علوم وفنون عربية فى روسيا ....
المخطوطات العربية في بطرسبرغ
[align=right]
صمت نهر (النيفا) -الذي يخترق (بطرسبرغ) عاصمة الشمال الروسي المدينة المليئة بالكنوز التاريخية والثقافية والأدبية والفنية- يخفي حكاية من حكايات هذه المدينة الجميلة تروي كيف غدت (بطرسبرغ) وعاء ثقافيا ونهرًا صبت فيه روافد مختلف الحضارات، ومنها الحضارة العربية
ويرتبط اسم هذه المدينة بحاكم روسيا القيصرية في القرن الثامن عشر (بطرس الأكبر) الذي فتح نوافذ بلاده على الغرب، وازدهرت روسيا في فترة حكمه ازدهارًا ملحوظا في جميع المجالات الاقتصادية منها والعسكرية، وبشكل خاص الثقافية والأدبية
بطرسبرغ يطلق عليها تاريخيا لقب العاصمة الأدبية والثقافية لروسيا، لما فيها من متاحف تعج بالكنوز الفنية، ومعاهد خرجت لفيفًا من ألمع الكتاب والساسة وعلماء الفلسفة والتاريخ والفنون
على أن (بطرس الأكبر) أراد الانفتاح أيضا على الشرق عموما، وعلى العالم العربي خصوصا
معروف أن (بطرس الأكبر) أمر بترجمة القرآن الكريم الذي نقل في حينه من الإنجليزية والفرنسية إلى اللغة الروسية، كما أمر أيضا بإرسال الاختصاصيين إلى منطقة العالم العربي للتعرف على ثقافة كانت مجهولة بالنسبة للروس
وقد تمت أول ترجمة للقرآن إلى الروسية عن الفرنسية عام 1616، وتلتها ترجمة ثانية عن الفرنسية أيضًا عام 1790، ثم عن الإنجليزية عام 1792، أما في عهد (كاثرينا الثانية) وبأمر منها تمت طباعة القرآن باللغة العربية عام 1787، في حين صدرت أول ترجمة للقرآن عن العربية عام 1871
مخطوطة عربية نادرة
وبطرسبرغ تشكل شاهدًا حيًا على تلاقي الحوارات العميقة بين الشرق والغرب من خلال أوراق صفراء عتيقة كتب فيها من الروائع النفيسة الأدبية والعلمية والفلسفية والفنية ما ظل خالدًا حتى يومنا هذا، إنها المخطوطات العربية
وقد يكون الاهتمام بالمخطوطات نوعًا من محاولة النبش في السطور البالية المطموسة، بغية التعرف على الحياة الماضية واستعادتها من جديد، بعد أن كانت مطمورة تحت الأرض أو في الصناديق المنسية مئات السنين
وللتعرف عن كثب على النفائس العربية في (بطرسبرغ)، كان لا بد من الالتقاء بالاختصاصيين الذين انكبوا على دراستها وتمحيصها وتفحصها والاحتفاظ بها، بغية نقلها إلى الأجيال لتكوّن بذلك نسيجا يجمع الماضي ويفتخر به، ويفرشه على بساط الحاضر كفرصة لتنعم الأجيال الجديدة بما يحتضنه من فوائد معرفية وعلمية. من هؤلاء الاختصاصيين الدكتورة (أولغا فرالوفا) التي غرقت سنين عديدة في بحر من البحث في المخطوطات العربية، حيث تعايشت معها منذ التحاقها بكلية الشرقيات في إحدى جامعات (بطرسبرغ)، إذ تتلمذت على يد الأكاديمي الشهير (إغناتي كراتشوفسكي)، ولنا مع هذا الاسم وقفة خاصة لما قدمه من فتح جديد في قصة المخطوطات العربية
