استجابة المريض للعلاج :
إن استجابة الحالات المرضية تختلف اختلافاً شديداً. فبعض الحالات المرضية كألم الشقيقة تستجيب غالباً بشكل جيد جداً، في حين أن غيرها كروماتزم المفاصل والربو تستجيب في بعض الأحيان وبشكل جزئي. وهناك أنواع من الحالات كالحالات المعدية والأمراض الخبيثة لا تستجيب مطلقاً، وإن كان يمكن إزالة بعض أعراضها. وعلى كل حال يمكن القول بأن العلاج بالإبر قد نجح نجاحاً تختلف درجته في علاج الأمراض الوظيفية المختلفة كالشقيقة والصداع المزمن والقرح ومشاكل الهضم والتهاب المفاصل والتهاب الأعصاب وعرق النسا والتهاب الجلد والأكزيما وضغط الدم العالي والكآبة والقلق والالتهابات الصدرية وكثير غيرها. أما الأمراض التي تحدث تغييراً في الأنسجة كالتهاب المفاصل الذي أدى إلى تغيرات في سطوح المفاصل فإن العلاج بالإبر لا يمكن أن يكون إلا علاجاً مساعداً لعلاج آخر وليس علاجا يتوقع منه أن يشفي هذه الحالات. وبالطبع ليست هذه التقسيمات سوى محاولة للخروج بإجابات محددة نوعاً ما للسائلين، وإلا فإن النظرة الكلية للمريض تقضي بعدم صحة ذلك تماماً لأن أسباب الحالة المعينة قد تكون مختفية بشكل يؤدي إلى إطلاق هذا الاسم عليها دون غيره مما يعرقل العلاج كما أوضحنا ذلك مراراً.
ثم هناك العامل الفردي بحيث لوحظ أن بعض من يعاني من حالات قلنا إنها لا تستجيب بدرجة كبيرة إلى العلاج بالإبر استجابت بشكل ملفت للنظر، في حين أن حالة أخرى تعتبر من الحالات التي تعالجها هذه الطريقة بسهولة لم تستجب.
ومن العوامل التي تؤثر في استجابة المريض للعلاج هو الوقت من اليوم، واليوم من الشهر الذي يعطى فيه العلاج! فإنه لمعروف منذ زمن بأن الكثير من الأفعال والعمليات الجسمانية لها إيقاع حيوي كذاك الذي يحدث لمدة يوم واحد أو 24 ساعة في أمور مثل درجة حرارة الجسم ومستويات الأملاح والهرمونات في الدم. ويفضل بعض المعالجين التقليديين أن تتم جلسات العلاج في ساعات مختلفة من النهار والليل للحصول على نتائج أفضل.
ومن العوامل التي تؤثر على العلاج الأدوية المتداولة. فبعض هذه الأدوية لها تأثير على الجهاز العصبي المركزي، بل إن منها ما يعطى لهذا السبب كالمهدئات ومضادات الكآبة. فكل مضادات الهستامين التي تستعمل للحساسية أو غثيان السفر غالباً ما يكون لها تأثير على الدماغ. إنه متوقع إذا أن تتعارض الأدوية التي تغير من حالة الدماغ الاعتيادية على العلاج بالإبر وتجعله أقل فائدة. كذلك فإن ملامسة النقاط التي عولجت بالإبر، سواء بالملابس أو باليد أو أية ملامسة تلقائية أخرى، في الأيام التي تعقب العلاج تعتبر تقوية للتحفيز الذي قامت به الإبرة على شكل استجابة التهابية من الأنسجة التي في نقطة العلاج. لذا فإن أي دواء مضاد للالتهاب سيقضي على هذا الأثر المهم والذي يطيل من عمر التحفيز العلاجي. ومن أمثلة هذه الأدوية الكورتزون والأسبرين والبيوتازوليدين التي ذكرنا لك بعض آثارها الجانبية في الفصل الأول، على أن هذه الأدوية تطرد من الجسم بسرعة بعد التوقف عن أخذها مما يجعل العلاج بالإبر ممكناً بعد ذلك.
