النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحسنُ النَّاس ترتيبًا لجميع شؤونه
.:.
قبلَ سياق الكلام في هذا المبحث ، اُذَكِّرَ مَنْ تذرَّعَ و تعذَّرَ بكثرة مشاغله ، و اشتكى من عدم قيامه بالوازمها فأقول له :
لو فتشت في كتب التراجم و التاريخ فلن تجد أحدًا أكثر شغلا من - النبي صلى الله عليه وسلم -
ومع كثرة مشاغله فقد كان يقوم بها على أحسن وجه و أكمل صورة , و مصداق ذلك هو شاهد المقال
أن الناظر و المتتبع لما جاء في كتب الحديث و السِّير و الشمائل في سيرة النبي - صلى الله عليه و سلم -
مع الناس ومع خاصة أهله يعجب من كثرة مشاغله و شؤونه ، و يزداد عجبه من قيام النبي بها بعناية تانة
و يبلغ الجب شأوًا بعيدًا إذا رأى في حياته - صلى الله عليه و سلم - أوقاتًا للترويح عن نفسه و عن أهل بيته
ناهيك عن القيام بشؤون أهل بيته أتمَّ قيام و أكمله ، و بالمتال يتضح المثال :
كان - صلى الله عليه وسلم - يقوم بأعمال متنوعة خاصة و عامة داخل المدينة و خارجها
فمن ذلك : تبليغ العلم ، و قيادة الجيش ، و استقبال الوفود ، و إمامته بالناس جُمُعة و جماعة
و إفتاؤه للناس ، و إجابة أسئلة غير المسلمين رجاء هددايتهم ، و تقسيم الغنائم ، و عيادة المرضى
و تشييع الجنائز ، و زيارة المقابر ...
زد على هذا أنه كان يُؤتى بالصبيان فيبرك عليهم و يحنكهم و يدعو لهم ، و كان يأتي ضعفاء المسلمين
و يزورهم ، و يعود مرضاهم ، و يشهد جنائزهم ، و كان يزور الأنصار و يسلم على صبيانهم و يمسح رؤوسهم
و كان يقبلالهدينة و يُثيب عليها ، و يمشي مع صاحب الحاجة ليقضي حاجته، و يشفع
إذا طُلبت منه الشفاعة ...
و أما فيما يتعلق بالنوافل ، فأمر عُجاب .. فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يُصلي قبل الظهر أربعا
و أحيانًا ركعتين ، و بعدها كذلك ، و بعد المغرب ركعتين
و بعد العشاء ركعتين
و قبل الفجر ركعتين
و يُصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، و كان يقوم حتى تتفظر قدماه ؟؟
و لم يُضيع حق أهله ، بل قال : [ خيْرُكم خيْرُكُمُ لأهله ، و أنا خيركم لأهلي ]
فكان - صلى الله عليه و سلم- يرقي من مَرض من أهله ، و يداعب أبناءه و أحفاده .
و مع ذلك كله لم يضيع حقَّ نفسه فأعطى جسده حقه ؛ فكان يصوم و يُفطر
و يقوم و ينام ، و يأكل اللحم ، و من عنايته بنفسه و شؤونه الخاصة أنه كان يخصف نعليه
و يرقع قميصه ، و ينحر أضحيته ، و يحلب شاته ، و يرقي نفسه .
و كان من عنايته بنفسه أيضا أنه كان أنظف الناس - صلى الله عليه وسلم -و كان يُعرَف بريح الطِّيب
إذا أقبل .
و مع هذه الأعمال المتنوعة المتكررة فقد بقي في وقته زمانٌ للترويح ، فقد سابق بين الخيل الخيل المضمرة
و الخيل التي لم تضمر .
و كان ينظر إلى بعض أهل الحبشة و هم يلعبون بحرابهم و أطال النظر إلى لعبهم ليتمكن أهله من النظر
إلى لعبهم ، و سابق عائشة - رضي الله عنها - ..
إلى غير ذلك مما يصعبُ تدوينُه فضلا عن حضر مما كان يقوم به - صلى الله عليه وسلم - من الأعمال
التي لو قسمت على سبعين لوسعتهم ، بل قد تزيد عليهم ،،
لكن بتوفيق الله تعالى له ثمَّ بعنايته - صلى الله عليه وسلم - بأموره و ترتيبها مما جعلها تكون على أحسن
حال و أتمَّ كمال .
طالب العلم
بين الترتيب و الفوْضَويَّة
لتعرف قيمة الترتيب و عظيم أثره و آثاره في حياة طالب العلم ..
قارن بيَّنَ طالبي علم :
أحدهُمَا : حريصٌ على أوقاته لا يفرِّط في جزئيات وقته فضلاً عن كلياتها
يُقسِّم أوقاته على ما يحْتاجُ مِنَ الأمُور بعنايةٍ تامَّة .. كل ذلك بترتيب ذهني مُسبق
ثمَّ يبدأ يومه أو أسبوعه أو شهْره أو عامه و قد رَسَمَ خطَّة أعماله ، فتراه - بإذن الله -
منتظما في مسيرته ، تُقضى أوقاته أو يُحصِّل مُرادهُ بفضْل الله تعالى ثمَّ بعنايته بالترتيب .
بينما ذلك الذي لم يُرتب أموره و أخذ الأمر بفوضى ، و عشوائية
تراهُ يهدر أوقاته ، و يُنْهِكَ جوارحه و يتعب نفسه ، بل و قد يتعب غيره و قد يضر
نفسه و غيره بسبب تلكَ الفوْضوية المذمومة شرعًا و عقلا .
فطالبٌ العلم قدوة في شأنهِ كله ؛ فإنْ أحسنَ و تأثَّرَ به مَنْ خَالَطَهُ فذلكَ نفْعٌ للجَميِع ،،
أمَّا إنْ كَانَتْ الأخرى - بأن عرف عنه إضاعته لأوقاته و تفريطه في أموره تجاه نفسه و تجاه الآخرين -
و تأثَّر به من خالطه ، فذلك ضررٌ على الجَمِيع .
يُتبع >>