02-Jul-2009, 02:10 AM
|
رقم المشاركة : ( 2 )
|
|
عضو برونزي
|
وصاحب القَصَصِ التي أسوقُها بعدُ عبدٌ ألحَّ وأفرطَ في الإلحاح فَفُتحَ له البابُ مُوارباً غيرَ مُؤصدٍ، ورأى بصيصَ نورٍ فطمع في رحماتٍ تتنزل لم ينل منها إلا أمانِيَّ فيما سبق.
طلب الإخلاصَ والنجاةَ من الرياءِ فبُصِّرَ ببعضِ مواطنِ الغَبَشِ في عبادته فانحسر فرحه بها، وأخذ يتربص بنيته أن تحيد، فألفاها تحيد كثيراً، لكنه تعاهدها بفضل الله وحده، ومع ذلك لم يسلم، ومع المداومة ارتقى مرتبة بسيطة، وسار يجاهد نفسه أن تكون في الخلوة كما في الجلوة، وأن تستكين وتركن إلى توفيق الله في العمل لا إلى ذات العمل.
وبرزت أعمالٌ يحبها ويرغب أن يطهر نفسه بها، لكن خوف الرياء حجبه أن يقارفها، وهو يعلم من نفسه الضعفَ وهشاشةَ الإيمانِ، فلما علمَ أن تركَ العملِ خوفَ الرياءِ شركٌ، جاهدَ أن يعملَ ويُخلصَ، ثم رأى بصيص النور يزداد، وشعاعه يَسْطَعُ.
****
يُخرجُ هذا العبدُ تلكَ الحكاياتِ من خَلَجَاتِ نفسه، ويَهُشُّ عليها لترعى في سطوره، بعد طويل حدبٍ عليها ورعايةٍ لها كأنما يستعطفها ألا تزول إلا أن تُكتَبَ! وها هي بين يديك لتثرِّب عليه كلما مرت بك طائفةُ حزنٍ على حاله، أو جال بك أسى على جدته في الطريق بلا أنيس.
[grade="00008b ff6347 008000 4b0082"]بين فقيرين[/grade]
كان في يده فلوسٌ من فضل الله عليه، وقد توجه بهن فعلاً إلى ذلك المَعدُومَ الذي لا يسألُ إلحافاً ولا تكثراً، أراد أن يكون له مع المتصدقين سهمٌ، وبين المُنفِقِينَ مكان، لكنه في طريقه تذكر ذلك السائل الذي يلاحقه كلما لقيه بحاجته مستعطفاً مُلِحاً لا يكاد أن يدعُهُ وإن إعطاه إلا أن يستزيده، فأراد أن يرجع ويحبس فضل الله عن الأول ليعطيه للثاني، فكلهم محتاجٌ وعبيد لله، وهذا فضلُ اللهِ ومالُه.
وترك الفقيرَ المعدوم الأول وتوجه عائداً إلى السائل المُلحِفِ، وفي طريق العودة أخذ يسأل نفسه عن النية الجديدة: إنها لله لا شك، نعم سأجاهد أن لا يراني أحد من الخلق، سأخفيها حتى عن شمالي، وسأطوي المال حتى لا يلمح أحدٌ مقداره!
ولكن ومضةً أضاءت من عند الله وبفضله وحده:
ألم يخالط صدقتك حظُ النفسِ في التخلصِ من إلحاحِ ذلكَ السائلِ، فتضربَ عُصفُورَينِ بحجرٍ واحدٍ كما يقولونَ: صدقةٌ واحدةٌ، بمبلغٍ واحدٍ، والغرضُ رضاءُ اللهِ مع التخلصِ من إصرارِ ذلكَ السائلِ الملحف.
وقفز الضمير؛ ذلك الكائن الصغير المنزوي في ركن النفس، الرقيبُ على محركاتِ أعمالها وباعثها، وصادف يومها أن كان مستيقظاً نَشِطَاً، فَلَجَّ في المجادلة:
• أعِد على نفسكَ الغرضَ يا صاح: إن فيه "مع"، ليست خالصةً نيتُكَ إذاً !!!