ويعتقد البعض بأن عليهم أن يؤمنوا بهذا العلاج لكي يستفيدوا منه، وعامل الإيمان بالعلاج هذا يبدو أنه لا يؤثر كثيراً حسب تجربة الأطباء. إلا أن العامل النفسي وراء الموضوع ككل، أعني الرغبة في الشفاء، هي التي تؤثر قطعا على النتائج التي تحصل عليها بغض النظر عن نوع العلاج.
والاستجابة لهذا العلاج قد تكون بتخفيف الأعراض من حيث قوتها وترددها على المريض. وقد تتغير نوعا بأن تصبح أقل إزعاجاً بحيث أن المريض يستطيع أن يعتمد بشكل أقل على الأدوية التي كان يأخذها.
وقد يرى المريض أنه قد بدأ بعمل الفعاليات التي لم يكن يستطيع عملها قبل العلاج.
هذا، ولا تتوقع أن ترى تقدماً في الحال نحو الأحسن منذ الجلسة الأولى، وإنما بعد مرور عدة جلسات علاجية. وعندما يتوقف التحسن فإن المعالجة لا تعود مجدية سواء زالت الأعراض برمتها وبشكل كامل أم لا. وعندما تعود الأعراض بدرجة أخف بعد مدة، وهذا يحدث كثيراً، عندها تجب المعالجة حسب ما يرتأيه الطبيب. وعادة يعود الإنسان بعد ذلك إلى أفضل مما كان عليه، أي إلى أفضل مما حققته الفترة العلاجية الأولى. ويفضل أن تقيم مع الطبيب التحسن الذي حصل وفي أي المجالات بعد 5 إلى 10 جلسات.
ويجب أن تتوقع أن تشتد الأعراض في البداية، وهذا يحدث في الكثير من الحالات، وهو يدل على أن التحفيز قد حدث في نقاط لها علاقة بالمرض، وهو المطلوب. وقد أخبرناك بأن هذا رد فعل عادي جداً ومتوقع في كل العلاجات البديلة التي لا تسكت الأعراض كما هو الحاصل مع الطب المتداول، وإنما تخرجها إلى السطح ( وهذا هو الغرض من الأعراض ) وتحفز القوة الحيوية لكي تقضي عليها.
مع الإدمان والبدانة :
من الحالات التي نجحت طريقة المعالجة بالإبر فيها والتي نالت إعلاماً موسعاً حولها حالات البدانة والإدمان على التدخين والمخدرات والمشروبات الكحولية. فقد نجحت مع البدانة بنسبة 50% بشرط أن تكون لدى المريض الرغبة الحقيقية في تخفيف وزنه. إن الإبر لا تزيل الوزن الفائض وإنما فقط تقلل من أعراض الرغبة في الأكل عند الجوع.
أما الإدمان على التدخين فعادة يكون العلاج بالأذن الذي ذكرناه في الطرق الأخرى. أما نسبة النجاح فحوالي 60%.
ووصلت نسبة النجاح في الإدمان الكحولي إلى 75%. وهنا أيضاً وفي التدخين يعتمد النجاح على رغبة الشخص، وكل ما تفعله الإبر هو تخفيف أعراض الرغبة عند الامتناع كتوتر الأعصاب والدوار والصداع وغيرها.
وفي هذه الحالات توضع الإبر الصغيرة جداً في النقاط المعينة في الأذن وتترك لمدة أسبوعين أو ثلاثة، ثم ترفع عندما يحس المريض بانقطاع الرغبة. بعدها توضع لفترة أخرى وترفع لمدة أطول من الأولى، وهكذا لعدة مرات. وبعد أشهر يكون المريض قد تغلب على الحاجز النفسي وعلى الإدمان.
أما في الإدمان على المخدرات فقد وصلت النسبة إلى أكثر من80%، ولكن كانت نسبة الذين عادوا إليها بعد ذلك عالية أيضا. والسبب هو بقاء الأسباب التي أدت إلى ذلك وهي أسباب اجتماعية في المقام الأول.
