رد احد الاخوة على هدا النقل وقال
اعلم - أخي الكريم - أن زيارة النساء للمقابر - فضلا عن إلقائهن السلام على الموتى عند مرورهن بمقابر المسلمين - جائزة ، بل مستحبة ، وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى تجويز الزيارة لهن ، ما لم يقع منهن محظور شرعي .
وهاك كلاما طيبا للشيخ الفقيه المحدث الألباني - رحمه الله تعالى ذكر فيه كتابه في ( أحكام الجنائز ) ، والكلام طويل ، لكن ذكرته - بطوله - لمزيد فائدة .
قال - رحمه الله - ص (229-237- طبعة المعارف ) : والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور ، لوجوه :
الأول : عموم قوله - صلى الله عليه وسلم – " .. فزوروا القبور " فيدخل فيه النساء ، وبيانه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نهى عن زيارة القبور في أول الامر ، فلا شك أن النهي كان شاملا للرجال والنساء معا ، فلما قال : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور " كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين ، فإذا كان الامر كذلك ، كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث وهو قوله : " فزوروها " إنما أراد به الجنسين أيضا ، ويؤيده أن الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في زيادة مسلم في حديث بريدة المتقدم آنفا : " ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم ، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الاسقية كلها ولا تشربوا مسكرا " ، أقول : فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجه إلى الجنسين قطعا ، كما هو الشأن في الخطاب الأول : " كنت نهيتكم " ، فإذا قيل بأن الخطاب في قوله : " فزوروها " خاص بالرجال ، اختل نظام الكلام وذهبت طراوته ، الأمر الذي لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم ، ومن هو أفصح من نطق بالضاد (1) - صلى الله عليه وسلم - ، ويزيده تأييدا الوجوه الآتية :
الثاني : مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور: " فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة " .
الثالث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رخص لهن في زيارة القبور ، في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - :
1 - عن عبد الله بن أبي مليكة : " أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر ، فقلت لها : يا أم المؤمنين من أين أقبلت ؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقلت لها : أليس كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن زيارة القبور ؟ قالت : نعم : ثم أمر بزيارتها " . وفي رواية عنها " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في زيارة القبور " .
أخرجه الحاكم (1 / 376) وعنه البيهقي (4 / 78) وابن عبد البر في " التمهيد " من طريق بسطام بن مسلم عن أبي التياح يزيد بن حميد عن عبد الله بن أبي مليكة ، والرواية الأخرى لابن ماجه (1 / 475) .
قلت : سكت عنه الحاكم ، وقال الذهبي " صحيح " ، وقال البوصيري في " الزوائد " (988 / 1): " إسناده صحيح رجاله ثقات " . وهو كما قالا .
وقال الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (4 / 418): " رواه ابن أبي الدنيا في " القبور " والحاكم بإسناد جيد " (2)
2 - عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما : ألا أحدثكم عني وعن أمي ؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدته ، قال : قالت عائشة : ألا أحدثكم عني وعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ؟ قلنا : بلى : قالت : " لما كانت ليلتي التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها عندي ، انقلب فوضع رداءه ، وخلع نعليه ، فوضعهما عند رجليه ، وبسط طرف إزاره على فراشه ، فاضطجع ، فلم يلبث إلا ريثما ظهر أنه قد رقدت ، فأخذ رداءه رويدا ، وانتعل رويدا ، وفتح الباب [ رويدا ] ، فخرج ، ثم أجافه رويدا ، فجعلت درعي في رأسي واختمرت : وتقنعت إزاري (3) ، ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع ، فقام فأطال القيام ، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت ، وأسرع فأسرعت ، فهرول فهرولت ، فأحضر فأحضرت ، فسبقته ، فدخلت ، فليس إلا أن اضجعت ، فدخل فقال : مالك يا عائش (4) حشيا (5) رابية ؟ قالت : قلت : لا شئ [ يا رسول الله ] ، قال : لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير ، قالت : قلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ، فأخبرته [ الخبر ] ، قال : فأنت السواد الذي رأيت أمامي ؟ قلت : نعم ، فلهزني في صدري لهزة (6) أوجعتني ، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسولُه !؟ قالت : مهما يكتم الناس يعلمه الله ، [ قال ] : نعم ، قال : فإن جبريل أتاني حين رأيتِ فناداني - فأخفاه منك ، فأجبته ، فأخفيته منك ، ولم يكن ليدخل عليك ، وقد وضعت ثيابك ، وظننت أن قد رقدت ، فكرهت أن أوقظك ، وخشيت أن تستوحشي – فقان : إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم ، قالت : قلت : كيف أقول لهم يا رسول الله ؟ قال : قولي :
السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون " .
