سئل الدكتور عن الحيوان الذي يموت بسبب التناطح فقال: الموت بهذه الطريقة يشابه الذي يموت ضرباً ولكنة أخطر، ففي الغالب أن الحيوان عندما ينطح بقرنه تتم عملية النطح في منطقة البطن، وبالأخص في الأمعاء، فيدخل القرن ملوثاً بالجراثيم إلى الدماء في أمعاء الحيوان الآخر، وتجري الدماء في جسمه، ثم يموت تبعاً لذلك. ويشكل تناول لحم الحيوان في هذه الحالة خطراً محققاً على صحة الإنسان.
كما سئل عن الحيوان الذي يموت بسبب افتراس حيوان آخر له فقال: معلوم أن مخالب السبع مملوءة بالجراثيم، فإذا غرسها في جسم هذا الحيوان سارت تلك الجراثيم في دمه؛ عندها يموت الحيوان ببطء ويصبح مستودعاً للجراثيم الضارة أما عندما يذبح الحيوان بالطريقة المعهودة عند المسلمين؛ نكون قد استخلصنا المصدر الأساسي لنقل هذه الجراثيم وهو الدم، ولا يمكن بعدها السماح بانتقالها إلى الأعضاء.
وإذا ذبح الحيوان قبل موته تخلص الجسم من هذه المادة التي تسبب انتقال هذه الجراثيم إليه؛ لان الدم هو السائل الحيوي المهم في جسم الكائن الحي والذي يستطيع مقاومة ملايين الطفيليات بما يحويه من كرات بيضاء وأجسام مضادة مادام الكائن حياً وفي درجة حرارته الطبيعية، فإذا مات الحيوان وتوقف الدم عن الجريان أصبحت الميكروبات بدون مقاومة، وفي هذه الحالة يكون أسلم الطرق هو الإراقة الكاملة لهذا الدم، وإخراجه من الجسم في أسرع وقت ممكن(19).
|