نبي مرسل أن يشارك الله في سمعه المختص به وعلمه المختص به وبصره المختص به إلى آخر الأسماء والصفات ، كذلك إذا قلنا علم زيد وسمع خالد إلى آخره ينزه الرب سبحانه وتعالى أن يشارك هذا المخلوق في خصائص سمعه وبصره لأن لسمع الرب سبحانه وتعالى وبصره خصائص ومواصفات خاصة كذلك لصفات المخلوق خصائص ومواصفات خاصة ، نأخذ السمع مثلا : سمع الله تعالى سمع محيط بجميع المسموعات وعلم الله تعالى علم محيط بجميع المعلومات لا يفوته شيء ، هذا معنى قول السلف ( علمه في كل مكان وفي كل شيء ) ثم إن علم الرب سبحانه لم يسبق بجهل ولا يطرأ عليه نسيان أو غفلة أو ذهول هذه مواصفات علم الرب سبحانه وتعالىوقس على ذلك سائر الصفات ، يستحيل أن يشارك الله أحد في مواصفات وخصائص هذا العلم ، هل يوجد مخلوق يحيط بعلمه بكل شيء ؟ محيط بكل شيء بعلمه ؟ لا يوجد ، لا ملك ولا نبي ولا يوجد مخلوق علمه قديم قدم ذاته لم يسبق بجهل ، لا يوجد ، ولا يوجد مخلوق لا ينسى ولا يغفل ، إذن هذه خصائص صفات الرب سبحانه وتعالى وأسمائه ، أما خصائص صفات المخلوق فمعلومة " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " علم قليل وضئيل ومسبوق بجهل كان الإنسان جاهلا فرزقه الله العلم فتعلم هذا العلم القليل وعلمه القليل ليس بمحيط بجميع المعلومات ويطرأ عليه النسيان والغفلة والذهول وقد يذهب العلم كله ذهابا وقس على ذلك سائر صفات المخلوق ، إذن بعد إضافة صفات الله إلى الله وصفات المخلوق إلى المخلوق لا مشاركة بين الله وبين خلقه ، متى تقع المشاركة ؟ – المشاركة غير المماثلة ، المماثلة غير موجودة قطعا مطلقا – ولكن المشاركة والاتفاق في اللفظ والمعنى العام يحصل هذا قبل الإضافة كما مثلنا كأن تقول ( علم ) فتطلق ، ( سمع ) فتطلق دون أن تضيف ، هذه القاعدة يجب أن يفهما طلاب العلم ويهضموها ومن فهم هذا المقدار سهل عليه فهم هذا الباب باب الأسماء والصفات الذي ارتبك فيه كثير من أهل العلم من الخلف ، نقرأ هذه القطعة مرة أخرى قبل أن ننتقل إلى الأمثلة الكثيرة ( ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته ) – كما يقال القليل المفهوم خير من الكثير غير المفهوم ، فليكن حرصكم على الفهم والهضم لتهضموا المسائل لا على أن تمروا على جميع المسائل مر الكرام بدون فهم - (ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته يفهم منها ) أي من هذا الاتفاق وهذا الاشتراك (يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق ) المعنى واحد ( وما دل عليه بالإضافة والاختصاص) بالمواطأة والاتفاق دل على المشاركة اللفظية في المعنى العام ، وبالإضافة والاختصاص (المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى ) دل على الاختصاص وأن لا مشاركة بين الخالق وبين المخلوق .
(وكذلك سمى الله نفسه عليما حليما وسمى بعض عباده عليما فقال " وبشروه بغلام عليم ") عليم صيغة تدل على المبالغة : كثير العلم ، كثير العلم ، والكثرة نسبية أيضا ليس العليم كالعليم لأن وإن كانت هذه الصيغة تدل على كثرة العلم ولكن كثرة نسبية بالنسبة لغيره من المخلوقين الذين علمهم دون علمه ، دون علم هذا المخلوق ( يعني إسحاق وسمى الآخر حليما فقال " وبشرناه بغلام حليم ") الله حليم ووصف عبده هذا بأنه حليم ( يعني إسماعيل ) قال الشيخ ( وليس العليم كالعليم ولا الحليم كالحليم ) وليس إسحاق الذي وصف بأنه عليم ليس هو كرب العالمين في علمه وليس إسماعيل الذي وصف بالحلم أنه كرب العالمين سبحانه وتعالى في حلمه ولكن كما قلنا بعد الإضافة لا مشاركة ، له علم له مواصفاته ولله سبحانه وتعالى علم له مواصفاته كما تقدم المثال .
(وسمى نفسه سميعا بصيرا ... إن الله كان سميها بصيرا ") كان ولا يزال " كان " وإن كان الفعل يدل على الماضي ولكن اتفق علماء التفسير بل علماء اللغة أن " كان " في مثل هذا المقام من القرآن ليست دالة على الماضي فقط بل تدل على الدوام أيضا أخذا من السياق وأخذا من المقام لأن المقام مقام وصف الله تعالى بالسمع والبصر والعلم والحكمة مثلا هذه صفات قديمة قدم الذات لذلك يقول المفسرون عندما يفسرون عندما يفسرون هذه الآية " إن الله كان سميعا بصيرا " ولا يزال كذلك ، لا يزال سميعا بصيرا أي ليس فيما مضى فقط.
وسمى بعض عباده سميعا بصيرا فقال " إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ") ( جعل ) هنا بمعنى ( صيّر ) صيرناه سميعا بصيرا بعد أن لم يكن كذلك (وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير ) الأمر واضح .
(وسمى نفسه بالرؤوف الرحيم " إن الله بالناس لرؤوف رحيم " وسمى بعض عباده بالرؤوف الرحيم فقال " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " ) بالمؤمنين فقط " بالمؤمنين رؤوف رحيم " هكذا وصف الله سبحانه وتعالى نبيه ، من أين نأخذ هذا التفقيط ( فقط ) ؟ " بالمؤمنين رؤوف رحيم " تقديم الجار والمجرور " بالمؤمنين " فقط " رؤوف رحيم " ، وعلى غير المؤمنين يغلظ وهكذا أصحابه ، عندهم غلظة وشدة على الكفار ولكن رحماء فيما بينهم ومع المؤمنين وهكذا صفات المؤمنين دائما الذين يتأسون برسول الله عليه الصلاة والسلام عندهم رحمة وشفقة وذلة ولين مع المؤمنين ، وشدة وغلظة على الكافرين ، اللهم إلا في بعض المقامات مقام الدعوة ، مقام التبليغ ، قد يلين الإنسان جانبه ويخاطبه بالتي هي أحسن ، يخاطب الكافر والمنافق بالتي هي أقوم ويقول له قولا لينا رجاء أن يتذكر فيقبل الدعوة ، إذن المقامات تختلف .
(وسمى نفسه بالملك فقال " الملك القدوس " وسمى بعض عباده بالملك " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا") ملك ("وقال الملك ائتوني به ") هكذا إلى آخر الأمثلة والأمثلة واضحة جدا ولا حاجة إلى سردها والتعليق عليها كلها المعنى واحد فليفهم هكذا ، نعم وكذلك .
|