أخرجه مسلم (3 / 14) والسياق له والنسائي (1 / 286 /، 2 / 160، 160 - 161) وعبد الرزاق (3/570-571) وأحمد (6 / 221) والزيادات له إلا الأولى ، والثالثة فإنها للنسائي ، وفي رواية لعبد الرزاق (3/576/6722) : كنت سألت النبي – صلى الله عليه وسلم – كيف نقول في التسليم على القبور ؟ فقال : فذكره .
والحديث استدل به الحافظ في " التلخيص " (5 / 248) على جواز الزيارة للنساء وهو ظاهر الدلالة عليه ، وهو يؤيد أن الرخصة شملهن مع الرجال ؛ لأن القصة إنما كانت في المدينة ، لما هو معلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - بنى بعائشة في المدينة ، والنهي إنما كان في أول الأمر في مكة ، ونحن نجزم بهذا وإن كنا لا نعرف تاريخا يؤيد ذلك ؛ لأن الاستنتاج الصحيح يشهد له ، وذلك من قوله – صلى الله عليه وسلم- : " كنت نهيتكم " إذ لا يعقل في مثل هذا النهي أن يشرع في العهد المدني ، دون العهد المكي الذي كان أكثر ما شرع فيه من الأحكام إنما هو فيما يتعلق بالتوحيد والعقيدة ، والنهي عن الزيارة من هذا القبيل ؛ لأنه من باب سد الذرائع ، وتشريعه إنما يناسب العهدَ المكي ؛ لأن الناس كانوا فيه حديتي عهد بالإسلام ، وعهدهم بالشرك كان قريبا ، فنهاهم - صلى الله عليه وسلم - عن إلزيارة لكي لا تكون ذريعة إلى الشرك ، حتى إذا استقر التوحيد في قلوبهم ، وعرفوا ما ينافيه من أنواع الشرك أذن لهم الزيارة ، وأما أن يدعهم طيلة العهد المكي على عادتهم في الزيارة ، ثم ينهاهم عنها في المدينة فهو بعيد جدا عن حكمة التشريح ، ولهذا جزمنا بأن النهي إنما كان تشريعه في مكة ، فإذا كان كذلك فأذنه لعائشة بالزيارة في المدينة دليل واضح على ما ذكرنا ، فتأمله فإنه شيء انقدح في النفس ، ولم أر من شرحه على هذا الوجه ، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمن نفسي(7) .
الرابع : إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأةَ التي رآها عند القبر في حديث أنس - رضي الله عنه - : " مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بامرأة عند قبر وهي تبكي ، فقال لها : اتقي الله واصبري.."
رواه البخاري وغيره ، وقد مضى بتمامه في المسألة (19) (ص 22) ، وترجم له " باب زيارة القبور " ، قال الحافظ في " الفتح " : " وموضع الدلالة منه أنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر ، وتقريره حجة " .
وقال العيني في " العمدة " (3 / 76) : " وفيه جواز زيارة القبور مطلقا ، سواء كان الزائر رجلا أو امرأة ، وسواء كان المزور مسلما أو كافرا ؛ لعدم الفصل في ذلك " .
وذكر نحوه الحافظ أيضا في آخر كلامه على الحديث فقال عقب قوله : " لعدم الاستفصال في ذلك " : " قال النووي : وبالجواز قطع الجمهور ، وقال صاحب " الحاوي " : لا تجوز زيارة قبر الكافر ، وهو غلط (8) . انتهى " .
وما دل عليه الحديث من جواز زيارة المرأة هو المتبادر من الحديث ، ولكن إنما يتم ذلك إذا كانت القصة لم تقع قبل النهي ، وهذا هو الظاهر ، إذا تذكرنا ما أسلفناه من بيان أن النهي كان في مكة ، وأن القصة رواها أنس وهو مدني جاءت به أمه أم سليم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة ، وأنس ابن عشر سنين ، فتكون القصة مدنية ، فثبت أنها بعد النهي ، فتم الاستدلال بها على الجواز .
