آداب المعبر في تعبيره
وإذا رأيت في منامك ما تكرهه فاقرأ إذا انتهيت من نومك آية الكرسي ثم اتفل عن يسارك وقل: أعوذ برب موسى وعيسى وإبراهيم الذي وفى ومحمد المصطفى من شر الرؤيا التي رأيتها أن تضرني في ديني ودنياي ومعيشتي عز جاره وجل ثناؤه ولا إله غيره. واعرف الأزمنة في الدهر فإذا كانت الشجر عند حملها ثمارها فإن الرؤيا في ذلك الوقت مرجوة قوية فيها بطء قليل, وإذا كانت الرؤيا عند إدراك ثمر الشجر ومنافعها واجتماع أمرها فإن الرؤيا عند ذلك أبلغ وأنفذ وأصح وأوفق, وإذا أورقت الشجر ولم يطلع ثمارها فإن الرؤيا عند ذلك دون ما وصفت في القوة والبقاء دون الغاية, وإذا سقط ورقها وذهب ثمرها فإن الرؤيا عند تلك أضعف. والأضغاث والأحلام فيها عند ذلك أكثر, وإذا وردت عليك من صاحب الرؤيا في تأويل رؤياه عورة قد سترها الله عليه فلا تجبهه منها بما يكره أن يطلع عليه مخلوق غيره إن كان مبتلى لا حيلة له, ولكن عرض له حتى يعلمها إلا أن يكون له من ذلك مخرج أو يكون مصرا على معصية الله أو قد هم بها فعظه عند ذلك واستر عليه كما أمر الله تعالى, واستر ما يرد عليك من الرؤيا في التأويل من أسرار المسلمين وعوراتهم ولا نخبر بها إلا صاحبها, ولا تنطق بها عند غيره ولا تحكها عنه ولا تسمه فيها إن ذكرتها, ولا تحك عن أحد مسألة رؤيا إن كان فيها عورة يكرهها, فإنك إن فعلت ذلك اغتبت صاحبها, ولا تصدرن رأيك في مسألة حتى تفتشها وتعرف وجهها ومخرجها وقدرها واختلاف الطبائع التي وصفت لك, فإنك عند ذلك تبصر ما عمل الشيطان في تخليطها وفسادها عليك وإدخال الشبهات والحشو فيها, فإن أنت صفيتها من هذه الآفات التي وصفت لك ووجدت ما يحصل من كلام التأويل صحيحا مستقيما موافقا للحكمة فذلك تأويلها صحيح. وقد بلغني أن ابن سيرين كان يفعل كذلك, وإذا وردت عليه رؤيا مكث فيها مليا من النهار يسأل صاحبها عن حاله ونفسه وصناعته وعن قومه ومعيشته وعن المعروف عنده من جميع ما يسأله عنه والمجهول منه, ولا يدع شيئا يستدل به ويستشهد به على المسألة إلا طلب علمه.
علم الرؤيا لا بد له من ثلاثة أصناف من العلم
(واعلم): أن نفاذك في علم الرؤيا بثلاثة أصناف من العلم لا بد لك منها. أولها: حفظ الأصول ووجوهها واختلافها وقتها وضعفها في الخير أو في الشر لتعرف وزن كلام التأويل ووزن الأصول في الخفة والرجحان والوثائق فيما يرد عليك من المسائل, فإن تكن مسألة يدل بعضها على الشر وبعضها على الخير زن الأمرين والأصلين في نفسك وزنا على قوة كل أصل منهما في أصول التأويل, ثم خذ بأرجحهما وأقواهما في تلك الأصول, والثاني: تأليف الأصول بعضها إلى بعض حتى تخلصها كلاما صحيحا على جوهر أصول التأويل وقوتها وضعفها, وتطرح عنها من الأضغاث والتمني وأحزان الشيطان وغيرها مما وصفت لك, أو يستقر عندك أنها ليست رؤيا ولا يلتئم تأويلها فلا تقبلها. والثالث: شدة فحصك وتثبتك في المسألة حتى تعرفها حق معرفتها, وتستدل من سوى الأصول بكلام صاحب الرؤيا ومخارجه ومواضعه على تلخيصها وتحقيقها وذلك من أشد علم تأويل الرؤيا كما يزعمون, وفي ذلك ما يكون من العلم بالأصول, وبذلك يستخرج ويتوصل العابر, وإلا فالاقتداء بالماضين من الأنبياء والرسل والحكماء في ذلك أقرب إلى الصواب إن شاء الله فافهم
|