قال الإمام الشافعي
السماحة وحسن الخلق
إذا سبنـي نـذل تزايـدت رفعـه***وما العيب إلا أن أكـون مساببـه
ولو لم تكن نفسـي علـي عزيـزة***لمكنتها مـن كـل نـذل تحاربـه
ولو أنني اسعـى لنفعـي وجدتنـي***كثير التوانـي للـذي أنـا طالبـه
ولكنني اسعـى لأنفـع صاحبـي***وعار على الشبعان إن جاع صاحبه
العفو والسماحة ودفع السيئة بالحسنة..
كيف يجب أن يكون المسلم..؟
من الآيات القرآنية الكريمة التي أنزلها الله تعالى، لتسمو بالمؤمن إلى أعلى درجات العفو والتسامح، تلك الآية التي نزلت في شأن أبي بكر الصديق وابن خالته مسطح بن أثاثة، الذي شارك في حديث الإفك الباطل..
فقد كان مسطح من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر، رضي الله عنه ينفق عليه لقرابته منه، فلما وقع حديث الإفك، وعلم أن مسطحاً كان من المتورطين فيه، حلف أن لا ينفق عليه أبد الدهر لظلمه لابنته ووقوعه في عرضها.
فأنزل الله تعالى في ذلك: (( وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )) [النور:22، وراجع الجامع لأحكام القرآن (12/207ـ209) في تفسير الآية].
لقد كان أبو بكر، رضي الله عنه رفيقا رحيماً كثير الشفقة والرحمة، ولم يكن من عادته الشدة والقسوة، كما هو معروف عنه وعن سيرته رضي الله عنه..
ولكن شأن هذه الحادثة المفتراة كان لا يحتمل، فقد كان يتناول عرض ابنته أعف نساء العالم وامرأة أفضل الأنبياء والرسل، ينزل جبريل في بيتها فيتلو وحي الله على نبيه..
فلم يكن غضب أبي بكر رضي الله عنه انتقاماً لنفسه وإنما كان لله - وإن كانت نفسه البشرية لا ترضى بالضيم الواقع عليها - وكان ما ينفقه على مسطح فضلاً منه وإحساناً -.
فرأى أنه لا يستحق ذلك الفضل والإحسان، لعظم مساءته التي اقترفها، فقطع عنه النفقة، ومع ذلك يؤكد الله تعالى عليه تلك التأكيدات المتوالية، ليعفو ويصفح عن مرتكب ذلك الذنب العظيم، ويعيد إليه فضله..
فقد نهاه في الآية الأولى عن الاستمرار في حلفه: (( وَلا يَأْتَلِ )) وذكره بالقرابة التي شرع الله وصلها، وبالمسكنة التي يستحق صاحبها الرحمة والإحسان، وبالهجرة التي هي من أعظم ما يتقرب به المسلم إلى ربه في سبيل دينه، ثم أمره بالعفو والصفح..
ثم أتبع ذلك بالتشويق الذي لا يقدر المؤمن العادي على عدم الاستجابة له، فضلاً عن أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبي بكر الصديق رضي الله عنه..
(( أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ))..؟؟؟
وكأن الله تعالى يذكر المؤمن بأنه إذا اعتدى عليه أخوه المؤمن فليغضب لانتهاك حرمة الله المتعلقة به، ولكن عليه أن يتجاوز عن زلة أخيه ويعفو كما يحب أن يعفو الله عنه إذا عصاه.
وهكذا يجب أن يكون تصور المسلم..
التفريق بين ما يجب الغضب فيه وعدم التساهل فيه، وبين ما ينبغي العفو والصفح عنه..
فالغضب يكون فيما تنتهك فيه حرمات الله..
والعفو والصفح فيما يتعلق بالشخص المظلوم أو فيه ضرر بالظالم، والضرر في قصة أبي بكر مع مسطح هو قطع النفقة التي هي من ضرورات الحياة.
وحث الرسول صلى الله عليه وسلم على العفو والسماحة حثاً عاماً وذكر ما يترتب على ذلك عند الله سبحانه وتعالى.
روى أبو هريرة رضي الله عنه:
عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ) [مسلم (4/2001) والترمذي (4/376)].
كثير من الناس إذا ظلمه أحد وناله بأذى، ثارت ثائرتهم وظنوا أن تنازلهم عن حقهم بالعفو عمن اعتدى عليهم إهانة لهم..
ولكن الأمر عند الله ورسوله على عكس ذلك، فالتنازل عن الحق والعفو عن الناس - إذا لم يكن في العفو إعانة على استمرارهم في الظلم والاعتداء - يعد عزاً ورفعة عند الله جل وعلا، وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، كما أن التواضع لله سبب في رفع الله درجة من تواضع له..