وأما قول ابن القيم في " تهذيب السنن " (4 / 350) : " وتقوى الله ، فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ، ومن جملتها النهي عن الزيارة " . فصحيح لو كان عند المرأة علم بنهي النساء عن الزيارة وأنه استمر ولم ينسخ ، فحينئذ يثبت قوله : " ومن جملتها النهي عن الزيارة " أما وهذا غير معروف لدينا فهو استدلال غير صحيح ، ويؤيده أنه لو كان النهي لا يزال مستمرا لنهاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الزيارة صراحة وبين ذلك لها ، ولم يكتف بأمرها بتقوى الله بصورة عامة ، وهذا ظاهر إن شاء الله تعالى .
لكن لا يجوز لهن الإكثار من زيارة القبور والتردد عليها ؛ لأن ذلك قد يفضي بهن إلى مخالفة الشريعة ، من مثل الصياح والتبرج واتخاذ القبور مجالس للنزهة ، وتضييع الوقت في الكلام الفارغ ، كما هو مشاهد اليوم في بعض البلاد الاسلامية ، وهذا هو المراد - إن شاء الله - بالحديث المشهور : " لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ( وفي لفظ : لعن الله ) زوارات القبور " .
وقد روي عن جماعة من الصحابة : أبو هريرة ، وحسان بن ثابت ، وعبد الله بن عباس .
1 - أما حديث أبي هريرة ، فهو من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عنه .
أخرجه الترمذي (2 / 156 - تحفة) وابن ماجه (1 / 478) وابن حبان (789) والبيهقي (4 / 78) والطيالسي (1 / 171 - ترتيبه) وأحمد (2 / 337) ، وابن عبد البر (3/234-235) واللفظ الآخر للطيالسي والبيهقي ، وقال الترمذي : " حديث حسن صحيح ، وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي – صلى الله عليه وسلم - في زيارة القبور ، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء ، وقال بعضهم : إنما كره زيارة القبور في النساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن " .
قلت : ورجال إسناد الحديث ثقات كلهم ، غير أن في عمر بن أبي سلمة كلاما لعل حديثه لا ينزل به عن مرتبة الحسن ، لكن حديثه هذا صحيح لما له من الشواهد الآتية .
2 - وأما حديث حسان بن ثابت ، فهو من طريق عبد الرحمن بن بهمان عن عبد الرحمن بن ثابث عن أبيه به .
أخرجه ابن أبي شيبة (4 / 141) وابن ماجه (1 / 478) والحاكم (1 / 374) والبيهقي وأحمد (2 / 243) .
وقال البوصيري في " الزوائد " (ق 98 / 2) : " إسناده صحيح، رجاله ثقات " .
كذا قال ، وابن بهمان هذا لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي ، وهما معروفان بالتساهل في التوثيق ، وقال ابن المديني فيه : " لا نعرفه " ، ولذا قال الحافظ في " التقريب " : " مقبول " يعني عند المتابعة ، ولم أجد له متابعا ، لكن الشاهد الذي قبله وبعده في حكم المتابعة ، فالحديث مقبول .
3 - وأما حديث ابن عباس ، فهو من طريق أبي صالح عنه باللفظ الأول إلا أنه قال : " زائرات القبور " وفي رواية " زوارات " .
أخرجه ابن أبي شيبة (4 / 140) وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان (788) والحاكم والبيهقي والطيالسي والرواية الأخرى لهما ، وأحمد (رقم 2030، 2603، 2986،3118) وقال الترمذي : " حديث حسن ، وأبو صالح هذا مولى أم هاني بنت أبي طالب واسمه باذان ، ويقال : باذام " .
قلت: وهو ضعيف بل اتهمه بعضهم ، وقد أوردت حديثه في " سلسلة الاحاديث الضعيفة " (223) لزيادة تفرد بها فيه ، وذكرت بعض أقوال الأئمة في حاله فيراجع .
فقد تبين من تخريج الحديث أن المحفوظ فيه إنما هو بلفظ : " زوارات " لاتفاق حديث أبي هريرة وحسان عليه وكذا حديث ابن عباس في رواية الأكثرين ، على ما فيه من ضعف فهي إن لم تصلح للشهادة فلا تضر ، كما لا يضر في الاتفاق المذكور الرواية الأخرى من حديث ابن عباس كما هو ظاهر ، وإذا كان الأمر كذلك فهذا اللفظ " زوارات " إنما يدل على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة ، بخلاف غيرهن فلا يشملهن اللعن ، فلا يجوز حينئذ أن يعارض بهذا الحديث ما سبق من الأحاديث الدالة على استحباب الزيارة للنساء ؛ لأنه خاص وتلك عامة. ، فيعمل بكل منهما في محله ، فهذا الجمع أولى من دعوى النسخ ، وإلى نحو ما ذكرنا ذهب جماعة من العلماء ، فقال القرطبي : " اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج ، وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك ، وقد يقال : إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن ؛ لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء" .