مدة العلاج :
ليس سهلاً على الطبيب أن يحدد زمناً للعلاج أو عدداً للجلسات العلاجية وذلك لاختلاف الحالة المرضية بأعراضها ومريضهاً والظروف المحيطة. وهناك، في هذه الطريقة العلاجية، عامل آخر وهو تحديد النقاط العلاجية الواجب استعمالها فهناك المئات من النقاط وإن اختيار عدد من النقاط المناسبة لهذه الحالة ليس قضية محددة سلفاً في كتاب. على أن هناك أطر عامة تساعد الطبيب، حيث يختار النقاط القريبة من منطقة الشكوى وتلك التي من مناطق خروج الأعصاب ذات العلاقة وتلك التي في مناطق مؤلمة عند الضغط عليها وغير ذلك.
والعامل الآخر هو قوة العلاج، فهناك من المرض من استفاد من تحفيز أقل من غيره، والعكس صحيح. لهذا يفضل أطباء المعالجة بالإبر أن ينتظروا مرور عدة جلسات ثم يعطوا بعدها رأيهم حول طول مدة العلاج.
ويمكن أن تعطى الجلسات الخمس أو الست الأولى أسبوعيا، ثم تزاد المدة الفاصلة من ثلاثة إلى ستة أسابيع، ثم إلى ثلاثة أشهر. وهنا يختلف الحال أيضاً فبالنسبة لمني يشكو من ألم الشقيقة اليومي سيكون العلاج الأسبوعي مناسباً تماماً لأنه يستطيع أن يعرف التحسن في حالته لأنها تؤذيه يومياً، أما لمن كان يشكو من الألم شهرياً فلا بد من تغيير هذا الجدول العلاجي.
وتستغرق المراجعة الأولى من 30 إلى 60 دقيقة حيث إنها تتضمن أخذ التاريخ المرضي والتفاصيل الأخرى. أما المراجعات التي تليها فلا تزيد عن 15 دقيقة. وبالطبع تتطلب المراجعة وقتاً أطول إذا كان هناك وسائل علاجية إضافة إلى الإبرة مثل الكي بالميسم أو الكهرباء، أو إذا كان العلاج يستوجب ترك الإبر لمدة أطول من المعتاد وهكذا.
المخاطر :
في الأيدي الماهرة، تعتبر المعالجة بالإبر طريقة أمينة تماماً، إلا أنه لا بد من وجود مخاطر فيها حالها في ذلك كحال باقي العلاجات. وهذه هي :
1- العدوى، وهي من الممكن أن تحصل عند إدخال الإبرة غير المعقمة. ويتم تعقيمها بالبخار أو الفرن أو، وهو الأفضل، استعمال الإبرة مرة واحدة مع مريض واحد فقط. كما من الممكن أن تحصل العدوى من جلد المريض نفسه، وهنا لا بد من تعقيمه بالكحول.
2- تدمير الأنسجة، وهو ما يمكن أن يحصل عند إدخال الإبرة فتدمر الأوردة أو الأعصاب أو حتى، بدرجة أقل، أعضاء كبيرة كالرئتين مثلاً. وهنا يمكن أن يخرج الهواء من الرئة المثقوبة ويدخل في الحيز المجاور فيحدث ضغطاً يتزايد حتى يؤدي إلى توقف الرئة عن العمل والاختناق. أما إذا دمرت الأعصاب فيمكن أن يؤدي ذلك إلى آلام عصبية أو فقدان الإحساس أو غير ذلك. وأفضل احتياط هنا هو أن تراجع طبيباً درس التشريح الجسماني بشكل كاف بحيث يعرف المناطق الحساسة والرقيقة.
3- إسكات المرض، وهذا يحصل إذا ما استطاع العلاج بالإبر تخليص المريض من أعراض المرض كالآلام مثلاً فيعتقد المريض بأن حالته تتحسن في حين أن المرض يتقدم نحو الأسوأ. فمثلاً إذا كان ألم الظهر مصاحباً للسرطان فإنه يمكن للعلاج بالإبر أن يزيل الألم فيعتقد المريض بأن الحالة تتحسن في حين أن الأورام مستمرة بالانتشار.
والنتيجة هي أن العلاج بالإبر لم يكن أحسن من الطب المتداول الذي كان فشله وراء لجوء المريض إلى هذا العلاج.
|