وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قــال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟" قلت: نـعم! يا رسول الله، قال: "فترى قلة المال هو الفقر؟" قلت: نعم! يا رسول الله. قال: "إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب"الحديث(17).
وتلك حقيقة لا مرية فيها؛ فكم من غني عنده من المال ما يكفيه وولدَه ولو عُمِّر ألف سنة؛ يخاطر بدينه وصحته ويضحي بوقته يريد المزيد! وكم من فقير يرى أنه أغنى الناس؛ وهو لا يـجـد قــوت غــده! فالعلة في القلوب: رضيً وجزعاً، واتساعاً وضيقاً، وليست في الفقر والغنى.
ولأهـمـيـة غـنـى القلب في صلاح العبد قام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطيباً في الناس على المنبر يقول: "إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه"(18)، وســـئـل أبو حازم فقيل له: ما مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، والــيـأس مـمـا في أيدي الناس(19)، وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك، ورضاك بما يكفيك(20).
7 - العز في القناعة، والذل في الطمع: ذلك أن القانع لا يحتاج إلى الناس فلا يزال عزيزاً بينهم، والـطـمــاع يذل نفسه من أجل المزيد؛ ولذا جاء في حديث سهل بن سعد مرفوعاً: "شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس"(21).
وكان محمد بن واسع - رحمه الله تعالى - يبلُّ الخبز اليابس بالماء ويأكله ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد(22).
وقال الحسن - رحمه الله تعالى -: لا تزال كريماً على الناس، ولا يزال الناس يكرمونك ما لم تَعَاطَ ما في أيديهم؛ فإذا فعلت ذلك استخفُّوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك(23).
وقال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى -: وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالاسـتـعـفـاف عـن مسألة الناس، والاستغناء عنهم؛ فمن سأل الناس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه؛ لأن المال مـحـبـوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه كرهوه لذلك(24).
والإمامة في الدين والسيادة والرفعة لا يحـصـلـها المرء إلا إذا استغنى عن الناس، واحتاج الناس إليه في العلم والفتوى والوعظ. قال أعـرابي لأهل البصرة: من سيد أهل هذه القرية؟ قــالـــوا: الـحـســن، قـــال: بِمَ سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم(25).
صور من قناعة النبي صلى الله عليه وسلم :
لـقـد كـان رســول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الناس إيماناً ويقيناً، وأقواهم ثقة بالله - تعالى - وأصلحهم قلباً، وأكثرهم قناعة ورضيً بالقليل، وأنداهم يداً وأسخاهم نفساً، حتى كان - عليه الـصـلاة والـسـلام - يفرِّق المال العظيم: الوادي والواديين من الإبل والغنم ثم يبيت طاوياً، وكان الرجل يُـسْـلــم من أجل عطائه صلى الله عليه وسلم ثم يحسن إسلامه. قال أنس - رضي الله عنه -: إن كان الـرجــل ليسلم ما يريد إلا الدنيا؛ فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها(26).
وقال صفوان بن أمية - رضي الله عنه -: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إليَّ؛ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ. قال الزهري: أعطاه يوم حنين مائة من النعم ثم مائة ثم مائة(27)، وقال الواقدي: أعطاه يومئذ وادياً مملوءاً إبلاً ونعماً حتى قال صفوان - رضي الله عنه -: أشهد: ما طابت بهذا إلا نفس نبي(28).
وقال أنس - رضي الله عنه -: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة"(29).
أما تلك الصورة الرائعة من بذله - عليه الصلاة والسلام - التي جعلت أقواماً وسادة وعتاة من أهل الجاهلية تلين قلوبهم للإسلام وتخضع للحق، فأمامها صور عجيبة لا تقل في جمالها عنها من قناعته - عليه الصلاة والسلام - ورضاه بالقليل وتقديم غيره على نفسه وأهله في حظوظ الدنيا؛ بل وترك الدنيا لأهل الدنيا، ومن ذلكم:
أولاً: قناعته صلى الله عليه وسلم في أكله:
أ - روت عائشة رضي الله عنها - تخاطب عروة بن الزبير - رضي الله عنهما - فقالت: "ابن أختي! إن كنا لننظر إلى الهلال د حشوناه بالبردي، فدخل أبو بكر وعمر عليه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم نائم عليه، فلما رآهما استوى جالساً فنظر، فإذا أثر السرير في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بـكـر وعمر - وبكيا -: يا رسول الله! ما يؤذيك خشونة ما نرى من ســريـرك وفـراشـــك، وهذا كسرى وقيصر على فرش الحريــر والديباج؟ فقال: لا تقولا هذا؛ فإن فراش كسرى وقيصر في النار، وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة"(34).
ثالثاً : تربيته صلى الله عليه وسلم أهله على القناعة:
لقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم أهله على القناعة بعد أن اخــتـــار أزواجه البقاء معه والصبر على القلة والزهد في الدنيا حينما خبرهن بين الإمساك على ذلك أو الفراق والتمتع بالدنيا كما قال الله تعالى (( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كـنـتـن تـردن الحـيـاة الـدنـيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلا . وإن كـنـتـن تردن الله ورســوله والـدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيما)) [ الأحزاب : 28،29].