• كيف: إنها لله، لا أريدُ بها إلا وجهه، وليسَ له شريكٌ من الخلق !!
• ألستَ أشركتَ نفسكَ مع ربكَ، لتريحها بذلكَ من عناءِ مواجهةِ ذلكَ السائل؟
عد إلى الفقيرِ الأولِ وخلِّص نيتك من شركها وشَوبِهَا، وتب إلى الله واستغفره.
انتابتني رعشةٌ من هول هذا الموقف، ورحتُ أستعيد المشهد لو أنني غفلتُ عن هذا الأمر وقدمت الصدقةَ مشركاً نفسي مع الله في إعطائها، ألم أكن حينئذٍ غارماً ضاع ماله على غير هدى؟ ثم تساءلتُ: كم من الصدقات؛ فات علىَّ ثوابها بهذا الشرك الخفيِّ وبقي غُرمُها؟ ومن يضمن لي أن تكون النية في هذه الصدقة التي تنبهت فيها بفضل الله إلى هذه الدقيقة الخفية - من يضمن لي - أن تكون خالصة من شركيات خفية أخرى؟
لقد جاهدتُ في إصلاح نيتي في جانبٍ واحدٍ: أخفيتها عن غيري من الخلق، وغفلتُ عن نفسي المخلوقة أيضاً، وكان يجب أن أخلص صدقتي من حظِّ نفسي كذلك، وعرفت لماذا كان الصالحون يخفون صدقاتهم التي يعطُونها بأيمانهم عن شمائلهم!
لكن إن بَصُرتُ بهذا مرة فضلاً من الله، فمن لي بهذه البصيرة كل مرة؟
إنني والحال على هذا الخفاء لوجلٌ خائف، أسأل مولاي كلَّ حينٍ أن يعيذني أن أشرك به وأنا أعلم، وأستغفرهُ لما لا أعلم.
وعرفتُ حينها لماذا "يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ" (المؤمنون 60)
بين طول الأمل وقصر الأجل
كان لنا جار؛ لصيق الدار، وكان من أهل التفريط والغفلة، وكان أكثر ما يكيدني منه إذا أقبل الناس على المكتوبة وهو يفترش وصيد بيته متكئاً لا يتحرك لداعي الله مجاهراً بذلك، وكم سلفت له موعظة من غير واحدٍ أن ينتهي أو يتستر فلم يفعل.
إلى هنا وهذا النموذج يتكرر ويَرِدُ على أحدنا، لكنَّ العجب مما أصابه بعدُ، إذ تنمر له كَبِدُهُ فأبى إلا أن يفري حشية بطنه، وجاش جوفه بالدم مراتٍ منذراً بخاتمة قريبة وشيكة، وزُرْتُهُ بَعْدُ أرعى حق جيرته مشفقاً، فرأيت منه عُكُوفَاً على كثير مما يُعدُّ مُوبِقَاً لصالح العمل فكيف بفاسده!
وأخذت أعجبُ وأعجبُ ممن هذا حاله: على باب الآخرة ينتظر الموت في أي لحظة، وهو لا يفتأ يقيم على مساخط الله، وخرجت من عنده أقلب كفاً على كفٍّ، وأقول: أيُنسأُ له في أجله لحظةً لا يستغلها من مطلعها إلى مغيبها في طاعات؟ لو أن هذا تاب من تقصيره وغفلته قبل أن تفلت منه نفسه؟ واأسفاً على من أعطي الفرصة فلم ينتهزها، وبانت له غنيمةٌ فلم يغتنمها! لو كنتُ مكانه لالتزمتُ الذكر على سائر أحوالي، ولقمت الليل لم أنم إلا إغفاءاً، ولجعلتُ لله تعالى مراضيَ تَجُبَّ المساخط التي سلفت مني، ولأقدمن الحمد والشكر على كل هُنَيْهَةٍ أتنفس فيها قبل مجيئ الموت، ولأفعلنَّ ولأفعلنَّ .....