(فرالوفا) تعتبر شاهدًا حيًّا على كيفية وصول المخطوطات العربية إلى (بطرسبرغ)، وفي ذاكرتها نسيج دافئ وصورة خلابة لتراث عظيم انتشر في كافة أنحاء العالم وفي الاتحاد السوفييتي السابق بشكل خاص، إذ يشغل من حيث عدد المخطوطات العربية المتوفرة فيه، المرتبة الرابعة في العالم بعد تركيا ومصر وإيران، ويستدل من آخر المعطيات أن الاتحاد السوفييتي السابق يحوز ما يربو على أربعة وأربعين ألف مجلدًا، عدا عن بضع عشرات الألوف من المحاضر والوثائق المدونة باللغة العربية
والمراكز الرئيسية التي يضم كل منها بضعة آلاف من النسخ هي مؤسسات الاستشراق، ودور المخطوطات في (بطرسبرغ) وطشقند وباكو، وثمة مجموعة غنية من المخطوطات العربية كذلك في (قازان) و(دوشنبيه) و(وتبليسي) و(ويريفان) و(موسكو) وطائفة من المدن الأخرى الأهم في ذكريات (فرالوفا) عشقها لمعلم المعلمين -كما وصفته- وتقصد بذلك الشيخ محمد عياد الطنطاوي أحد شيوخ الأزهر الذي وصل إلى (بطرسبرغ) عام 1840 وفي جعبته العشرات من المخطوطات العربية القيمة.
وتشير (فرالوفا) إلى أن الطنطاوي أسهم إسهاما كبيرا في تدريس اللغة العربية لجيل من المثقفين الروس أغنوا البحث فيما بعد بقصة المخطوطات العربية وقيمتها وأثرها على الروس من حيث الفائدة وغنى المعرفة التقدير والأمانة لدور معلم المعلمين دفعا (فرالوفا) إلى البحث عن قبره في أحد مقابر (بطرسبرغ)، وقد حدثتنا أنه توفي عام 1861، وبسبب عدم توفر السهولة والسرعة في نقل جثمانه إلى مصر في تلك الفترة تم دفنه في المدينة التي عمل فيها احدى وعشرين سنة
ميخائيل بيانزوفسكي
د. ميخائيل بياتروفسكي
أولا: أعتقد أنه في القرن التاسع عشر إرسال جثة إلى مصر كان شيء صعب جدًا، لا يمكن يكون مستحيل، مل شيء، كان لا يوجد شيء مستحيل لروسيا في القرن التاسع عشر، بس كان صعب جدًا، الشيء الثاني: أن المقابر الإسلامية مقبرة المسلمين موجودة في (بطرسبرغ) لأنه كان هنا دفنوا... [كلام غير مفهوم] ممكنا، والشيء الآخر لازم دفن الإنسان خلال يوم واحد، وهذه هي العادة الإسلامية أيضًا يمكن كانت لعبت دورها في هذا، ولكن أهم شيء أن هناك في ما كان يعيش في بلد غريب إطلاقًا
(سان بطرسبرغ) هو مدينة مسيحية والإسلامية، مِنْ أول الناس قاموا ببناء (سان بطرسبرغ) كانوا الجاليات والعائلات الإسلامية من الأولغا ومن دول أخرى، فالإسلام موجود هنا وعندنا -طبعًا هذا بعد الشيخ الطنطاوي- أجمل جامع المسجد في أوروبا موجود هنا وبجنب الكنيسة الرئيسية يعني، لا يمكن أن يكون في أي مكان آخر في أوروبا، وباعتقد أن أهم شيء عندنا أنه فيه مقابر موجودة مقبرة موجودة في (سان بطرسبرغ)
أكرم خزام:
الناس في هذه المقبرة لا يصدقون إمكانية وجود جثمان في هذا المكان دفن في تلك الفترة الغابرة، لكن العارفين ومنهم (فرالوفا) يصرون على وجوده تتمازج الفرحة بالعثور على الرمز الذي يطلق عليه لقب (معلم المعلمين) من جهة، وبالتعريف بقيمة غنية أدت قسطها في الحياة دون أن ترحل عنها بدون أثر يذكر من جهة ثانية