فاخترن - رضي الله عنهن - الآخرة، وصبرن على لأواء الدنـيــا ، وضعف الحال، وقلة المال طمعاً في الأجر الجزيل من الله - تعالى - ومن صور تلك الـقـلة والـزهـد إضافة إلى ما سبق :
أ- ما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: " ما أكل آل محمد صلى الله عليه وسلم أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر"(35).
ب - وعنها - رضي الله عنها - قالت: " ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم"(36).
ولم يـقـتـصــر صـلى الله عليه وسلم في تربيته تلك على نسائه بل حتى أولاده رباهم على الـقـنـاعـة فقد أتاه سـبي مرة، فشكت إليه فاطمة - رضي الله عنها - ما تلقى من خدمة الــبـيـت، وطـلـبـت منه خادما يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال:"لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع"(37).
ولم يكن هذا المـسـلـك مــن القـناعة إلا اختيارا منه صلى الله عليه وسلم وزهداً في الدنيا، وإيثاراً للآخرة.
نعم إنه رفض الدنيا بعد أن عرضت عليه، وأباها بعد أن منحها، وما أعطاه الله من المال سلطه على هلكته في الحق، وعصب على بطنه الحجارة من الجوع صلى الله عليه وسلم. قال عليه الصلاة والسلام : " عــرض عـلـي ربـي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت:لا يا رب؛ ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تــضـرعــت إلـيــك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك"(38).
الهوامش :
(1) لسان العرب ، مادة (قنع) (11/321)
(2) معجم مقاييس اللغة مادة (قنع) (5/33)
(3) لسان العرب ، مادة (زهد (6/97)
(4) معجم مقاييس اللغة مادة (زهد) (3/30)
(5) مجموع الفتاوى (11/27) وانظر مكارم الأخلاق عند ابن تيمية (259).
(6) مختصرا من أدب الدنيا والدين (328 - 329).
(7) انظر هذه الآثار في جامع العلوم والحكم (2/147) شرح حديث رقم (31).
(8) أخرجه عن علي والحسن الطبري في تفسيره (14/17) عند تفسير الآية (97) من سورة النحل ، وأخرجه الحاكم عن ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي (2/356).
(9) نزهة الفضلاء : ترتيب سير أعلام النبلاء (1504).
(10) أخرجه ابن ماجة (4217) والبيهقي في الزهد الكبير (818) وأبو نعيم في الحلية (10/365) وحسنة البوصيري في الزوائد (3/300).
(11) أخرجه احمد (6/19) والترمذي (2249) وقال : حسن صحيح ـ والحاكم وصححه على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي (1/34).
(12) أخرجه مسلم (1054) والترمذي (2349).
(13) أخرجه ابن أبي الدنيا في اليقين (118) الروح: الاستراحة .
(14) القناعة لابن السني (58) عن موسوعة نضرة النعيم (3173)
(15) انظر فتح الباري لابن حجر العسقلاني (11/277).
(16) أخرجه البخاري (6446) ومسلم (1051).
(17) أخرجه ابن حبان في صحيحه (685).
(18) أخرجه أحمد في الزهد (117) وأبو نعيم في الحلية (1/50).
(19) الحلية لأبي نعيم (3/231).
(20) إحياء علوم الدين (4/212) عن نضرة النعيم (3174).
(21) أخرجه أبو نعيم في الحلية (3/253) والقضاعي في مسند الشهاب (151) والحاكم وصححه (4/324).
(22) إحياء علوم الدين (3/293).
(23) الحلية (3/20).
(24) جامع العلوم والحكم (2/168).
(25) جامع العلوم والحكم (2/169).
(26) لطائف المعارف (307).
(27) مغازي الواقدي (2/854).
(28) أخرجه مسلم في الفضائل (2312).
(29) أخره البخاري (6459) ومسلم (2973).
(30) أخرجه مسلم (2974).
(31) أخرجه البخاري في الرقاق (6457).
(32) أخرجه أحمد (1/391) والترمذي وقال حسن صحيح (2378) وابن ماجه (419) والحاكم (4/310).
(33) أخرجه ابن حبان (704) ونحوه من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في قصة إيلائه من نسائه عند أحمد (1/33) والبخاري (2468) ومسلم (1479).
(34) أخرجه البخاري (6455) ومسلم (2971).
(35) أخرجه مسلم (2970).
(36) أخرجه البخاري (6454) ومسلم (2970)
(37) جزء من حديث أخرجه أحمد (1/97-106-153) والبخاري في الفضائل وفي فرض الخمس وفي النفقات وفي الدعوات (7/71)
(38) أخرجه أحمد (5/452) والترمذي وحسنه (2348) وأبو نعيم في الحلية (8/331) وفي سنده علي بن يزيد يضعف .
|