ثم حانت مني التفاتةٌ إلى خواطري فإذا أنا وهو على حال واحد تماماً، لا يتزحزح وصف أحدنا عن الآخر قِيد أُنمُلةٍ: كلانا على باب الآخرة، كلانا ينتظر الموت في أي لحظة، بل ربما كنت أنا المقدم عليه بين يدي ملك الموت، ولربما كنتُ له عبرةً قبل أن يكون لي عِظة!
إنَّ أحدنا لَيظنُّ أنه بعافيته أنأى عن الموت من أصحاب الأمراض والآفات ...
وأنَّهُ بشبابِهِ أبعدُ عن الموتِ من عجائز عشيرته ...
وأنه بإقباله على الدنيا وطول أمله فيها وحسن عمارته لها أخلد ممن قُدِرَ عليهم رزقهم وأتاهم على ذلك كدحاً كداً ...
إن أحدنا ليس بمأمن من مكر الله به إن هو أساء الأدب واستطال الأجل، فإن الأجل وإن طال إلى حلول، وسوء الأدب وإن ظلله إمهالٌ فإلى إهلاك.
أسأل الله أن يُبَصِّرَنَا بِأحمدِ عواقبنا في الدنيا والآخرة، وأن يرزُقنا بَعْدَ البصيرةِ الميلَ إلى أحسنِ العملِ والقولِ، وأرشدِ الرأيِ والفكرِ، وأَسَدِّ الحكم.
[grade="00008b ff6347 008000 4b0082"]بين الروح والجسد[/grade]
خلق الله جل جلاله الإنسان من طين الأرض الطاهر، ونفخ فيه من روحه جل وعلا، ومن هنا حمل الإنسان تلك النفحة السماوية التي تسمو بأرضيته وطينيته.
وكثيراً ما نادى الله جل وعلا أهل الإيمان ليترفعوا عن جواذب الطين ومثقِلات الأرض، يقول تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ؟ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيل" (38) التوبة.
ومن باب جواز الفناء على كل المخلوقات كان البِلى حتماً على الشق الطيني من الإنسان وبقي الشق الذي نفخه ربنا من روحه لا يفنى، بل ينتقل من طور وحياة إلى طور وحياة أخرى.
إنني مع تلك الفكرة الزهدية التي ترى إخضاعَ الجسدِ بإذلالِه: ليس إلى حد الضرر والأذى أو إظهار المهانة والاستكانة، ولكن موازنةً بين العلو والتجبر على أمر الله وبين الخضوع والتذلل لعباد الله، فبينهما مساحة من العبودية الحقة لله مع التعزز بجنابه وقربه كذلك. قال بعض الزهاد: خالف نفسك بخطوة يحصل لك مقصودك.
إن الجسدَ في الدنيا أسيرُ الروح، تستخدمه وتُسَيِّرُهُ في الملكوت، تمتطيه وتذلِّلُه لرغاباتها وطموحاتها، قد سُخِّرَ لها لتسرح به في حدود الكون، كل ذلكَ إلى حينٍ وأجلٍ، والروح الذكية الزكية هي التي تحسن استغلال الجسد دون أن تستهلكه، وتوجهه إلى أبلغ مرابحها في أقصر وقتٍ وأقل جهد، وهي في تسييرها لهذا الجسد كقائدِ سَفِينٍ في عُبَابِ بحر ليس له إلا توجيهاتٌ عَلِمَهَا من قبل، يعلمُ منها أين مُتَّجَهُه، وله في وقود سَفِينِهِ ما يُشبه الشباب في الجسد، فإن فَنِيَ وقوده قبل بلوغ المرفأ، فليس بذاك.
وهو على ذلك الاستغلالِ الأمثلِ لا يدري على وجه اليقين متى يصلُ إلى المرفأ: فلربما واجهته الرياح بالأمواج العاتية فأخرته أو أغرقته فلم يرتدَّ إلى أرذل عمره أبدا. ولربما نفد منه زاده ووقوده قبل المرفأ فلم يبلغه.
وهكذا: فحسن العمل دليل حسن العاقبة، وصلاح المقدم مظنة حسن الجزاء ان شاء الله.
|
|
التعديل الأخير تم بواسطة ahellah ; 02-Jul-2009 الساعة 02:14 AM
|
|
|
|