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو قدوة الأمة في العفو والسماحة.. فقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه..؟
فقالت:
"لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخَّاباً بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح".. [الترمذي (4/369) وقال: هذا حديث حسن صحيح "الصخب كالسخب: الضجة واضطراب الأصوات للخصام"].
وظهر عفوه صلى الله عليه وسلم وسماحته في سيرته مع أصحابه، ومع غيرهم، والحوادث في ذلك لا تحصى كثرة، ولكنا نذكر منها شيئاً يسيراً للتمثيل فقط.
من ذلك ما رواه أبو هريرة، رضي الله عنه:
أن رجلاً تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأغلظ له، فهمَّ به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم..
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا )..
ثم قال: ( اشتروا له بعيراً فأعطوه إياه ) فطلبوه، فلم يجدوا إلا سناً أفضل من سنه..
فقال: ( اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء ). [البخاري (3/61ـ62) ومسلم (3/1225)].
رجل له دين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يغلظ له القول في تقاضيه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يصل إلى منزلته أحد من بني البشر، مهما أوتي من قوة وسلطان، يفديه أصحابه بأرواحهم صادقين غير منافقين..
فيهمون بالرجل ليؤدبوه حتى لا يتطاول على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه ينهاهم ويذكرهم بأنه صاحب حق، وصاحب الحق جريء.
ثم يأمر صلى الله عليه وسلم بقضاء الرجل حقه، فلم يجدوا إلا ما هو أفضل من حقه، فيأمرهم بإعطائه الأفضل، ويربي أصحابه رضي الله عنهم على ذلك الخلق العالي، ليترسموا خطاه فيحسنوا إلى من أساء إليهم زيادة على العفو والسماحة.
وتطاول على جنابه الكريم صلى الله عليه وسلم، رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول - قبل أن يظهر إسلامه - وحاول أن يشعل نار الفتنة بين الناس فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن هدأ الناس وأطفأ نار الفتنة التي أشعلها ابن أبي، وعفا عن ذلك المجرم..
فكان قدوة لأصحابه في العفو عن أعدائهم - وإخوانهم من باب أولى - والقصة طويلة، ولكن نقل نصها أفضل من ذكر محل الشاهد، لما فيها من الفوائد المتعلقة بالموضوع.
روى أسامة بن زيد رضي الله عنه:
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ركب على حمار عليه قطيفة فَدَكية وأسامة وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني حارث بن الخزرج قبل وقعة بدر..
فسار حتى مر بمجلس، فيه عبد الله بن أبي بن سلول - وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي - فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة.
فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خَمَّر ابن أبي أنفه بردائه، وقال: لا تغبِّروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم وقف فنـزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن..
فقال له عبد الله بن أبي بن سلول:
أيها المرء، لا أحسن مما تقول، إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا، فمن جاءك فاقصص عليه.
قال عبد الله بن رواحة:
بل يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك..
فاستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب )؟ يريد عبد الله بن أبي..
قال: ( كذا وكذا )..
فقال سعد بن عبادة: أي رسول الله بأبي أنت اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه بالعصابة..
فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك، شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى…". [البخاري (7/120ـ121) ومسلم (3/1422ـ1424)].
تأمل قوله:
"وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى".
العفو عن العدو أمر به الله، والقدوة الحسنة في تنفيذ أمر الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا اقتدى به أصحابه..
والعفو لا يكون إلا بالصبر على الأذى، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن الأعداء، ويصبرون على أذاهم بأمر من الله فما بالك بالعفو عن المسلمين..؟
وحض الرسول صلى الله عليه وسلم على العفو والسماح في البيع والشراء، ودعا للسَّمح في بيعه وشرائه وتقاضيه بالرحمة..
كما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( رحم الله رجلاً سمحاً إذ باع سمحاً إذا اشترى، وإذا اقتضى ).. [البخاري (3/9)].
وقص صلى الله عليه وسلم ما ناله رجل فيما مضى من تجاوز الله عنه، لتجاوزه هو عن خلق الله..
كما روى أبن مسعود، رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله: (حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه يخالط الناس وكان موسراً، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال الله عـز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه ).. [مسلم (3/1196) رواه البخاري من حديث أبي هريرة (3/10)].
وأمر كل أصحابه بالإحسان، ونهاهم عن الظلم، وإن أساء الناس وظلموا..
كما في حديث حذيفة، رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا ). [الترمذي (4/364) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه].
وكان صلى الله عليه وسلم يأمر صاحب الدين أن يتنازل للمدين عن شيء من دينه عفوا وسماحة..
كما روى كعب بن مالك، رضي الله عنه:
أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عنه، دين فلقيه فلزمه، فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما، فمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ( يا كعب ) وأشار بيده، كأنه يقول: النصف، فأخذ نصف ما عليه، وترك نصفاً. [البخاري (3/92) ومسلم (3/1192)].