قال الشوكاني في " نيل الأوطار" (4 / 95) : " وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر " (9)
[ الحواشي ] :
(1) هذا من صفته – صلى الله عليه وسلم - ، أم حديث " أنا أفصح من نطق بالضاد " فلا أصل له ، كما قال الشوكاني " الفوائد المجموعة " (321) .
(2) قلت : وقد أعله ابن القيم بشيء عجيب ، والأحرى بلا شيء ! فقال في " تهذيب السنن " (4 / 350) : " وأما رواية البيهقي فهي من رواية بسطام بن مسلم ، ولو صح ، فعائشة تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء " !
قلت : وبسطام ثقة بدون خلاف أعلمه ، فلا وجه لغمز ابن القيم له ، والإسناد صحيج لا شبهة فيه ، وقد احتج به أحمد فيما رواه ابن عبد البر في " التمهيد " (3/234) عن أبي بكر الأثرم ، قال : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن اللمرأة تزور القبر ؟ فقال : أرجو إن شاء الله أن لا يكون به بأس ، عائشة زارت قبر أخيها " .
وقد تابعه عبد الجبار بن الورد ، قال : سمعت ابن أبي مليكة يقول : ركبت عائشة ، فخرج إلينا غلامها ، فقلتُ : أين ذهبت أم المؤمنين ؟ قال : ذهبت إلى قبر أخيها عبد الرحمن تسلم عليه .
أخرجه ابن عبد البر وسنده حسن .
ولا يعله ما أخرجه الترمذي (2 / 157) من طريق ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة قال : توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بـ ( الحبشي ) ( مكان بينه وبين مكة اثنا عشر ميلا ) فحمل إلى مكة فدفن فيها ، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبدالرحمن بن أبى بكر فقالت :
وكنا كندماني جذيمة حقبة /// من الدهر حتى قيل : لن يتصدعا
فلما تفرقتا كأني ومالكا /// لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ثم قالت : والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت ، ولو شهدتك ما زرتك " . وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف" (4 / 140) ، واستدركه الهيثمي فأورده في " المجمع " وقال (3 / 60) : " رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح " ، فوهم في الاستدراك لإخراج الترمذي له ، ورجاله رجال الشيخين لكن ابن جريح مدلس وقد عنعنه ، فهو علة الحديث ، ومع ذلك فقد ادعى ابن القيم (4 / 349) أنه " المحفوظ مع ما فيه " . كذا قال ، بل هو منكر لما ذكرنا ولأنه مخالف لرواية يزيد بن حميد وهو ثقة ثبت عن ابن أبي مليكة ، ووجه المخالفة ظاهرة من قوله " ولو شهدتك ما زرتك " فإنه صريح في أن سبب الزيارة إنما هو عدم شهودها وفاته ، فلو شهدت ما زارت ، بينما حديث ابن حميد صريح في أنها زارت ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بزيارة القبور ، فحديثه هو المحفوظ خلاف ما ذهب إليه ابن القيم - رحمه الله تعالى - .
وأما ما ذكره من تأول عائشة فهو محتمل ، ولكن الاحتمال الآخر وهو أنها زارت بتوقيف منه - صلى الله عليه وسلم - أقوى بشهادة حديثها الآتي - .
(3) بغير باء التعدية ، بمعنى لبست إزاري فلهذا عدي بنفسه .
(4) يجوز في ( عائش ) فتح الشين وضمها ، وهما وجهان جاريان في كل المرخمات .
(5) بفتح المهملة وإسكان المعجمة ، معناه : وقع عليك الحشا وهو الربو والتهيج الذي يعرض للمسرع في مشيه من ارتفاع النفس وتواتره .
وقول : ( رابية ) أي مرتفعة البطن .
(6) اللهز : الضرب بجمع الكف في الصدر .
(7) وأما استدلال صاحب رسالة " وصية شرعية " على ذلك بقوله (ص 26) : وقد أقر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ابنته فاطمة - رضي الله عنها - على زيارة قبر عمها حمزة - رضي الله عنه – ".