د. ميخائيل بياتروفسكي
أعتقد أنه الشيخ الطنطاوي موجود هنا في الراحة، وبالنسبة لنا هذا مهم جدًا، لأن هذا الإنسان العالم هو رمز من رموز هذا التقارب الثقافي بين الحضارة الروسية والحضارة العربية، موجود مدفون عندنا في مدينة (سان بطرسبرغ) هذا الرمز الذي واحد من رموز هذه المدينة التي هي مدينة التعاون بين مختلف القوميات والحضارات والأمم، هذه المدينة هي مدينة للروس، ومدينة للفينز، ومدينة للألمان، ومدينة للمسلمين والتتر، وإلى آخره نحن، مدينة لجميع الحضارات، ووجود الشيخ الطنطاوي وجثته معنا مدفون في (سان بطرسبرغ) هذا شيء قريب جدًا لقلوبنا هذا جيد و.. رمز بل أكثر من رمز لأنه -كما قلت- إن الطاقة الداخلية موجودة، نحن نحس بوجوده
أكرم خزام
تتفتح ذاكرة (فرالوفا) لتلقي الضوء على مؤلَّف للطنطاوي يتمتع بأهمية استثنائية -حسب رأيها- يسمى معجم اللهجة المصرية الذي يحتوي على قصص شعبية، وطرائف، ونصوص أغاني، وأمثال شعبية تعكس أجواء الحياة وغناها في مصر، وتشير فرالوفا إلى المخطوطات التي جلبها معه الطنطاوي من مصر، والخاصة بالفيلسوف ابن عربي ناهيك بمؤلفات عديدة عن الصوفية
الأهم أن مكتبات (بطرسبرغ) تحتفظ بمؤلفات الطنطاوي التي كتب فيها تأملاته وأفكاره عن فترة وجوده ومشاهداته عن عاصمة الشمال الروسي، ومن هذه المؤلفات تاريخ خمسة وعشرين سنة من تتويج قيصر روسيا نيكولاي الأول، وتاريخ قدوم سعادة عهد روسيا الأمير (ألكسندر) مع خطيبته الأميرة (ماريا) وتزوجه بها، وتاريخ رجوع الدوقة ماكسمليان لهتنبرنغ من مصر إلى بطرسبرغ، وتاريخ جلوس القيصر ألكسندر الثاني على عرش روسيا، ناهيك بجزء من تاريخ الخلفاء. كما تحظى المكتبات بآخر ما دونه الطنطاوي قبيل رحيله عن الحياة، وتبدو في الوريقات الصفراء -التي خَطَّ عليها خطوط قلمه- متعثرة وعاجزة عن الكتابة بيسر وحرية
وفي مكتبات ومعاهد بطرسبرغ تمتلئ الخزائن العتيقة بكنوز الثقافة العربية، حيث تتلهف الأيادي لتلمسها بغية غرف ما بداخلها من معانٍ وقيم فريدة عكست ثقافة العرب وتنوع إسهاماتهم في الطب والفلسفة والعلوم واللغة والجغرافيا والتاريخ وعلوم المنطق والفلك
أعمال ابن سينا والفارابي والرازي والبخاري وأبو حامد الغزالي والشيرازي ووحمزة بن الحسن الأصبهاني وعمرو بن بحر الجاحظ والسمرقندي، تشكل علامات فارقة أسهمت في تعريف الاختصاصيين الروس بمختلف مجالات الحياة التي طرقها العرب في الزمن الغابر
وتحتل أعمال الذبياني والمتنبي والفيروزآبادي وأبو الفرج علي الأصفهاني والقاسم بن علي الحريري وعبد الرحمن بن خلدون مكانة خاصة في الأمكنة التي تكتظ بها المخطوطات العربية في مكتبات ومعاهد بطرسبرغ، والأثر الذي أحدثته في تلقف محتويات هذه الأعمال بالنسبة للاختصاصيين الروس العاملين في حقول اللغة والأدب والفلسفة [/align]
|