فهو استدلال باطل ؛ لأن الإقرار المذكور لا أصل له في شيء من كتب السنة ، وما أظنة إلا وهما من المولف ، فإن المروي عنها - رضي الله عنها - إنما هو زيارتها فقط ليس في ذكر للإقرار المزعوم أصلا ، ومع ذلك فلا يثبت ذلك عنها ، فإنه من رواية سليمان بن داود عن جعفر بن محمد عن أبيه على بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت النبي - صلي الله عليه وسلم - كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده .
هكذا أخرجه الحاكم (1 / 377) ومن طريقه البيهقي (4 / 78) وقال : " كذا قال ، وقد قيل عن سليمان بن داود عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه دون ذكر على بن الحسين عن أبيه فيه ، فهو منقطع " .
وقال الحاكم : " رواته عن آخرهم ثقات " ! ورده الذهبي بقوله : " قلت : هذا منكر جدا ، وسليمان ضعيف " .
قلت : وأنا أظنه سليمان بن داود بن قيس الفراء المدني ، قال أبو حاتم : " شيخ لا أفهمه فقط كما ينبغي " وقال الأزدي : " تكلم فيه " ولهذا أورده الذهبي في " الضعفاء " ، وحكى قول الأزدي المذكور ، فلا تغتر بسكوت الحافظ على هذا الأثر في " التلخيص " ص (167) ، وإن تابعه عليه الشوكاني - كما هي عادته - في " نيل الأوطار " (4 / 95) !! على أنه وقع عند الأول : "على بن الحسين عن على " ، فجعله من مسند علي - رضي الله عنه - وإنما هو من رواية ابنه الحسين - رضي الله عنهما - ، كما عند الحاكم ، أو من رواية جعفر بن محمد عن أبيه كما في رواية البيهقي المعلقة ، فلعل ما في " التلخيص " وهو قوله : " عن علي " محرف عن " عن أبيه " .
وسقط هذا كله عند الصنعاني في " سبل السلام " (2 / 151) فعزاه للحاكم من حديث علي بن الحسين أن فاطمة ... ! ثم قال : " قلت : وهو حديث مرسل ، فإن علي بن الحسين لم يدرك فاطمة بنت محمد ) ! والحديث إنما هو من حديث علي بن الحسين عن أبيه على ما سبق بيانه .
(8) قلت : والدليل عليه في المسألة الآتية . وصاحب " الحاوي " هو أبو الحسن الماوردي ، ( ت 450) .
(9) وإلى هذا الجمع ذهب الصنعاني أيضا في " سبل السلام " ، ولكنه استدل للجواز بأدلة فيها نظر فأحببت أن أنبه عليها :
أولا : حديث الحسين بن علي – رضي الله عنهما – " أن فاطمة بنت النبي – صلى الله عليه وسلم – كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي " . أخرجخ الحاكم (1/377) وعنه البيهقي (4/78) وقال : " وهو منقطع " ، وسكت عليه الحافظ في " التلخيص " (5/248) وتبعه الصنعاني ! وسكوت هذين ، واقتصار البيهقي على إعلاله بالانقطاع قد يوهم أنه سالم من علة أخرى . وليس كذلك كما سبق بيانه قريبا .
ثانيا : حديث البيهقي في " شعب الإيمان " (7901) مرسلا : " من زار قبر الوالدين أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب بارا " .
سكت عليه الصنعاني أيضا ، وهو ضعيف جدا بل هو موضوع ، وليس هو مرسلا فقط كما ذكر الصنعاني ، بل هو معضل ؛ لأن الذي رفعه إنما هو محمد بن النعمان وليس تابعيا ، قال العراقي في " تخريج الإحياء " (4/418) : " رواه ابن أبي الدنيا وهو معضل ، ومحمد بن النعمان مجهول " .
قلت : وهو تلقاه عن يحيى بن العلاء البجلي بسنده عن أبي هريرة أخرجه الطبراني في " الصغير " (199) ويحيى كذبه وكيع وأحمد ، وقال ابن أبي حاتم في " العلل " (2/209) عن أبيه : " الحديث منكر جدا ، كأنه موضوع " .
وانظر تخريجه مفصلا في " الضعيفة " ( رقم : 49\ ) . انتهى كلام الشيخ – رحمه الله -
|